تقدير موقف

عبد الباسط يونس يكتب.. المنطقة المشتعلة والسيناريو الكارثي 

رئيس وحدة الدراسات الآسيوية بمركز العرب 

هناك أسطورة أفريقية تقول: “في المطاردة بين الأسد والغزال، في أحيان كثيرة يفوز الغزال، لأن الأسد يركض من أجل طعامه، لكن الغزال يركض من أجل حياته”.

بعد اشتعال الأوضاع والتطورات الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط عقب الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك على ايران صباح الثامن والعشرين من فبراير عام 2026، وماتبعه من رد إيراني سواء على الأهداف الإسرائيلية أو الأمريكية ودول الخليج، تقف المنطقة برمتها على سيناريو كارثي وفوضى عارمة ستهدد بقاء دول كثيرة، وتغيير في الجغرافيا السياسية وحتى الاقتصاد، خصوصًا في ظل الأطماع الأمريكية والإسرائيلية والغربية في ثروات المنطقة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستكون بعيدة عن التأثرات السلبية لهذه الحرب، ولنا في التاريخ أمثلة كثيرة وعبرة تقف شاهدة على أن أفول القوة الغاشمة والإمبراطوريات العظمى عبر التاريخ يكون عقب تمددها بشكل مبالغ فيه وحروب تستنزف قوتها الاقتصادية ما يسهم في انهيارها، ففي القرن الخامس قبل الميلاد، كانت بلاد الإغريق تعيش عصرها الذهبي.

أثينا، مدينة البحر والفكر، قادت نهضة غير مسبوقة في الفلسفة والفن والديمقراطية.

وفي الجنوب، إسبرطة، مدينة المحاربين، تعيش على نغمة الانضباط والطاعة والسيف.

عالمان متناقضان يعيشان على أرض واحدة، لا يمكن أن يستمرا بلا صدام.

حينها اندلعت حرب البيلوبونيز التي من المفترض أن تحسم: من يستحق قيادة الإغريق؟

أثينا برؤيتها الحرة، أم إسبرطة بنظامها الصارم؟

دامت الحرب ما يقارب ثلاثين عامًا، تعاقبت فيها الانتصارات والخسائر، وامتلأت المدن بالمجاعات والطاعون والانقسامات.

انتهت الحرب بانتصار إسبرطة، لكن النصر كان رمادًا. فاليونان خرجت من الحرب ضعيفة، وممزقة، وبدأ انحدارها من قمة المجد إلى قرون الانقسام.

التاريخ يوضح أن القوى الكبرى والإمبراطوريات حينما تبدأ تضعف، غالبًا ترفع من استخدامها للقوة العسكرية، ليس لأن الحروب دائمًا تعطيها حلولًا حقيقية، لكن لأن الخيارات الثانية تكون ضاقت أمامها. حينما تفقد الدبلوماسية تأثيرها، والإصلاح الداخلي يصبح صعب سياسيًا، فليس أمامها سوى الاعتماد القوة كخيار شبه وحيد.

لكن الإفراط في الاعتماد على القوة لا يضمن استمرار النفوذ، وأحيانًا يسرّع تراجعه، لأنه يستهلك الموارد، ويقوّي الخصوم، ويضعف الشرعية في الداخل والخارج. من هذه الزاوية، الهيمنة العسكرية الأمريكية اليوم تشبه حال إمبراطوريات كثيرة في أواخر أيامها (البريطانيون، والرومان.. إلخ). القوة العسكرية الأمريكية شكلها قوي وضخم، لكن قدرتها على حسم الملفات الكبيرة أو مراكمة نصر استراتيجي غير قائمة. القوة ما زالت موجودة وبحجم هائل، لكن عائدها أقل، وتكلفتها أعلى.

في كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى”، شرح بول كينيدي فكرة التمدد الإمبراطوري الزائد، ومضمونها أن الدولة إذا حملت نفسها التزامات عسكرية أكبر من قدرة اقتصادها، فالتعثر يصير مسألة وقت. الجيش لا يستطيع تعويض ضعف الداخل للأبد، وفي النهاية اختلال التوازن يفرض نفسه.

وبالمقاييس المادية البحتة، قوتها العسكرية استثنائية. لكن المشكلة صارت في تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية وإستراتيجية واضحة.

والفرق بين التفوق العسكري والنتائج على الأرض أصبح هو الواقع وليس مجرد نقاش نظري. في حرب فيتنام فشلت الولايات المتحدة رغم تفوقها التقني الكبير. وفي أفغانستان، استطاعت حركة “طالبان” الصمود أمام أقوى تحالف عسكري في القرن الحالي، وعادت للحكم بعد نحو عشرين سنة من الحرب.

وبالعودة للحرب الحالية، فإنها تمثل بالنسبة لإيران مسألة وجود، لذلك رأينا الرد الذي بادرت به تجاه الجميع خصوصًا دول الجوار وخلال الأيام المقبلة ستتضح الصورة أكثر، ما إذا كانت إيران على استعداد لاستهداف القطع البحرية الأمريكية، خصوصًا حاملات الطائرات، أم لا، وأرى أن إغراق إحدى هذه الحاملات سيقلب المعادلة تمامًا، لأنها ستدخل الرأي العام الأمريكي في قلب الصراع، ولك أن تتخيل تأثير عنوان كهذا في وسائل الإعلام الأمريكية على الرأي العام وأيضًا في صفوف القادة والجنود الأمريكيين.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى