الرئيسيةتقارير ومنوعات

شهادات قادة النصر حرب أكتوبر كما رواها أبطالها

القاهرة – فريق التحرير

لم تكن حرب رمضان التي اندلعت في السادس من أكتوبر 1973، مجرد مواجهة عسكرية انتهت بعبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف، وإنما كانت تجربة مركبة شاركت في صناعتها عقول عسكرية خططت، وقيادات اتخذت القرار، ومقاتلون نفذوا تحت النار، ولهذا فإن قراءة الحرب من خلال شهادات قادتها تفتح نافذة مختلفة على واحدة من أكثر الحروب تأثيرًا في التاريخ العسكري والسياسي العربي الحديث.

ما إن انتهت الحرب حتى ترك عدد من القادة شهاداتهم في مذكرات وكتب ودراسات، أو حتى في لقاءات إعلامية وصحفية، وقدم كل منهم رؤية للحرب من موقع عمله. وفي هذا الملف، تستعيد «مجلة العرب» شهادات 4 من أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالإعداد لحرب أكتوبر وإدارتها؛ وهم الرئيس أنور السادات، والمشير أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، والفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والمشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات.

الرئيس السادات.. شهادة صاحب قرار الحرب

عندما تولى أنور السادات رئاسة مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر، كانت أمامه دولة تواجه أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية متراكمة، فيما كانت سيناء لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ هزيمة يونيو 1967. في كتابه «البحث عن الذات»، يستعيد السادات صورة الأوضاع التي ورثها، مؤكدًا أن التركة السياسية كانت شديدة الصعوبة، وأن العلاقات المصرية مع معظم دول العالم كانت مقطوعة، باستثناء الاتحاد السوفيتي، بينما كانت الأزمة الاقتصادية أكثر قسوة.

يقول السادات إنه عندما تولى المسؤولية اكتشف أن الوضع الاقتصادي كان أسوأ مما كان يتصور، وأنه استدعى وزير المالية والاقتصاد الدكتور حسن عباس زكي وسأله عن الموقف، فجاءه الرد بأن «الخزينة فاضية» وأن مصر تكاد تكون في حالة إفلاس.

لم يكن القلق بالنسبة إلى السادات متعلقًا بالأرقام وحدها، وإنما بتأثير الأزمة على قدرة الدولة على الاستمرار؛ فقد كان يخشى أن يأتي يوم لا تستطيع فيه الدولة دفع رواتب الجنود والموظفين، وأن يؤدي ذلك إلى انهيار الجبهة الداخلية والجبهة العسكرية معًا، ولم تكن إعادة بناء القوات المسلحة ممكنة في ظل هذه الأوضاع بسهولة، لكن السادات رأى أن الأزمة الاقتصادية ليست سوى جزء من مشكلة أكبر، وأن جوهر الأزمة يتمثل في آثار هزيمة 1967 واستمرار الاحتلال.

«مفتاح كل شيء».. استعادة الثقة أولًا

يروي السادات أنه كافح لتوفير الموارد والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به، لكنه أدرك قبل الحرب بأيام أن الوضع الاقتصادي وصل إلى مرحلة بالغة الصعوبة، ومع ذلك، لم يرَ أن هذه الظروف يمكن أن تكون سببًا للتراجع عن استعادة الأرض. يقول السادات إن محو آثار هزيمة 1967 واستعادة ثقة المصريين بأنفسهم وثقة العالم في مصر؛ كل ذلك كان الأساس، وأنه رأى أن تصحيح نتيجة الهزيمة هو المفتاح السياسي والاقتصادي والعسكري للمشكلة.

الإسكندرية.. الاستجمام الذي أخفى وراءه استعدادًا للحرب

بعد قرار إخراج الخبراء السوفيت من مصر، اتخذ السادات خطوة اعتبرها جزءًا من إعادة ترتيب العلاقة مع موسكو، ثم ذهب إلى الإسكندرية، لكن ما بدا للآخرين استجمامًا كان، بحسب روايته، جزءًا من التحضير لمرحلة جديدة.

ويقول السادات إنه أعطى تعليمات لمكتبه بأنه إذا حاول السوفيت الاتصال به، يتم إبلاغهم بأنه موجود في الإسكندرية، في صورة تشبه ما كان يفعله القادة السوفيت عندما كانوا يبلغون المسؤولين المصريين بأن قياداتهم موجودة في القرم.

ومن الإسكندرية بدأ السادات، وفق شهادته، في ترتيب خطوات الاستعداد للمعركة، حيث استدعى حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومي، وطلب منه إعداد البدائل المختلفة تحسبًا للاتصالات الأمريكية، كما استدعى وزير الحربية وطلب منه جمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإبلاغه بأن القوات المسلحة يجب أن تكون جاهزة للقتال.

وفي الوقت نفسه، أصدر توجيهاته إلى القيادة السياسية بالاستعداد لاحتمال الحرب، وإلى وزارة الداخلية والدفاع المدني للعمل على تجهيز الجبهة الداخلية، وكانت الرسالة الأساسية، كما يروي السادات، أن مصر تتجه إلى الحرب، لا إلى مرحلة جديدة من الانتظار.

القرار المشترك.. السادات والأسد في برج العرب

في أبريل 1973، وصل الرئيس السوري حافظ الأسد إلى مصر في زيارة سرية، وفي برج العرب، اجتمع السادات والأسد بعيدًا عن أي حضور آخر، وكانت أمامهما المواعيد المقترحة للعمليات العسكرية التي أعدها المشير محمد عبد الغني الجمسي.

كانت المواعيد موزعة على مجموعات خلال مايو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر، واعتبر أكتوبر أنسبها من وجهة النظر العسكرية، خصوصًا في ضوء ظروف الجبهة السورية خلال أشهر الشتاء. في هذا الاجتماع، قال السادات للأسد إنه قرر دخول المعركة خلال العام، وإنه أعطى تعليماته إلى أحمد إسماعيل، وسأله عن رأيه، وجاء رد الأسد بالموافقة والاستعداد.

الخداع الاستراتيجي.. الحرب التي لم يصدق العدو أنها ستأتي

يشرح السادات في شهادته جانبًا من استراتيجية الخداع التي سبقت الحرب، فقد تعمد، في مايو 1973، خلق انطباع بأن مصر تستعد لمعركة، وهو ما دفع إسرائيل إلى إعلان التعبئة العامة، ثم تكرر الأمر في أغسطس. وكان الهدف، كما يروي السادات، أن تتعامل إسرائيل مع التحركات المصرية باعتبارها تكرارًا لما حدث سابقًا، بحيث تفقد التحركات الحقيقية قدرتها على إثارة الإنذار عندما يحين موعد الحرب الفعلي.

30 سبتمبر.. اللحظة التي حُسم فيها القرار

قبل الحرب بستة أيام، وفي 30 سبتمبر 1973، جمع السادات مجلس الأمن القومي لمناقشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكانت البلاد تعاني من ضغوط داخلية نتيجة استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، بينما كانت الموارد الاقتصادية محدودة للغاية.

يقول السادات إنه ترك أعضاء المجلس يطرحون آراءهم، وكان بعضهم يدفع باتجاه الحرب بينما أبدى آخرون تحفظات مرتبطة بظروف الدولة. ثم كشف لهم حقيقة الوضع الاقتصادي، موضحًا أن مصر وصلت إلى مرحلة الصفر، وأن الدولة لن تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها في نهاية العام، بعد ذلك أنهى الاجتماع.

ويقول السادات إنه دخل المعركة في حالة من الهدوء النفسي، وإنه لم يكن يشعر بالعصبية أو الانفعال، وإنما كان يرى السادس من أكتوبر باعتباره يومًا قدر الله له أن يعيشه. ,يضيف أن ليلة المعركة كانت من أفضل الليالي التي نامها في حياته، وأنه استيقظ صباحًا ومارس تدريباته الرياضية، بينما كان عقله، بحسب وصفه، في حالة من النشاط والراحة استعدادًا لمسؤوليات اليوم الجديد.

من غرفة العمليات بدأت المعركة

في الواحدة والنصف ظهرًا من يوم السبت 6 أكتوبر، وصل أحمد إسماعيل إلى السادات، وتوجها معًا إلى غرفة العمليات، جلس السادات في مكانه، وكان القائد العام إلى جواره، وكانت القوات على موعد مع اللحظة التي جرى الإعداد لها طوال سنوات، وفي الثانية ظهرًا، وصلت إشارة عبور الطيران.

ويقول السادات إن 222 طائرة مصرية نفاثة عبرت القناة، ونفذت ضربتها الأولى، التي قال إنها استمرت نحو ثلث ساعة، وفي الوقت نفسه، كانت المدفعية المصرية تبدأ قصفها المكثف لمواقع العدو. كانت اللحظة التي انتظرها الجيش المصري منذ هزيمة يونيو قد بدأت بالفعل.

الضربة الجوية.. أول اختبار للخطة

يصف السادات الضربة الجوية بأنها حققت نتائج كبيرة مقارنة بالتقديرات التي كانت مطروحة قبل الحرب، ومن غرفة العمليات تابع السادات نتائج الضربة، واعتبرها نقطة تحول في بداية المعركة، ويضيف أن الضربة استهدفت مراكز القيادة وإدارة الطيران والدفاع الجوي الإسرائيلي، وإن نجاحها منح القوات المصرية مساحة للتحرك في المرحلة التالية من العملية.

وبعد ذلك بدأت المدفعية المصرية في تنفيذ مهمتها، وانطلقت آلاف القذائف باتجاه مواقع العدو، بينما اندفعت قوات المشاة إلى القناة.

«ضرب نظرية الأمن الإسرائيلية».. الهدف كما رواه السادات

في شهادته عن الحرب، يربط السادات بين ما جرى في السادس من أكتوبر والهدف الذي حدده للمعركة قبل بدايتها؛ فالمسألة، بالنسبة إليه، لم تكن مجرد عبور قناة السويس أو استعادة مواقع على الضفة الشرقية، وإنما كسر التصور الإسرائيلي الذي نشأ بعد حرب 1967 حول قدرة إسرائيل على تأمين نفسها من أي هجوم عربي.

ولهذا كان يرى أن النجاح العسكري في بداية الحرب أعاد بناء الثقة التي اهتزت بعد يونيو 1967، وتبقى شهادة السادات في هذا السياق شهادة صاحب القرار السياسي الأعلى، الذي جمع بين قرار الحرب والإعداد السياسي والاقتصادي، وتابع من غرفة العمليات الساعات الأولى للقتال.

أحمد إسماعيل.. القائد العام الذي حمل مسؤولية قرار الحرب

كان الفريق أول أحمد إسماعيل علي، في موقع مختلف عن أصحاب الشهادات الواردة في التقرير، فهو وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، وبالتالي كان يتحمل المسؤولية العليا عن إدارة القوات المسلحة في المرحلة التي سبقت حرب أكتوبر وخلالها، لكن الوصول إلى هذا الموقع لم يكن منفصلًا عن مسيرة عسكرية طويلة.

دخل المشير إسماعيل الكلية الحربية عام 1937، وتخرج عام 1938، ثم خدم في سلاح المشاة وشارك في الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين عام 1948 والعدوان الثلاثي عام 1956، وتولى لاحقًا مواقع قيادية متعددة داخل القوات المسلحة.

بعد يونيو 1967، تولى مسؤولية إعادة تنظيم القوات وتجميع الوحدات التي عادت من سيناء، والعمل على إعادة تدريبها وتسليحها. ثم أصبح رئيسًا لهيئة العمليات، وبعد ذلك تولى رئاسة المخابرات العامة، قبل أن يعينه الرئيس أنور السادات وزيرًا للحربية وقائدًا عامًا للقوات المسلحة في أكتوبر 1972.

كان أمام أحمد إسماعيل أقل من عام قبل الحرب، وهي فترة كان عليه خلالها أن يشارك في استكمال إعداد القوات والتنسيق بين مختلف أفرعها والقيادات المعنية بالعملية العسكرية، وفي رواية سيرته، كان الإعداد للحرب يقوم على مجموعة متكاملة من المهام مثل تدريب القوات، واستكمال التسليح، ووضع خطط العمليات، وإعداد وسائل الخداع، وتحديد كيفية اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف(

ولم تكن المهمة مصرية منفردة بالكامل؛ فقد ارتبطت الاستعدادات بالتنسيق مع الجبهة السورية، وفي يناير 1973 عُين أحمد إسماعيل قائدًا عامًا للجبهات المصرية والسورية والأردنية، ومع اقتراب موعد الحرب، عقدت القيادة اجتماعات متتالية لوضع اللمسات الأخيرة، وفي أحد الاجتماعات الأخيرة استغرقت المناقشات عشر ساعات، قبل أن تستقر القيادة على التفاصيل النهائية للعملية، ثم جاءت اللحظة التي تحولت فيها الخطة إلى قرار وتنفيذ.

في السادس من أكتوبر بدأت القوات المصرية عمليات العبور، ووجد أحمد إسماعيل نفسه أمام مسؤولية إدارة واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا في تاريخ القوات المسلحة المصرية، وتشير وثائق الحرب إلى عقد المشير إسماعيل اجتماعا مع الرئيس أنور السادات والقيادة العسكرية، حيث أكد السادات تحمله المسؤولية مع القادة، ورد أحمد إسماعيل باسم القادة والقوات المسلحة مؤكدًا استعدادهم لبذل أقصى جهد لتحقيق النصر.

وخلف قرار الحرب كانت هناك مرحلة طويلة من العمل المخابراتي والعسكري؛ إذ إن أحمد إسماعيل، خلال رئاسته جهاز المخابرات العامة، كان يتابع جمع المعلومات عن إسرائيل، كما أن الجهاز عمل على استخدام الخداع والمعلومات المضللة لتقليل قدرة إسرائيل على معرفة النوايا المصرية.

وتكتمل صورة المشير إسماعيل بوصفه قائدًا أمضى سنوات طويلة في الجيش، وعاش مراحل متعددة من الصراع العربي – الإسرائيلي، من حرب فلسطين إلى العدوان الثلاثي، ثم نكسة يونيو، وصولًا إلى حرب أكتوبر.

سعد الدين الشاذلي.. عقل العبور من غرفة العمليات

عندما يتحدث الفريق سعد الدين الشاذلي عن حرب أكتوبر، فإنه يتحدث من موقع رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية؛ أي من موقع كان قريبًا من عملية التخطيط وإعداد القوات ومتابعة التنفيذ. ولهذا جاءت مذكراته باعتبارها واحدة من أبرز الشهادات التي تناولت الحرب من داخل القيادة المصرية.

لم يبدأ الشاذلي روايته من السادس من أكتوبر، وإنما من السنوات التي سبقت الحرب، ومن المهمة الأصعب التي واجهتها القوات المسلحة المصرية بعد هزيمة يونيو 1967: إعادة بناء الجيش، واستعادة قدرته على القتال، وتحويل تجربة الهزيمة إلى معرفة عسكرية يمكن البناء عليها.

كانت سنوات ما بعد النكسة بالنسبة إلى القيادة العسكرية المصرية سنوات إعداد طويل؛ فقد جرى تطوير القوات، وإعادة تنظيمها، والاستفادة من الخبرة التي راكمتها حرب الاستنزاف. وفي هذه المرحلة برز الشاذلي باعتباره أحد القادة الذين ارتبط اسمهم بعملية إعادة بناء القدرة القتالية المصرية.

وتكشف شهادة الشاذلي التي وثقها في مجموعة من الكتب واللقاءات التلفزيونية، أن تكليفه بقيادة منطقة البحر الأحمر جاء في ظروف صعبة، بعد عمليات إسرائيلية على امتداد تلك الجبهة، وأنه عمل على وقف عمليات التسلل والإغارة. ثم أصبح رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، وفي هذه المرحلة ارتبط دوره بإعداد القوات وتجهيزها للعبور.

لم تكن مهمة الشاذلي في نظره مجرد إعداد قوات لخوض معركة، وإنما وضع تصور عسكري يتناسب مع الإمكانات المصرية والأهداف المحددة للحرب، وفي روايته للحرب تظهر أهمية تحديد الهدف العسكري قبل الدخول في المعركة، وتقدير ما تستطيع القوات تحقيقه في ضوء إمكاناتها الفعلية.

وفي السادس من أكتوبر جاءت اللحظة التي انتظرتها القيادة المصرية سنوات طويلة؛ ففي الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا بدأت العملية العسكرية، وعبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية. وقد وصف الشاذلي في مذكراته الساعات الأولى باعتبارها مرحلة نجحت فيها الوحدات المصرية في تنفيذ المهام المحددة لها بكفاءة، من دون حاجة إلى تدخلات متكررة من القيادة العامة في أداء الوحدات الفرعية.

كان العبور، بالنسبة للشاذلي، ثمرة إعداد طويل، وليس نتيجة لحظة مفاجئة وحدها؛ فالمعركة بدأت قبل أن تطلق المدافع نيرانها، عندما بدأت القوات المسلحة في إعادة بناء نفسها، ودراسة قدرات العدو، ووضع الخطط التي تسمح بتحقيق هدف عسكري واقعي.

وتحظى خطة «المآذن العالية» بمكانة مركزية في رواية الشاذلي للحرب؛ إذ ارتبطت بتصوره لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف والتقدم في حدود الأهداف التي يمكن للقوات المصرية تنفيذها في ضوء قدراتها.

لكن شهادة الشاذلي لا تتوقف عند لحظة العبور، فمذكراته تتناول أيضًا الخلافات التي ظهرت خلال الحرب، لا سيما ما ارتبط بتطور العمليات والثغرة، وهي قضايا ظلت موضع نقاش تاريخي وعسكري بعد انتهاء المعارك.

ولهذا فإن شهادة الشاذلي لا تقدم رواية احتفالية للحرب فقط، وإنما تقدم كذلك قراءة نقدية لتجربة عسكرية شارك في صناعتها، وهو ما يجعلها مصدرًا مهمًا لفهم الطريقة التي نظر بها أحد أبرز صانعي خطة الحرب إلى النجاح الذي تحقق، وإلى القرارات التي أثارت خلافًا داخل القيادة.

وتكشف المعلومات أن الرجل ظل يحمل رؤيته للحرب وما بعدها لسنوات طويلة، وأن خلافاته السياسية والعسكرية اللاحقة جعلت شهادته جزءًا من الجدل التاريخي حول إدارة حرب أكتوبر ونتائجها، وفي النهاية تبقى النقطة الأهم في شهادة الشاذلي أن العبور لم يبدأ في ظهر السادس من أكتوبر؛ فقد بدأت المعركة الحقيقية قبل ذلك بسنوات؛ في إعادة بناء الجيش، وإعادة الثقة إلى المقاتل، ووضع خطة تتناسب مع الإمكانات والهدف.

 

 

محمد عبد الغني الجمسي.. 22 يومًا تحت الأرض

إذا كانت شهادة الشاذلي تأخذ القارئ إلى عقل التخطيط ورئاسة الأركان، فإن شهادة المشير محمد عبد الغني الجمسي تنقله إلى مركز العمليات، حيث كان رئيس هيئة العمليات يتابع تفاصيل الاستعداد للحرب، وينتظر لحظة الاختبار الحقيقي لكل ما جرى التخطيط له.

في شهادته التي نشرتها مجلة «أكتوبر» في عددها الصادر في 8 أكتوبر 1998، يعود الجمسي إلى الأيام الأخيرة قبل الحرب، مستعيدًا حالة القلق التي عاشها داخل مركز عمليات القوات المسلحة، ويقول الجمسي إن موقعه كرئيس لهيئة العمليات، فرض عليه البقاء داخل مركز العمليات تحت الأرض لمدة 22 يومًا، لم ير خلالها المشاهد الميدانية مباشرة، لكنه كان يتابع الحرب من موقع القيادة ويتحمل مسؤولية متابعة العمليات.

لم يكن القلق الذي عاشه الجمسي مرتبطًا بالخوف من خوض المعركة بقدر ما كان متعلقًا بسؤال عسكري أكثر تحديدًا: هل نجحت خطة الخداع؟ كان هذا السؤال حاضرًا بقوة في الخامس من أكتوبر، قبل ساعات من بدء القتال؛ فقد كانت القيادة المصرية قد عملت على بناء تصور لدى إسرائيل بأن التحركات العسكرية المصرية لا تتجاوز كونها جزءًا من مناورات معتادة، بينما كانت القوات تستعد فعليًا لعملية عسكرية واسعة.

ويستعيد الجمسي تلك اللحظة بقوله إن السؤال الذي شغل تفكيره كان: هل نجحت خطة الخداع التي أُعدت للحرب، أم إن إسرائيل تمكنت من اكتشاف النية المصرية؟ كان الاحتمال الأخطر، في تقديره العسكري، أن تكتشف إسرائيل الخطة قبل التنفيذ وتوجه ضربة إجهاض للقوات المصرية.

ولهذا كان الخامس من أكتوبر يومًا شديد الحساسية بالنسبة إليه، حيث كان الجمسي يعلم أن نجاح الخطة لا يرتبط فقط بقدرة القوات على القتال، وإنما بقدرتها على الوصول إلى ساعة الصفر من دون أن يفقد عنصر المفاجأة قيمته، وفي السادس من أكتوبر بدأ القلق يتراجع تدريجيًا مع اقتراب ساعة الصفر.

وفي تلك الساعات اتصل به الفريق أول أحمد إسماعيل 3 مرات، وفي كل مرة كان السؤال واحدًا: هل كشفت إسرائيل الخطة؟ ولم يكن السؤال عابرًا، فالإجابة كانت تعني أن السنوات الطويلة من التخطيط والخداع والتمويه قد نجحت في الوصول إلى اللحظة التي تستطيع فيها القوات المصرية أن تبدأ عملياتها من دون أن تكون تحت ضربة استباقية، وعندما جاءت ساعة الصفر، انتقلت الخطة من الأوراق إلى الأرض.

عبرت القوات المصرية القناة، وبدأ اقتحام التحصينات الإسرائيلية، وسقطت إحدى أكثر الفرضيات التي استند إليها التصور الإسرائيلي للأمن في سيناء: أن قناة السويس وخط بارليف يمثلان حاجزًا يمنع الجيش المصري من العودة إلى الضفة الشرقية.

لكن شهادة الجمسي لا تقدم الحرب باعتبارها سلسلة من النجاحات التي لم تشهد صعوبات، فمذكراته تتناول الحرب بإيجابياتها وسلبياتها، وتربط التجربة العسكرية بالسياق السياسي والاستراتيجي للصراع العربي – الإسرائيلي.

ومن هنا تكتسب شهادته أهمية خاصة؛ فهو لا يتحدث عن الحرب فقط باعتبارها معركة بدأت وانتهت في أيام، وإنما باعتبارها نتيجة لسنوات من دراسة الصراع وإعادة بناء القوات والاستعداد لمواجهة إسرائيل، وبالنسبة للجمسي، فإن التخطيط العسكري لا ينفصل عن فهم البيئة السياسية والاستراتيجية التي تجري فيها الحرب. ولذلك فإن مذكراته توسع دائرة النظر من المعركة ذاتها إلى الدروس التي سبقتها والنتائج التي أعقبتها.

وبعد انتهاء القتال، لم تنتهِ مهمته فقد شارك في المفاوضات التي أعقبت الحرب، ومنها مفاوضات الكيلو 101، ليجد نفسه أمام مرحلة مختلفة من الصراع؛ وهي الانتقال من إدارة المعركة في الميدان إلى إدارة آثارها على طاولة التفاوض.

وهنا تبدو شهادة الجمسي كأنها ترسم خطًا متصلًا بين التخطيط والحرب والتفاوض؛ فالقائد الذي كان يسأل قبل الحرب: هل نجحت خطة الخداع؟ أصبح بعد الحرب أمام سؤال آخر: كيف تتحول النتيجة العسكرية إلى موقف سياسي يحافظ على المصالح المصرية؟

أهمية شهادة الجمسي لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها عن غرفة العمليات، وإنما في كشف الجانب الإنساني للقيادة العسكرية في الساعات التي سبقت المعركة: قائد يعرف أن آلاف الرجال ينتظرون ساعة الصفر، وأن نجاح سنوات من التخطيط قد يتوقف على ألا يعرف الخصم موعد الهجوم.

تكشف الشهادات الأربع أن حرب أكتوبر لا يمكن اختزالها في لحظة العبور وحدها؛ ففي شهادة السادات تظهر قيمة القيادة وكيف تحملت المسؤولية، وفي شهادة سعد الدين الشاذلي تظهر أهمية التخطيط وتحديد الهدف العسكري والإعداد للقوات، وفي شهادة محمد عبد الغني الجمسي تظهر أهمية إدارة العمليات والخداع والانتظار الدقيق لساعة الصفر، أما شهادة أحمد إسماعيل فتقدم صورة أوسع عن مسؤولية القيادة العامة، والتنسيق بين العمل العسكري والمخابراتي والاستعداد السياسي للحرب.

وإذا كانت مواقع القادة مختلفة، فإن شهاداتهم تلتقي عند حقيقة واحدة: السادس من أكتوبر لم يكن قرارًا وليد يومه، وإنما نتيجة سنوات من إعادة البناء والتخطيط والتدريب وجمع المعلومات ودراسة العدو، لهذا تبقى شهادات قادة النصر أكثر من مجرد ذكريات شخصية. إنها وثائق تساعد في فهم كيف تحولت هزيمة يونيو 1967 إلى مشروع عسكري جديد، وكيف انتقلت القوات المسلحة المصرية من مرحلة إعادة البناء إلى مرحلة المبادرة، وكيف أصبحت خطة العبور واقعًا على الأرض في السادس من أكتوبر 1973.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى