
تُعدّ مراكز الشباب من أهم المؤسسات التي أنشأتها الدولة بهدف رعاية النشء وتنمية قدراتهم، وهي فضاءات مفتوحة لتطوير المهارات، وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، والمشاركة المجتمعية. وقد صُممت هذه المراكز لتكون بيئة حاضنة للشباب، تُعزز فيهم روح الانتماء، وتساعدهم في تنمية قدراتهم البدنية والعقلية والإبداعية. ومع ذلك، فقد تراجع دور هذه المراكز في السنوات الأخيرة، وبرزت ظاهرة واضحة تتمثل في عزوف كثير من الشباب عن المشاركة في أنشطتها.
اقرأ أيضا: أ.د. هاني جرجس عياد يكتب.. برامج التأهيل الاجتماعي للمسجونين: ركيزة للإصلاح وإعادة الإدماج
تخضع مراكز الشباب في مصر للإطار التشريعي المنظم من خلال القانون رقم 218 لسنة 2017 بشأن تنظيم الهيئات الشبابية، والذي يُعدّ نقلة نوعية في تأطير عمل هذه المؤسسات. يهدف القانون إلى تعزيز استقلالية هذه الهيئات، وتمكينها من تقديم أنشطة مبتكرة وجاذبة، كما يتيح لها عقد شراكات مع جهات مختلفة، بما يُسهم في تنويع خدماتها وتوسيع نطاق تأثيرها. ويؤكد القانون أهمية إشراك الشباب في وضع السياسات وتنفيذ البرامج، وإعطائهم الدور الأساسي في تحديد أولوياتهم واحتياجاتهم داخل هذه المراكز. لمزيد من التفاصيل حول مواد القانون، انظر الرابط:
رغم ذلك، لا تزال العديد من مراكز الشباب تُعاني من ضعف الإقبال من جانب الشباب، ويُعزى ذلك إلى أسباب متعددة. أبرز هذه الأسباب هو النمطية والرتابة التي تتسم بها معظم البرامج المقدّمة، حيث لا تُواكب أنشطة المراكز اهتمامات الجيل الجديد، ولا تستجيب لتغير احتياجاته وسرعة تطلعاته. كما أنّ ضعف الترويج للأنشطة، وغياب قنوات التواصل الفعّالة، يجعلان الكثير من الشباب غير مدركين لما يُعرض داخل هذه المراكز. يُضاف إلى ذلك غياب المرونة في توقيتات البرامج، وعدم مراعاة ظروف الشباب الدراسية أو المهنية، مما يُقلل من فرص مشاركتهم.
من العوامل الأخرى التي تُسهم في هذا العزوف، هو الشعور بعدم وجود عائد ملموس من المشاركة في الأنشطة، سواء على المستوى الشخصي أو المهني. فكثير من الشباب لا يجدون في تلك الأنشطة فرصة حقيقية للتطوير أو التمكين، ولا يشعرون بأنها تفتح أمامهم آفاقًا جديدة في سوق العمل أو في الحياة المجتمعية. كما أنّ عدم إشراكهم في اتخاذ القرار داخل المراكز يزيد من شعورهم بالتهميش، ويجعلهم يبتعدون عنها لصالح منصات رقمية، أو مبادرات مجتمعية أكثر تفاعلًا.
وللتغلب على هذا التراجع في الإقبال، هناك حاجة ملحّة إلى تجديد المحتوى والآليات داخل مراكز الشباب. أولى الخطوات تتمثل في فهم احتياجات الشباب بشكل دقيق، وذلك من خلال إجراء استطلاعات دورية ولقاءات استشارية تفاعلية معهم، ثم تصميم برامج غير تقليدية تُلامس اهتماماتهم، مثل تنظيم أنشطة ترفيهية مبتكرة، وتقديم دورات تدريبية قصيرة في المهارات الرقمية وريادة الأعمال، وإطلاق تحديات ومسابقات ثقافية ورياضية تُحفّز روح التنافس لديهم.
كما أن تقديم حوافز فعلية ومغرية يُعدّ من العوامل المؤثرة في جذب الشباب. فمثلاً، يمكن تقديم جوائز مالية أو شهادات معتمدة، وربط الأنشطة بفرص تدريب أو توظيف حقيقية، بالإضافة إلى إنشاء نظام نقاط مكافآت تُستخدم للحصول على خصومات أو مزايا في أنشطة أخرى. كذلك، فإن التعاون مع مؤثرين شباب ونجوم في مجالات الرياضة والفن، يمكن أن يُسهم في تعزيز صورة المراكز لدى الشباب، ويُشجّعهم على التفاعل معها.
في ظل تطور الوسائل الرقمية، من الضروري أن تعتمد مراكز الشباب على الترويج عبر المنصات الاجتماعية الحديثة مثل “تيك توك” و”إنستجرام” و”يوتيوب”، مع التركيز على إنتاج محتوى مرئي جذاب يُعرّف الشباب بالأنشطة بطريقة تفاعلية، بدلًا من المنشورات التقليدية. كما يُمكن تطوير تطبيق إلكتروني لتسهيل التسجيل والتفاعل، بالإضافة إلى استخدام تطبيقات المراسلة مثل “واتساب” و”تليجرام” لإرسال التحديثات والرسائل الترويجية بشكل مستمر.
من المهم أيضًا أن يتم المزج بين الترفيه والتعلم والعمل، بحيث يشعر الشاب بأن مشاركته تمنحه المتعة والفائدة في آنٍ واحد. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنظيم هاكاثونات (وسيأتي شرح المصطلح لاحقًا) ومسابقات للابتكار، وتشكيل أندية ثقافية وفنية، وتوفير فرص للعمل التطوعي مقابل مكافآت مادية أو امتيازات، مما يُعزز من شعور الشباب بأهمية دورهم داخل المجتمع. ويجب إدماج التكنولوجيا بشكل أكثر فاعلية، مثل استخدام تقنيات الواقع الافتراضي، أو الألعاب التفاعلية، بما يجعل الأنشطة أكثر جاذبية وتواكب روح العصر.
الهاكاثون هو فعالية تُنظَّم على مدار يوم أو أكثر، يجتمع فيها مجموعة من الشباب من تخصصات مختلفة مثل البرمجة والتصميم وريادة الأعمال، ويتعاونون في فرق صغيرة لإيجاد أفكار أو حلول جديدة لمشكلة محددة، خلال وقت قصير. يشبه الأمر سباقًا للإبداع والعمل الجماعي، حيث يُتاح للمشاركين التفكير بحرية وتقديم أفكار مبتكرة، حتى وإن لم يكونوا خبراء. وفي نهاية الفعالية، تُعرض المشاريع على لجنة تحكيم، وقد يحصل الفائزون على جوائز أو دعم لتحويل أفكارهم إلى مشاريع حقيقية. ولهذا، تُعد الهاكاثونات تجربة ممتعة ومفيدة تجمع بين التعلّم والتعاون وروح التحدي. لمزيد من التفاصيل حول مفهوم “الهاكاثون”، انظر الرابط:
https://www.ajnet.me/blogs/2024/8/6/الهاكاثونات-حلبات-الإبداع
أخيرًا، لا بد أن تكون الأنشطة الشبابية مرنة وسهلة الوصول، من خلال تنظيم فعاليات متنقلة في الجامعات والمراكز التجارية والأحياء، وتقديم برامج مسائية أو إلكترونية تُناسب من لا يملكون وقتًا كافيًا خلال النهار. كما يجب تقليل الإجراءات البيروقراطية في التسجيل، وتوفير إمكانية الاشتراك الفوري عن بُعد، مع مراعاة تقديم فعاليات مجانية أو رمزية التكلفة، لضمان الوصول إلى جميع الفئات دون تمييز.
إجمالًا، إن إعادة الشباب إلى مراكزهم تحتاج إلى رؤية جديدة تُعيد الثقة في هذه المؤسسات، وتُعيد صياغة دورها بوصفها شريكًا حقيقيًا في تنمية المجتمع وبناء المستقبل. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إشراك الشباب أنفسهم، والاعتماد على أفكارهم، ومخاطبة طموحاتهم بلغة يفهمونها ويؤمنون بها.
ولإيضاح المسارات العملية التي يمكن أن تُسهم في استعادة جاذبية مراكز الشباب، يُبيّن الجدول التالي أبرز هذه المحاور بشكل موجز:
| المجال | الاستراتيجية المقترحة |
| تجديد المحتوى | تصميم برامج مبتكرة تُواكب اهتمامات الشباب (ريادة الأعمال، المهارات الرقمية، الترفيه الذكي). |
| آليات الجذب | تقديم حوافز (جوائز، شهادات، فرص تدريب وتوظيف، نظام نقاط مكافآت). |
| التواصل الرقمي | الترويج عبر تيك توك ويوتيوب، تطوير تطبيق إلكتروني، استخدام واتساب وتليجرام. |
| الدمج بين الترفيه والتعلّم | تنظيم هاكاثونات، مسابقات ابتكار، أندية ثقافية، عمل تطوعي بمقابل أو امتيازات. |
| استخدام التكنولوجيا | توظيف تقنيات الواقع الافتراضي والألعاب التفاعلية لجعل الأنشطة أكثر جذبًا. |
| سهولة الوصول | فعاليات متنقلة، برامج مسائية أو إلكترونية، تبسيط التسجيل، تقديم أنشطة مجانية أو رمزية التكلفة. |
| إشراك الشباب | منحهم دورًا في التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار داخل المراكز. |
وإذ أضع بين أيديكم هذه الرؤية المتكاملة لتجديد دور مراكز الشباب واستعادة مكانتها في حياة الأجيال الجديدة، فإنني أطمح إلى أن تصل هذه المقترحات إلى معالي الأستاذ الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة، وإلى السادة وكلاء الوزارة داخل الديوان العام وفي المديريات على مستوى الجمهورية، للعمل على دراستها وتفعيل ما يمكن منها، وتعميمها كإطار تطويري شامل يُسهم في بناء منظومة شبابية أكثر حيوية وتفاعلًا مع تطلعات الشباب المصري في كل محافظة ومركز وقرية.
وفي الختام، أتمنى لمعالي الوزير والسادة المسؤولين في وزارة الشباب والرياضة دوام التوفيق والسداد في جهودهم المباركة لخدمة شباب مصر، وأن تُثمر هذه المبادرات المقترحة في تعزيز دور المراكز الشبابية كمحاضن للتنمية والإبداع والانتماء، بما يعود بالنفع على الوطن وأبنائه.



