الرئيسيةتقدير موقف

معركة الناقلات في الخليج: خناق أسطول الظل والمعضلة الانتحارية ‏لطهران

رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية
لم تعد الحرب البحرية بين واشنطن وطهران تُدار بقاعدة “ناقلة مقابل ‏ناقلة”؛ فبعد إطلاق الحرس الثوري صواريخ باليستية باتجاه حاملة ‏طائرات ومدمرة أمريكيتين، ضربت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط ‏إيرانية في الخليج وخليج عمان، إحداها قرب جزيرة خارك، قلب ‏صادرات إيران النفطية، وتوعد وزير الدفاع الأمريكي بإغراق الناقلات ‏الإيرانية إذا استمر الهجوم على السفن الأمريكية. المغزى هنا ليس عدد ‏الناقلات، بل انتقال واشنطن من الرد بالمثل إلى استهداف الشريان الذي ‏يمول الحرب نفسها: النفط. وهذا التحول يتزامن مع حصار بحري خنق ‏صادرات إيران من مليوني برميل يوميًا إلى أقل من ربع مليون، فانهار ‏الريال، وتضاعف التضخم، واصطف الإيرانيون أمام محطات الوقود في ‏بلد يعوم على النفط. أمام هذا الواقع، يجد النظام نفسه حبيس معضلة لا ‏مخرج مريحًا منها: فالتفاوض والتنازل عن ملفات البرنامج النووي ‏والقدرات الصاروخية وشبكة الأذرع الإقليمية قد ينقذ الاقتصاد، لكنه ‏يفتح سؤال الشرعية الذي قد يوقظ تذمرًا شعبيًا راكدًا؛ والتصعيد قد يحفظ ‏رواية “المقاومة”، لكنه يعرّض ما تبقى من البنية النفطية والعسكرية ‏لتدمير أمريكي قد يولّد التذمر نفسه من طريق آخر. فلا التسوية مأمونة، ‏ولا التصعيد محتمل إلى الأبد؛ والحصار الخانق لا يمنح طهران ترف ‏اللا سلم واللا حرب، بل يستنزف كل يوم إضافي ما تبقى من قدرتها ‏على الاختيار‎.‎


من “ناقلة مقابل ناقلة” إلى خنق أسطول الظل

خلال المرحلة السابقة كانت قواعد الاشتباك أقرب إلى معادلة محدودة ‏السقف: تستهدف إيران سفينة، فترد واشنطن باستهداف ناقلة، بما يحافظ ‏على ردع متبادل دون مواجهة شاملة. لكن الضربات الأخيرة طالت ثلاث ‏ناقلات في وقت واحد، إحداها قرب خارك، بعد محاولة إيرانية لاستهداف ‏سفن حربية أمريكية بصواريخ باليستية. ولم تكتفِ واشنطن برسالة ‏عسكرية؛ بل ربطت صراحة بين مهاجمة سفنها وضرب أسطول النفط ‏الإيراني بالكامل، فتحولت القاعدة من “ناقلة مقابل ناقلة” إلى معادلة ‏أقسى: سفينة أمريكية مقابل قدرة إيران على تمويل الحرب. فتجفيف ‏صادرات النفط يعني ضرب مصدر العملة الصعبة التي تحتاجها طهران ‏لشراء الغذاء والدواء وقطع الغيار، وتمويل مؤسسات الدولة وقدرتها ‏العسكرية. ‏
ولذلك لم يعد “أسطول الظل” شبكة ناقلات تلتف على العقوبات بعيدًا عن ‏ساحة الحرب، بل أصبح أحد ميادينها الرئيسية؛ فقد نجح الحصار البحري ‏فيما عجزت عنه العقوبات وحدها لسنوات: تراجعت تحميلات النفط الخام ‏والمكثفات الإيرانية من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى ما بين ‏‏220 و255 ألف برميل في أغسطس. من هنا تُفهم ضربة الناقلة قرب ‏خارك: لم تعد مطاردة سفن متنقلة، بل اقترابًا من نقطة الاختناق التي يبدأ ‏عندها تدفق المال الإيراني إلى الخارج‎.‎

الفارق بين العقوبات والحصار

وإذا كان الحصار قد بدأ من عرض البحر، فإنه يقترب اليوم من نقطة ‏الانطلاق نفسها. تمثل جزيرة خارك قلب منظومة التصدير الإيرانية، ‏ولهذا كان بإمكان واشنطن الاكتفاء بمطاردة سفن بعيدة في خليج عمان، ‏لكنها اختارت الاقتراب من مركز التصدير نفسه: رسالة أن النفط ‏الإيراني لم يعد بعيدًا عن مرمى القوة الأمريكية. وهذا ما يجعل ‏الضربات الثلاث، رغم محدودية حجمها العسكري، أكبر من عملية ‏انتقامية: كل هجوم إيراني على سفينة أمريكية سيحمل كلفة اقتصادية ‏مباشرة على طهران، فتغدو المعركة حلقة مغلقة يستخدم فيها كل طرف ‏البحر لخنق الآخر. ‏
وهنا يبرز الفارق بين العقوبات والحصار؛ فالعقوبات سمحت لإيران ‏لسنوات بالالتفاف عبر شبكات من الوسطاء وتغيير الأعلام والمسارات، ‏بينما أصاب الحصار البحري الحالي الحلقة التي تسمح لهذه المنظومة ‏بالحركة. وبحسب بيانات رويترز، لم تصل شحنات نفط خام إيرانية إلى ‏الصين عبر هرمز منذ منتصف يوليو، واضطرت طهران إلى مخزونات ‏عائمة في آسيا يصعب تعويضها، بينما تراكم النفط على ناقلات عالقة. ‏فالنفط موجود، لكنه لا يتحول بالسرعة المطلوبة إلى دولارات: ثروة ‏تحت الأرض، ونفط على الماء، وخزينة تبحث عن العملة الصعبة، وهذا ‏ما يفسر جانبًا كبيرًا من الأزمة الإيرانية الراهنة. وهذا ما يمنح هذه ‏المعركة بعدًا يتجاوز حسابات الربح والخسارة العسكرية المباشرة‎.‎


بلد النفط الذي يطارد الوقود
وإذا كانت خارك نقطة الاختناق عند التصدير، فإن أثر هذا الاختناق ‏يتجلى سريعًا داخل الاقتصاد الإيراني على مستوى الحياة اليومية. تظهر ‏نتائج الحصار على ثلاثة مستويات متزامنة: العملة والأسعار والطاقة. ‏تجاوز الريال حاجز مليوني ريال مقابل الدولار، ووصل التضخم السنوي ‏إلى نحو 66%، وارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات 128.1% سنويًا، ‏فيما كانت أسعار السلع الاستهلاكية في أغسطس أعلى بنحو 84.4% من ‏مستواها قبل عام. لكن الأرقام تزداد قسوة أمام الدخول: تقدَّر الأجور ‏الشهرية بما بين 82 و125 دولارًا وفق سعر الصرف السائد، مقابل كلفة ‏سلة استهلاك أساسية تناهز 450 دولارًا للأسرة شهريًا؛ الدخل لا يلاحق ‏الأسعار. وكل انخفاض في الريال يرفع كلفة الغذاء والدواء والسلع ‏المستوردة، وكل تراجع في صادرات النفط يقلص تدفق الدولار، وكل ‏نقص في الدولار يضغط على الريال مجددًا: نفط أقل، دولارات أقل، ريال ‏أضعف، أسعار أعلى، ودخل يفقد قيمته. ‏
وفي الشوارع يظهر الوجه الأكثر مباشرة للأزمة: طوابير طويلة أمام ‏محطات الوقود، بعدما أصبح دعم المحروقات عبئًا متزايدًا على دولة ‏تعاني أصلًا من شح العملة الصعبة. بلد يجلس فوق بحار من النفط ‏والغاز، ومواطنوه يقفون في طوابير للحصول على الوقود‎.‎

المعضلة الانتحارية.. بين التفاوض والتصعيد‏
أمام هذا الواقع، لا تواجه طهران أزمة اقتصادية فحسب، بل معضلة ‏سياسية لا مخرج مريحًا منها؛ فكل خيار متاح أمامها يحمل ثمنًا يمسّ إما ‏شرعيتها التاريخية أو بقاءها المادي. الطريق الأول التفاوض والتراجع: ‏تسوية مع واشنطن قد تخفف الحصار وتعيد صادرات النفط وتفتح قنوات ‏التجارة. لكن ثمنها السياسي باهظ إذا شملت الملفات الثلاثة التي بنت ‏عليها الجمهورية الإيرانية جزءًا أساسيًا من قوتها، الملف النووي ‏والبرنامج الصاروخي والأذرع الإقليمية، لأنها تفتح سؤالًا أخطر من ‏خسارة جولة تفاوضية: إذا كان بالإمكان تقديم هذه التنازلات الآن، فلماذا ‏تحمّل الإيرانيون عقودًا من العقوبات والحروب؟ سؤال يطال الرواية ‏التي قدّمت المواجهة مع واشنطن خيارًا تاريخيًا لا رجعة فيه‎.‎
الطريق الثاني التصعيد، وهو الأقرب إلى سلوك طهران راهنًا عبر ‏الضغط على الملاحة واستهداف السفن الأمريكية. لكنه يغذّي الحصار ‏الذي يحاول كسره: كل هجوم على سفينة أمريكية يمنح واشنطن مبررًا ‏جديدًا لتوسيع الحصار وضرب الناقلات وتدمير بنية التمويل الإيراني. ‏وليس هذا جهلًا بالكلفة بقدر ما هو حساب أيديولوجي: فالتراجع أمام ‏واشنطن يُقرأ داخليًا اعترافًا بفشل استراتيجية عمرها عقود، بينما تمنح ‏المواجهة الخارجية، مهما كلّفت، النظامَ مساحةً لصياغة الأزمة معركةَ ‏سيادة ومقاومة. فالنظام الذي بنى شرعيته على “المقاومة” والمظلومية ‏والصمود يستطيع تفسير الخسائر العسكرية ضمن روايته، لكنه يعجز ‏عن تفسير التراجع أمام داخل يتحمل أعباء العقوبات والحرب الطويلة. ‏لذلك يبدو التصعيد أقل خطرًا سياسيًا من التسوية الشاملة، حتى وهو أكثر ‏خطورة عسكريًا على الدولة‎.‎
هكذا تنغلق الحلقة على النظام من طرفيها: التسوية تهدد شرعيته بفتح ‏باب التذمر الشعبي على سؤال الجدوى، والتصعيد يهدد ما تبقى من بنيته ‏النفطية والعسكرية أمام قوة أمريكية متفوقة، وتدميرها كفيل بإشعال ‏التذمر نفسه من طريق آخر، احتياجات معيشية لا تُلبى وخدمات تنهار. ‏وليست هذه المخاوف افتراضية؛ فإيران شهدت من قبل احتجاجات واسعة ‏اندلعت من رفع أسعار الوقود ومن انهيار قيمة الريال، تحوّلت سريعًا من ‏مطالب معيشية إلى شعارات سياسية تطال شرعية النظام نفسه، وهو ما ‏يجعل تكرار السيناريو اليوم احتمالًا حاضرًا في حسابات القيادة. ‏
ولا يملك النظام ترف اللا سلم واللا حرب طويلًا، فالتضخم يقترب من ‏‏70%، وقد يدفع تراجع عائدات النفط الحكومة إلى طباعة النقود فيتفاقم ‏أكثر. والمعركة، في جوهرها، سباق مع الوقت: واشنطن تراهن على أن ‏كلفة الحصار ستتجاوز قدرة طهران على الاحتمال، وطهران تراهن على ‏أن الصمود سيجبر خصمها على العودة إلى التفاوض. لكن كل يوم بلا ‏عودة منتظمة للصادرات يعني دولارات أقل، وريالًا أضعف، وأسعارًا ‏أعلى، وقدرة أقل على تمويل الدولة والحرب معًا، فالميزان لا يبدو ‏محايدًا‎.‎
الضربات الثلاث الأخيرة ليست نقطة التحول الكبرى؛ فالخنق الاقتصادي ‏بدأ قبلها بأشهر، لكنها تكشف إلى أين تتجه قواعد الاشتباك الجديدة. ‏والسؤال الآن ربما لم يعد ماذا ستضرب إيران في البحر، بل كم ناقلة ‏تستطيع أن تخسر قبل أن يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من التراجع ‏عنها؟ هذه هي المعضلة الانتحارية لطهران: التسوية تهدد الرواية التي ‏حكمت بها، والتصعيد يهدد الدولة التي تريد بقاءها.‏

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى