رامي زهدي يكتب.. “من هولاكو خان الي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو”
«حارِقو العالم»"حين تتحوّل السياسة إلى غريزة حرب"

في كل حقبة تاريخية تقريبا، يظهر نموذج إنساني فريد، تتجمع فيه عناصر القوة والكاريزما والطموح الجامح، لكنه يختار طريق الصدام لا التسوية، وطريق الاشتعال لا البناء. ليس الأمر مجرد قائد يخوض حربا؛ فالحرب، في سياقاتها المختلفة، جزء من التاريخ الإنساني، لكن ما نتحدث عنه هنا هو نمط خاص من القادة يمكن وصفهم بـ«حارقي العالم»؛ أولئك الذين لا يرون في القوة أداة لتحقيق الاستقرار، بل وسيلة لإعادة تشكيل العالم وفق تصورهم الخاص، ولو كان الثمن انهيار توازنات قائمة أو إشعال حرائق ممتدة عبر قارات بأكملها.
هذا النمط يتكرر، تختلف الأسماء والسياقات، لكن البنية النفسية والسياسية تكاد تكون واحدة، أزمة كبرى، شعور قومي بالمهانة أو الطموح، خطاب تعبوي حاد، ثم اندفاعة توسعية أو صدامية تعيد صياغة الجغرافيا والخرائط أو تحرقها.
“من منطق الإمبراطورية إلى منطق الإبادة”
“هولاكو خان”
في القرن الثالث عشر، كان العالم يعيش مرحلة ما قبل النظام الدولي الحديث، لم تكن هناك مفاهيم للسيادة الوطنية بالمعنى المتعارف عليه اليوم، ولا منظومة قانون دولي، ولا توازن ردع، في هذا السياق، جسّد هولاكو خان منطق الإمبراطورية الصافية حيث التوسع بوصفه ضرورة وجودية،
اجتياحه لبغداد عام 1258 لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل صدمة حضارية أنهت حقبة وأطلقت أخرى، لم يكن هولاكو يتحرك بدافع أيديولوجي معقد، بل وفق فلسفة بسيطة وقاسية هي إخضاع أو فناء، والقوة هنا ليست أداة، بل هي القانون ذاته.
في هذا النموذج، لا يوجد «عالم» بالمعنى السياسي المتشابك، بل فضاء مفتوح للغزو، والحرق والتدمير لم يكن استثناءً، بل آلية حكم.
“الطموح الثوري الذي تجاوز حدوده”
“نابليون بونابرت”
مع نهاية القرن الثامن عشر، دخل العالم مرحلة جديدة وهي الدولة الحديثة، هنا يبرز نموذج أكثر تعقيداً، نابليون بونابرت، ابن الثورة الفرنسية وحامل شعاراتها، وفي الوقت ذاته مهندس حروب أوروبية ممتدة.
نابليون لم يكن مجرد فاتح تقليدي؛ كان يحمل مشروعاً لإعادة تنظيم أوروبا قانونياً وإدارياً، ونشر مبادئ الثورة خارج فرنسا، لكنه آمن بأن هذا المشروع لا يتحقق إلا عبر الجيوش، وهنا يكمن التحول الفلسفي حيث الحرب كأداة تحديث.
غير أن الطموح، حين يفقد ضوابطه، يتحول إلى نزعة هيمنة، حملاته العسكرية التي امتدت من إسبانيا إلى روسيا أرهقت القارة، وأدخلتها في دوامة صراع طويل انتهى بسقوطه في واترلو.
في حالته، لم يكن الاشتعال بدافع كراهية عرقية أو تدمير حضاري، بل بدافع إعادة صياغة النظام الأوروبي تحت قيادته. ومع ذلك، كانت النتيجة واحدة: قارة تحترق.
“الإيديولوجيا حين تتجاوز حدود العقل”
“أدولف هتلر”
إذا كان نابليون نموذج الطموح السياسي المتضخم، فإن أدولف هتلر يمثل أخطر أشكال «حارقي العالم»: الحريق العقائدي.
خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الأولى مثقلة بالهزيمة والإذلال الاقتصادي والسياسي، وفي هذه البيئة المشحونة، ظهر هتلر بخطاب يعد باستعادة المجد، لكنه أسس مشروعه على فكرة تفوق عرقي ورؤية وجودية صدامية للعالم.
الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد صراع حدودي؛ كانت حرباً لإعادة تعريف من يستحق العيش، هنا تتجاوز النار بعدها الجغرافي لتصبح آلة قتل إنسانية شاملة، لم يعد التوسع هدفاً سياسياً، بل تجسيداً لفكرة ترى في الآخر تهديداً يجب إزالته.
في هذا النموذج، يبلغ «حارق العالم» ذروة خطورته: حين يمتلك دولة صناعية متقدمة، وجيشاً حديثاً، وأيديولوجيا تعبّئ الجماهير باسم الخلاص القومي.
“في عصر الردع: اشتعال مضبوط أم فوضى مؤجلة؟”
بعد عام 1945، دخل العالم مرحلة مختلفة: الردع النووي، وتوازنات الحرب الباردة، ثم العولمة والتشابك الاقتصادي،و لم يعد بإمكان قائد أن يجتاح قارة دون أن يهدد بإنهاء الحضارة ذاتها.
لكن هل اختفى «حارق العالم»؟ أم تغيرت أدواته؟
“دونالد ترامب”
“بنيامين نتنياهو”
في الحالة المعاصرة، لا نتحدث عن غزو شامل بالمعنى الكلاسيكي، بل عن سياسات تصادمية تعيد تشكيل التوازنات.
خطاب دونالد ترامب قام على فكرة «أمريكا أولاً»، بما حمله من انسحاب من اتفاقيات دولية، وتوتير علاقات تقليدية، واستخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح ضغط. هو لم يشعل حرباً عالمية، لكنه أعاد إدخال النظام الدولي في حالة استقطاب حاد، وأضعف بعض ركائز التعددية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية.
أما بنيامين نتنياهو، فيمثل نموذج إدارة الصراع لا تسويته، في سياق شرق أوسطي شديد التعقيد، أصبحت المواجهات المتكررة جزءاً من استراتيجية الردع الدائم، بما يترك المنطقة في حالة توتر مزمن، هنا لا يكون الاشتعال انفجاراً عالمياً، بل ناراً مستدامة منخفضة الحدة، قابلة للاشتداد في أي لحظة.
الفارق الجوهري في العصر الحديث أن النظام الدولي، رغم هشاشته، يضع قيوداً على الجنون الفردي، هناك إعلام عالمي، أسواق مترابطة، مؤسسات أممية، وقوى كبرى تراقب بعضها البعض، ومع ذلك، فإن هشاشة هذه القيود تزداد كلما تصاعدت الشعبوية، وتراجعت الثقة في المؤسسات.
“لكن لماذا يتكرر النمط؟”
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج الأنماط، ويمكن رصد مجموعة من العوامل المشتركة في صعود «حارقي العالم» بداية من حدوث أزمة كبرى مثل هزيمة، انهيار اقتصادي، فراغ سياسي، وخطاب خلاص قومي مع وعد بإعادة المجد أو استعادة الكرامة.
أيضا، تعبئة جماهيرية قائمة على الخوف أو الغضب، وتضخم السلطة التنفيذية وتآكل الضوابط المؤسسية، ثم انتقال من الدفاع إلى الهجوم باسم الأمن أو الرسالة التاريخية.
وفي كل مرة، يبحث المجتمع المأزوم عن قائد قوي، وفي كل مرة، يتحول هذا البحث المشروع عن الاستقرار إلى قبول بمغامرة غير محسوبة.
“الإشكالية الفلسفية: الفرد أم البنية؟”
هل المشكلة في شخصيات بعينها؟ أم في البنية السياسية التي تسمح لها بالصعود؟
الواقع أن «حارق العالم» لا يصنع نفسه، بل هو نتاج بيئة تشعر بالمهانة أو الخطر، ونظام دولي مرتبك أو انتقالي، إضافة إلي مؤسسات داخلية ضعيفة أو منقسمة.
وعندما تتآكل الضوابط، يصبح القرار المصيري بيد فرد، وعندما يختزل الوطن في شخص، تتحول السياسة إلى إرادة فردية، قد تكون متهورة.
“بين البنائين والمحرقين”
التاريخ أيضاً يعرف «بناة العالم» حيث قادة أعادوا الإعمار، وأسسوا تحالفات، وفضّلوا التسويات الصعبة على الانتصارات السريعة، غير أن المحرقين غالباً ما يتركون أثراً أكثر درامية، لأن النار تُرى أسرع من البناء.
لكن التجربة الإنسانية الطويلة تشير إلى حقيقة ثابتة:
الحرب قد تصنع لحظة مجد عابر، لكنها تخلق أزمات ممتدة.
أما السلام، فهو عملية بطيئة، معقدة، لكنها أكثر استدامة.
“مسؤولية اللحظة الراهنة”
نحن نعيش مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تتراجع فيها قواعد ما بعد الحرب الباردة، ويصعد فيها خطاب قومي وشعبوي في أكثر من منطقة. في مثل هذه اللحظات، يزداد احتمال بروز «حارقي العالم» الجدد.
لكن الفارق اليوم أن العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، وأي اشتعال كبير لن يبقى محصوراً جغرافياً، الاقتصاد، الطاقة، الغذاء، الأمن السيبراني كلها ملفات تجعل أي صدام واسع النطاق تهديداً وجودياً جماعياً.
لهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: من هم حارِقو العالم؟
بل أصبح: كيف تبني المجتمعات والمؤسسات مناعة ضدهم؟
التاريخ يعلمنا أن النار تبدأ غالباً بخطاب، ثم تتحول إلى قرار، ثم إلى حرب، وأن مناعة العالم تبدأ بمؤسسات قوية، ومجتمعات واعية، ونخب تدرك أن القوة الحقيقية ليست في إشعال العالم بل في منعه من الاشتعال.



