د. نِهاد محمود تكتب.. إقالة عثمان سونكو.. هل انتهى التحالف أم بدأت معركة 2029 مبكرًا؟

لم تكن العلاقة بين الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه المُقال عثمان سونكو تبدو مستقرة بالكامل خلال الأشهر الماضية، فالمتابع للشأن السنغالي كان يلحظ بوضوح وجود تباينات متزايدة بين الرجلين، سواء في طريقة إدارة الملفات الداخلية أو في طبيعة الخطاب السياسي لكل منهما. لكن رغم ذلك، ظل الاعتقاد أن التحالف الذي أوصل الثنائي إلى السلطة في انتخابات 2024 أقوى من أن ينتهي بهذه السرعة، خاصة أن سونكو ظل يمثل العقل السياسي والتنظيمي الأبرز داخل حزب “باستيف” الذي أسسه عام 2014، بينما جاء ديوماي فاي إلى الرئاسة باعتباره مرشح المشروع نفسه وحامله السياسي.
غير أن مساء الجمعة (٢٢ مايو/أيار 2026) حمل مفاجأة ثقيلة للسنغاليين، بعدما بث التلفزيون الرسمي خطابًا للأمين العام للرئاسة أعلن فيه إقالة عثمان سونكو وإنهاء مهام الحكومة بالكامل، في خطوة بدت حاسمة وتعكس أن الخلافات داخل قمة السلطة تجاوزت مرحلة التوتر المكتوم إلى القطيعة السياسية الواضحة.
لكن السؤال الأهم هنا: لماذا الآن تحديدًا؟ وهل كانت الإقالة مجرد رد فعل على تصريحات سونكو الأخيرة داخل البرلمان، أم أنها نتيجة تراكمات أعمق تتعلق بالصراع على النفوذ داخل الدولة والحزب معًا؟
تشير القراءة الأولية إلى أن تصريحات سونكو أمام البرلمان ربما كانت القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الرجلين، فقد تحدث رئيس الوزراء المقال بلهجة مباشرة أمام نواب أغلبهم ينتمي إلى حزب “باستيف” الذي يقوده شخصيًا، وقال إن عددًا من الالتزامات التي تعهد بها الحزب “ما زال رئيس الجمهورية لم يترجمها إلى إجراءات ملموسة حتى الآن”، وهي عبارة بدت أقرب إلى انتقاد علني للرئيس منها إلى مجرد ملاحظة سياسية عابرة.
الأكثر حساسية كان حديث سونكو عما يعرف بـ “الصناديق السوداء”، وهي الأموال المخصصة للرئاسة والتي تُنفق على ملفات تعتبرها الدولة سرية ولا تخضع لرقابة تقليدية. ولعل مطالبة سونكو بإخضاع هذه الأموال لرقابة الجمعية الوطنية حملت رسائل سياسية ثقيلة، ليس فقط لأنها فتحت ملفًا شديد الحساسية، بل لأنها أوحت أيضًا بوجود خلاف داخل السلطة حول طبيعة إدارة الدولة وحدود الشفافية.
وهنا يبرز تساؤل آخر: هل كان سونكو يحاول ممارسة ضغط سياسي على الرئيس من داخل مؤسسات الحكم؟ أم أنه كان يبعث برسائل مبكرة إلى قواعده الشعبية بأنه لا يزال الممثل الحقيقي لمشروع “التغيير” الذي صوت له السنغاليين؟
رد فعل حزب “باستيف” الحاكم جاء بدوره لافتًا. فالحزب لم يدخل في مواجهة مباشرة مع الرئيس، لكنه في الوقت نفسه حرص على الإشادة بما وصفه بـ”العمل المتميز” الذي أنجزه سونكو وحكومته، كما أعاد التأكيد على التمسك بمشروع “السيادة والوطنية والوحدة الإفريقية”، وهي المفاهيم التي ارتبطت بصورة سونكو أكثر من أي شخصية أخرى داخل الحزب.
كما أن حديث الحزب عن مؤتمره المرتقب في يونيو 2026 يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التوازنات الداخلية: هل يتجه “باستيف” إلى إعادة ترتيب قيادته بما يحفظ وحدة الحزب؟ أم أن السنغال مقبلة على انقسام سياسي داخل المعسكر الذي وصل إلى السلطة قبل عامين فقط؟
في المقابل، بدا سونكو نفسه حريصًا على الظهور بمظهر الواثق وغير المهزوم. فتعليقه الأول بعد الإقالة —حين قال إنه سينام “مطمئن البال” في منزله بحي كير غورغي بالعاصمة داكار— حمل رسائل تهدئة لأنصاره، لكنه حمل أيضًا إيحاءً بأنه يعتبر خروجه من الحكومة تحررًا أكثر منه خسارة سياسية.
ولعل هذا ما يدفع بعض المتابعين إلى الاعتقاد بأن ما حدث قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة سونكو نفسه، خاصة إذا كان يفكر بالفعل في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2029. فالبقاء خارج السلطة التنفيذية قد يمنحه فرصة لاستعادة صورته كزعيم شعبي معارض للمؤسسة التقليدية، بدلًا من تحمله كلفة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الحكومة.
لكن يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع السنغال احتواء هذا الشرخ داخل السلطة دون أن ينعكس على استقرارها السياسي؟ وهل نشهد مجرد خلاف عابر بين حليفين، أم بداية إعادة تشكيل كاملة للمشهد السياسي السنغالي قبل سنوات من الاستحقاق الرئاسي المقبل؟
في كل الأحوال، تبدو إقالة عثمان سونكو لحظة فارقة في التجربة السياسية السنغالية الحالية. فهي لا تعكس فقط أزمة بين رئيس ورئيس وزراء، بل تكشف أيضًا عن صعوبة الانتقال من وحدة المعارضة التي جمعت الرجلين في مواجهة النظام السابق إلى تعقيدات الحكم وإدارة السلطة، حيث تتحول التحالفات التي نشأت في سياق النضال السياسي سريعًا إلى صراعات حول النفوذ والرؤية والشرعية السياسية. وربما تكون الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم: هل انتهى تحالف ديوماي فاي وسونكو بالفعل، أم أن السياسة السنغالية ما زالت تخبئ فصولاً أخرى من العلاقة بين الرجلين وإمكانية إعادة صياغة التوازنات داخل الحكم؟



