
حصل الجيش الألماني، البوندسفير، مؤخرًا على الضوء الأخضر لزيادة هائلة في الاستثمارات بعد أن صوّت البرلمان الالماني على إعفاء الإنفاق الدفاعي من القواعد الصارمة المتعلقة بالديون. ولقد صرح أحد القادة العسكريين الالمان وهو الجنرال مارستن بروير لوكالة انباء البي بي سي بأن هناك حاجة ماسة إلى هذه الزيادة النقدية لأنه يعتقد أن العدوان الروسي لن يتوقف عند أوكرانيا. وأضاف الجنرال الألماني بان المانيا مهدده من روسيا. قائلا: نحن مهددون من بوتين. علينا أن نفعل كل ما هو ضروري لردع ذلك”. ويحذر من أن على الناتو أن يكون مستعدًا لهجوم محتمل في غضون أربع سنوات فقط. وصرح وزير الدفاع الالماني “لا يتعلق الأمر بالوقت الذي أحتاجه، بل بالوقت الذي يمنحنا إياه بوتين للاستعداد. وكلما أسرعنا في الاستعداد كان ذلك أفضل”. ولعل هذا ما حذا بوزير الدفاع الألماني بالتصريح في فبراير الماضي بان بلاده بحاجه الى اتخاذ إجراءات سريعة وجذرية لتعزيز قدراتها الدفاعية بما في ذلك العودة الى نظام التجنيد الالزامي وزيادة الانفاق العسكري بشكل كبير وذلك خلال مقابلة مع صحيفة تايمز. وذكر ان المانيا تحتاج الى قفزة هائلة الى الامام لإنعاش الاقتصاد عبر الاستثمار في الجيش ليس فقط من اجل تحقيق الامن في الوقت الحالي ولكن لضمان مستقبل الأجيال القادمة.
اقرأ أيضا: د. مصطفى عيد إبراهيم يكتب.. عن التبعية المعرفية وفخ المعرفة في إفريقيا
تغير العقيدة
لعقود من الزمن، نشأ الناس هنا على رفض القوة العسكرية، مدركين تمامًا لدور ألمانيا السابق كمعتدي في أوروبا. ويوضح ماركوس زينر من صندوق مارشال الألماني في برلين: “لقد بدأنا حربين عالميتين. ورغم مرور 80 عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن فكرة بقاء الألمان بعيدًا عن الصراعات لا تزال راسخة في أذهان الكثيرين”. لا يزال البعض حذرًا من أي شيء قد يُنظر إليه على أنه نزعة عسكرية حتى الآن، وتعاني القوات المسلحة من نقص مزمن في التمويل. هناك أصوات تُحذر: هل نحن حقًا على الطريق الصحيح؟ هل تصورنا للتهديد صحيح؟”. الا ان الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قد غير التفكير في ألمانيا جذريًا. فيما يتعلق بروسيا، اتبعت ألمانيا نهجًا محددًا. بينما حذرت دول مثل بولندا ودول البلطيق من التقرب المفرط من موسكو – وزادت إنفاقها الدفاعي – آمنت برلين في عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بأهمية ممارسة الأعمال التجارية. حيث تصورت ألمانيا أنها تُحقق الديمقراطية بالتجارة. لكن روسيا استولت على الأموال وغزت أوكرانيا على أي حال. لذلك، في فبراير 2022، أعلن المستشار أولاف شولتز، في حالة من الذهول، عن تحول وطني في الأولويات، عندها تعهد بتخصيص مبلغ ضخم قدره 100 مليار يورو (108 مليارات دولار؛ 83 مليار جنيه إسترليني) لتعزيز جيش البلاد وكبح جماح “مُروجي الحرب مثل بوتين”. لكن الجنرال بروير يقول إن ذلك لم يكن كافيًا. يقول: “لقد سدّنا بعض الحفر، لكن الوضع سيء للغاية خاصة في ضوء الإنفاق الضخم في روسيا على الأسلحة والمعدات، وعلى المخازن، وعلى خطوط المواجهة في أوكرانيا.
كما يُسلّط الجنرال بروبر، الضوء على الحرب الهجينة التي تشنها روسيا: من الهجمات الإلكترونية إلى التخريب، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار مجهولة الهوية فوق المواقع العسكرية الألمانية. أضف إلى ذلك خطاب فلاديمير بوتين العدواني. وعلى عكس العالم الغربي، لا تُفكّر روسيا بشكل مُنغلق. الأمر لا يتعلق بالسلم والحرب، بل هو سلسلة متصلة: لنبدأ بالحرب الهجينة، هذا ما يجعل المسؤول العسكري الألماني يقول انه يعتقد أنهم يواجهون تهديدًا حقيقيًا”.
معالجة القصور
يتوافق تقييم وزير الدفاع الصارخ للوضع الراهن لقواته مع تقريرٍ صدر مؤخرًا إلى البرلمان. وخلص التقرير إلى أن الجيش الألماني يعاني من “نقصٍ شديدٍ في كل شيء”. وكشفت إيفا هوجل، مفوضة القوات المسلحة، عن نقصٍ حادٍّ في الذخيرة والجنود، وصولًا إلى الثكنات المتداعية. وقدّرت ميزانية أعمال التجديد وحدها بحوالي 67 مليار يورو (72 مليار دولار أمريكي؛ 56 مليار جنيه إسترليني). ويقول الجنرال بروير إن رفع سقف الدين، والسماح للجيش بالاقتراض – نظريًا، بلا حدود – سيمنحه إمكانية الوصول إلى “خط تمويل ثابت” للبدء في معالجة هذا الوضع.
وعلى الرغم من ان البرلمان الجديد، بزعامة يسارٍ مناهضٍ للعسكرة ويمينٍ متطرفٍ متعاطفٍ مع روسيا، أقل ميلًا إلى التأييد لزيادة قدرة الجيش على الانفاق وقدراته على الاقتراض لتوفير سيولة نقدية. لكن “التحول” الذي بدأته ألمانيا في عام 2022 اكتسب زخماً جديداً هذا العام. ولأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تنشر ألمانيا قواتها في دولة أخرى على أساس طويل الأمد. وتنشر آلاف الجنود في ليتوانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمتاخمة لروسيا. ووصفت ألمانيا هذه الخطوة بأنها جهد لحماية الناتو. كما يشهد الإنفاق الدفاعي الألماني ارتفاعًا. وقد أعلنت القوات المسلحة الألمانية، الجيش الألماني، أنها أنشأت لواءً جديدًا، هو اللواء المدرع الخامس والأربعون، ليتمركز في ليتوانيا لتكون هذه أول عملية نشر طويلة الأمد لجنود ألمان في دولة أخرى منذ الحرب العالمية الثانية، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس.
وفي هذا السياق، صرح العميد كريستوف هوبر، قائد اللواء المدرع الخامس والأربعين، بأنه بتأسيسه “لا نتقدم نحو الجاهزية العملياتية فحسب، بل نتحمل المسؤولية أيضًا”. وأضاف: “من أجل التحالف، ومن أجل ليتوانيا، ومن أجل أمن أوروبا. كدليل على تصميمنا على الدفاع عن السلام والحرية مع شركائنا”.
وعندما وُضعت الخطط لأول مرة للواء المدرع الخامس والأربعين في عام 2023، وصفته ألمانيا بأنه جزء من الجهود المتنامية التي تبذلها دول الناتو لتعزيز أمنها وأمن حدود الناتو الشرقية. وصرح وزير الدفاع الألماني في حينه بوريس بيستوريوس: “مع هذا اللواء المجهز للحرب، نتولى مسؤولية القيادة على الجناح الشرقي لحلف الناتو”. علما بأن هذا اللواء الجديد يتألف من عدة كتائب، وسيضم حوالي 5000 جندي وموظف مدني. وأضاف أن مركز قيادة اللواء يعمل بكامل طاقته، وأن الهدف هو أن يكون في حالة تأهب حربي كامل بحلول عام 2027.
ولقد تم ليتوانيا التي تحد جيب كالينينجراد الروسي وحليف روسيا الوثيق بيلاروسيا – والتي كانت من الدول التي دقّت ناقوس الخطر بشدة من احتمال تحرك روسيا خارج أوكرانيا لشن هجمات في أماكن أخرى من أوروبا. كما أنها من أكبر الدول إنفاقًا على الدفاع في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من حيث نسبة الناتج المحلي الإجمالي، وأحد أكبر حلفاء أوكرانيا، واصفةً القوات الأوكرانية بأنها القوات التي تحمي أوروبا بأكملها. وتتواجد قوات الناتو بالفعل في ليتوانيا، بشكل دوري، مع مجموعة قتالية متعددة الجنسيات بقيادة ألمانيا. كما نشرت دول الناتو أصولًا مثل الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية هناك. كما ان القوات الأمريكية من بين القوات المتمركزة في ليتوانيا، إلا أن مستقبلها على المدى البعيد أقل وضوحًا، في ظل انتقادات الرئيس دونالد ترامب لحلفاء الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والمساعدة المقدمة لأوكرانيا.
من جانبها، صرحت دوفيلي شاكاليني، وزيرة الدفاع الليتوانية، لموقع بيزنس إنسايدر في فبرايرالماضي أن بلادها ترغب في بقاء القوات الأمريكية، وأنها تتوقع أن تتفق الولايات المتحدة مع الدول التي تدفع مساهماتها الدفاعية. وقالت: “نحن نقوم بدورنا”، مضيفةً أنها تتوقع من الولايات المتحدة أن تقوم بدورها أيضًا. كما تعمل ليتوانيا على تعزيز حدودها مع روسيا.
زيادة الانفاق العسكري
أنفقت ألمانيا 1.51% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2022، والذي قفز إلى ما يُقدر بنحو 2.12% في عام 2024، وفقًا لحلف شمال الأطلسي. وكان ارتفاع مشتريات ألمانيا الدفاعية، وأوروبا عمومًا، نعمةً للصناعات الدفاعية في القارة. ولقد صرحت شركة راينميتال الألمانية لتصنيع الأسلحة في مارس الماضي أنها تتوقع ارتفاع مبيعاتها هذا العام بنسبة تتراوح بين 25% و30%.
علما بان الإنفاق الدفاعي الألماني قد شهد زيادةً أقل من بعض حلفائها: فقد احتلت المرتبة 15 من بين 31 دولة عضوًا في حلف الناتو من حيث الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، وفقًا لتقديرات الناتو. لكنها تعهدت ببذل المزيد من الجهود.
فبعد صراعها مع إرث الحربين العالميتين الأولى والثانية، والذي أدى إلى تجنب العسكرة المكثفة، التزمت ألمانيا باتخاذ خطوات عسكرية كبرى. صوّت المشرّعون الالمان على تعديل الدستور الألماني بطريقة تتيح توفير مليارات الدولارات التي يمكن استخدامها للإنفاق الدفاعي.
دوافع ألمانيا لتعزيز قدراتها العسكرية
تحاول ألمانيا عبر دبلوماسيتها الدفاعية إقناع العالم، بأنها تسعى لتكون قوة عسكرية مرة أخرى، وهو الأمر الذي تجلى في محاضرة ألقاها وزير الدفاع الألماني السابق في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بواشنطن، وتحدث فيها عن النهضة العسكرية لألمانيا، وذكر أن برلين قدمت دبابات ومركبات مشاه قتالية ومدافع الهاوترز وأنظمة الدفاع الجوي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وهذا النوع من الحديث لم يكن مألوفًا أو معتادًا من ألمانيا ومسئوليها، حيث كان الساسة الألمان يتحاشون استخدام هذه اللغة العسكرية ويكتفوا بإعلان الاعتماد على الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو في هذه الناحية.
والحقيقة أن التحول التاريخي قد حدث عندما أعلن المستشار الألماني شولتز في 2020 عن إحياء الجيش الألماني لمواجهة التهديد الروسي، وأصبحت ألمانيا ثاني أكبر مانح للأسلحة لأوكرانيا، كما وافقت المانيا على تغيير دستورها والسماح بإنشاء صندوق دفاع خاص بقيمة 100 مليار يورو. إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجه ألمانيا خاصة على الصعيد الداخلي. فعلى سبيل المثال، هناك هوة كبيرة بين المستشار الألماني ووزير دفاعه حول حجم وكيفية تعزيز قدرات المانيا الدفاعية، لذلك تجاهل المستشار الألماني اقتراح وزير دفاعه بإعادة العمل بالتجنيد الإجباري الذي ألغته المستشارة ميركل في عام 2011.
وتشير التقديرات التي نشرتها دويتش فيله إلى أن هناك حاجة لنحو 108 مليار يورو لتعزيز المنظومة العسكرية لألمانيا حتى 2027، في حين أن الموازنة للعام 2023 ترصد نحو نصف هذا المبلغ فقط وبنحو 52 مليار دولار (حوالي 45 مليار يورو)، مما يعني الحاجة إلى التقشف في نفقات أخرى في حين يرى روديش كيزيفتر، خبير شئون الدفاع في الاتحاد الديموقراطي المسيحي، أن الجيش الألماني يحتاج لمزيد من الأموال حتى يتمكن من العمل كجيش حديث فعلًا، مضيفا أنه بدون أمن فإن الاقتصاد سينهار .
وتعد ميزانية الدفاع الألمانية هي الثانية في أوروبا من حيث الحجم بعد بريطانيا، وتحتل المركز السابع على مستوى العالم الذي ينفق نحو 2.2 تريليون دولار على التسليح. كما شيدت ألمانيا شركة الأسلحة راينميتال لزيادة إنتاجها من الذخيرة، بحيث أدى ذلك إلى زيادة نفقاتها العسكرية خلال عقد من 2014-2023 بنسبة 48٪.
وفي موازنة 2024، وافق البرلمان الألماني على زيادة الإنفاق العسكري وتخصيص 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي وبمبلغ يقدر بنحو 73.31 مليار دولار وتخصيص حزمة مساعدات لأوكرانيا. وعلى صعيد الاستعداد النووي، فإن ألمانيا تسعى للحصول على أسلحة نووية خاصة بها وإنشاء استراتيجية احتياطية للردع النووي بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا حال غياب الولايات المتحدة، ويقدر الخبراء أن هذا الأمر قد يحتاج إلى نحو خمسة عشر عامًا لتطوير درع نووي.
وخلاصة الامر، ان المانيا تعيد دفة التاريخ الى الوراء عبر زيادة انفاقها العسكري وتعزيز قدراتها العسكرية بعد ان اتخذت قرارها بالتخلص من السلاح النووي وزيادة التعاون الاقتصادي مع روسيا. الا ان الغزو الروسي لأوكرانيا قد جاء ليعد جرس انذار لتعيد حساباتها مرة أخرى وقد تواكب هذا مع سياسات الرئيس الأمريكي ترامب الذي لم يعد يرى في أوروبا عموما وألمانيا خاصة على انها حليف استراتيجي لبلاده ويستهدفها وغيرها عبر حرب تجارية ومطالبتها بتقديم تنازلات من خلال مبدأ الامن مقابل التجارة مما قد يدفع العالم مرة أخرى الى سباق التسلح والمخاطرة بإمكانية تحقيق سيناريوهات سوء التقدير والتي تزج بالعالم الى حروب مدمرة قد طويت لعقود عدة وظن خطأ انها قد طويت للأبد.