ليبيا في أسبوع.. الجيش ينفذ عمليات نوعية في الجنوب ومصلحة الضرائب تسجل أعلى إيراد

طرابلس- مركز العرب
تعيش الدولة الليبية منذ مطلع عام 2026 حراكاً مفصلياً يتقاطع فيه دوي المدافع على الحدود الجنوبية المترامية مع صمت الأرقام والإيرادات في أروقة المؤسسات المالية، وسط تحركات دبلوماسية دولية حثيثة تحاول رسم مسار سياسي ينهي حقبة الانقسام. هذا المشهد المعقد لا يمكن قراءته من زاوية واحدة؛ فالأمن والاقتصاد والسياسة في ليبيا أشبه بأوانٍ مستطرقة، يؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به. يحاول هذا التقرير التحليلي المطول الغوص في أعماق التطورات الميدانية الأخيرة على الشريط الحدودي مع النيجر، وربطها بالسياسات الاقتصادية الحازمة لمصرف ليبيا المركزي ومصلحة الضرائب، وصولاً إلى قراءة الموقف الأمريكي والدولي الداعم لاستقرار البلاد.
اقرأ أيضا: ليبيا في أسبوع.. مقترح بإنهاء الانقسام السياسي وحفتر يطلق رؤية 2030 لتطوير الجيش

الرمال المتحركة في الجنوب.. دلالات الهجوم وعملية التحرير النوعية
عاد الجنوب الليبي، وتحديداً الشريط الحدودي المحاذي لدولة النيجر، ليتصدر واجهة الأحداث الأمنية بقوة، كاشفاً عن هشاشة الاستقرار في تلك المناطق الشاسعة التي لطالما شكلت خاصرة رخوة للأمن القومي الليبي. اندلعت شرارة التوتر القصوى في الحادي والثلاثين من يناير 2026، عندما شنت تشكيلات مسلحة، تطلق على نفسها اسم “غرفة عمليات تحرير الجنوب”، هجوماً مباغتاً استهدف منفذ التوم الحدودي وعدداً من النقاط العسكرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي. لم يكن هذا الهجوم مجرد مناوشة عابرة، بل أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، والأخطر من ذلك، اختطاف تسعة جنود ليبيين، مما مثل تحدياً مباشراً لهيبة القوات المسلحة في تلك البقعة الجغرافية المعقدة.
في قراءة تحليلية للرد العسكري، نجد أن القيادة العامة للجيش الليبي اختارت استراتيجية “الردع السريع والتدخل الجراحي”. فقد نفذت وحدات النخبة والقوات المختصة عملية عسكرية وُصفت بالدقيقة والنوعية، استندت إلى رصد استخباراتي ميداني مكثف لتحركات العناصر الخاطفة. أسفرت هذه العملية عن تحرير الجنود التسعة وإعادتهم سالمين إلى وحداتهم، وهو ما يمثل نجاحاً تكتيكياً ومعنوياً كبيراً للجيش. لم تقتصر العملية على التحرير، بل امتدت لتشمل تدمير جيوب التمركزات المسلحة، ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والعربات رباعية الدفع، بالإضافة إلى القضاء على عدد من العناصر المهاجمة وأسر آخرين. إن هذه الاستجابة السريعة تعكس تطوراً ملحوظاً في الكفاءة القتالية واللوجستية للجيش الليبي، وقدرته على إدارة أزمات الاختطاف في بيئة صحراوية بالغة القسوة.

صراع السيطرة على “مثلث السلفادور“
على الجانب الآخر من المشهد الميداني، تبرز حرب إعلامية موازية تعكس محاولات إثبات الوجود. فقد سارعت “غرفة عمليات تحرير الجنوب” إلى إصدار بيانات تنفي فيها هزيمتها، زاعمة تحقيق “انتصارات ميدانية” وإحكام سيطرتها على كامل الشريط الحدودي مع النيجر. وذهبت في سرديتها إلى حد ادعاء تكبيد قوات الجيش الليبي خسائر فادحة وإجبارها على الانسحاب نحو مدينة مرزق. غير أن مقاطع الفيديو والصور التي بثتها القيادة العامة للجيش، والتي تظهر السيطرة الميدانية على خيام المتمردين ومصادرة عتادهم، رجحت كفة الرواية الرسمية للجيش، وأضعفت من مصداقية ادعاءات الغرفة المسلحة.
لفهم أبعاد هذا الصراع، يجب النظر إلى الجغرافيا السياسية للمنطقة. يقع معبر التوم ضمن نطاق يُعرف شعبياً بـ “مثلث السلفادور” أو “طريق الموت”، وهي منطقة شديدة الوعورة تتداخل فيها الحدود الليبية (التي تمتد لنحو 354 كم مع النيجر، و1055 كم مع تشاد، و982 كم مع الجزائر، و380 كم مع السودان) لتشكل بيئة مثالية لنشاط عصابات الجريمة المنظمة، وتهريب البشر، وتجارة السلاح. الأهم من ذلك، أن هذه المنطقة تعد الشريان الرئيسي لتهريب الوقود والمشتقات النفطية المدعومة من ليبيا إلى العمق الإفريقي. وتؤكد قوات القيادة العامة أن عملياتها العسكرية تهدف في المقام الأول إلى تجفيف منابع هذا التهريب الذي يستنزف الاقتصاد الوطني، وقطع الطريق على الميليشيات التي تعتاش على اقتصاد الظل.

التحالفات الحدودية للحد من ارتدادات الأزمات الإقليمية
لم تتعامل القيادة العسكرية الليبية مع التهديدات الجنوبية بمعزل عن المحيط الإقليمي. فقد أدركت أن تأمين حدود تمتد لآلاف الكيلومترات يتطلب تنسيقاً عابراً للحدود. وفي هذا السياق، جاء توقيع البروتوكول العسكري مع دولة تشاد كخطوة استراتيجية متقدمة. يهدف هذا الاتفاق إلى تنظيم التنسيق البري والجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل آني، وتسيير دوريات مشتركة. هذا التحرك يغلق الثغرات الأمنية التي لطالما استغلتها المجموعات المتمردة للفرار والاختباء والتسليح.
يتزامن هذا الجهد الليبي-التشادي مع تطورات جيوسياسية ضاغطة؛ أبرزها قرار الحكومة التشادية إغلاق حدودها المشتركة مع السودان بسبب استمرار الصراع الدامي هناك منذ أبريل 2023. هذا الإغلاق يعكس حجم المخاوف الإقليمية من انتقال عدوى الفوضى وتدفق السلاح والمرتزقة. بالنسبة لليبيا، يمثل التنسيق مع دول الجوار حائط صد استباقي لمنع تحول الجنوب الليبي إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية أو ملاذ آمن للمنظمات الإرهابية الفارة من مناطق النزاع المجاورة.

اقتصاد يتعافى.. الإيرادات الضريبية كمعيار لعودة الدولة
بالانتقال من جبهة القتال إلى جبهة الاقتصاد، تبرز مؤشرات إيجابية تعكس محاولات جادة لاستعادة مؤسسات الدولة لفاعليتها. فقد شكل إعلان مصلحة الضرائب العامة في ليبيا عن تحقيق أعلى إيراد لها منذ تأسيسها في عام 2025 مفاجأة اقتصادية سارة. بلوغ الإيرادات حاجز الـ 3.98 مليار دينار ليبي يحمل دلالات تحليلية عميقة؛ فهو ليس مجرد رقم، بل يعكس تحسناً ملموساً في الآليات الرقابية، وتوسيعاً للمظلة الضريبية، وربما استقراراً نسبياً في الحركة التجارية سمح بتحصيل هذه المبالغ.
وعند تفكيك هذا الرقم جغرافياً، نجد أن المنطقة الغربية استحوذت على نصيب الأسد بإيرادات بلغت 2.84 مليار دينار، بينما سجلت المنطقتان الشرقية والجنوبية 1.14 مليار دينار. هذا التباين يعود بالأساس إلى التركز الإداري والتجاري والمالي الأكبر للشركات والمؤسسات في العاصمة طرابلس ومحيطها بالمنطقة الغربية. ومع ذلك، فإن مجرد قدرة مصلحة الضرائب على جمع وإحصاء الإيرادات من كافة أقاليم البلاد يمثل خطوة متقدمة نحو توحيد الوعاء المالي للدولة وتقليص الاعتماد المطلق على الإيرادات النفطية وحدها، وهو ما يمثل دعامة أساسية لأي استقرار اقتصادي مستقبلي.
المصرف المركزي وتجفيف منابع السوق الموازية
في سياق متصل بفرض سيادة الدولة اقتصادياً، يخوض مصرف ليبيا المركزي بقيادة المحافظ ناجي عيسى معركة شرسة ضد “اقتصاد الظل” والسوق الموازية لتجارة العملة. إن التحذير الرسمي الموجه لوزارة الخارجية لإخطار السفارات والبعثات والمنظمات الدولية بضرورة حصر تعاملاتها المالية في القنوات الرسمية المرخصة، هو رسالة قوية تعكس الرغبة في إنهاء حالة الفوضى المالية. لقد استُخدمت السفارات والمنظمات في فترات سابقة كقنوات لتسريب العملة الصعبة إلى السوق السوداء، وهذا الإجراء يهدف إلى سد هذه الثغرة قانونياً وتنظيمياً.
استراتيجية المركزي لا تقتصر على التحذير، بل شملت تقديم البدائل القانونية من خلال استئناف نشاط شركات الصرافة. فقد مُنحت موافقات نهائية لـ 91 شركة ومكتباً جديداً، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 278 جهة مرخصة موزعة جغرافياً لتغطية احتياجات المواطنين والشركات. علاوة على ذلك، هناك أكثر من 2000 طلب قيد الدراسة، مما يؤكد حجم التعطش لتقنين هذا القطاع. هذه السياسة، المدعومة بتلويح باستخدام القوة الجبرية بالتعاون مع وزارة الداخلية لملاحقة المخالفين، تهدف بشكل مباشر إلى استقرار سعر صرف الدينار الليبي، وكبح جماح التضخم المستورد، وحماية مدخرات المواطنين من مضاربات تجار الأزمات.

المظلة الدولية.. الدعم الأمريكي لخارطة الطريق الأممية
لا يمكن أن تكتمل قراءة المشهد الليبي دون وضع التحركات العسكرية والاقتصادية في سياقها السياسي والدولي. الموقف الذي عبر عنه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أمام مجلس الأمن، يحدد بوضوح بوصلة المجتمع الدولي في هذه المرحلة. واشنطن ترمي بثقلها خلف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة الممثلة الخاصة هانا تيته، وتشدد على ضرورة الانخراط في عملية سياسية “يقودها الليبيون”.
التحليل الدقيق للتصريحات الأمريكية يبرز الربط المباشر بين ثلاثة مسارات: الأول هو توحيد المؤسسات السيادية (الأمنية والاقتصادية)، وهو ما يعكس قناعة دولية بأن استمرار وجود جيشين وحكومتين ومؤسسات مالية منقسمة هو الوصفة المثالية لاستدامة الأزمة. الثاني هو تهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية كحل نهائي لأزمة الشرعية المتآكلة. أما المسار الثالث، فهو المسار البراغماتي الاقتصادي؛ حيث لوحت واشنطن بأن الاستقرار سيفتح الباب أمام استثمارات ضخمة وشراكات مع الشركات الأمريكية، وهو ما يمثل جزرة اقتصادية للأطراف الفاعلة لتشجيعها على المضي قدماً في طريق التسوية.
إن المشهد الليبي، بكل تعقيداته الحالية، يشير إلى دولة تصارع من أجل الخروج من عنق الزجاجة. فالانتصارات التكتيكية للجيش الليبي في الجنوب تضع حداً لتمادي المجموعات العابرة للحدود وتؤمن العمق الاستراتيجي، بينما تعكس التحصيلات الضريبية وإجراءات المصرف المركزي خطوات تأسيسية نحو بناء مؤسسات اقتصادية صلبة قادرة على محاربة الفساد المالي واقتصاد الظل. ويبقى التحدي الأكبر متمثلاً في مدى قدرة الأطراف الليبية، بدعم من البعثة الأممية والضغوط الأمريكية، على استثمار هذا التحسن الأمني والاقتصادي النسبي لتحقيق اختراق سياسي ينهي حالة الانقسام ويقود البلاد نحو صناديق الاقتراع، لطي صفحة المراحل الانتقالية إلى الأبد.



