د. فرج بوخروبة يكتب.. نحن والعدو: قراءة فكرية في حكاية مستمرة

على الرغم من مرور عقود طويلة من التحولات التاريخية والسياسية في المنطقة العربية، يظل الوعي الجمعي العربي غارقًا في سبات طويل. هذا السبات لا يتمثل فقط في الحروب والهزائم العسكرية أو التحديات الاقتصادية، بل في عملية منهجية لتفريغ المعنى من شعورنا بالانتماء والهوية. إنها معركة على المستوى الرمزي والفكري قبل أن تكون على الأرض، معركة لإضعاف قناعاتنا الوطنية والقومية حتى نصبح شعوبًا بلا صلة بجذورها التاريخية.
إن ما يُمارس ضدنا اليوم من ضغوط ثقافية وإعلامية وسياسية لا يقل خطورة عن أي عدوان عسكري. فقد أدرك العدو أن السيطرة على وعينا، وفصلنا عن ذاكرة الأمة، هي الطريقة الأكثر فاعلية لضمان استمراره في الهيمنة. فحين يتحول الانتماء الوطني والعروبي إلى وهم، وحين يصبح الالتزام بالقضية الفلسطينية مجرد شعور عاطفي دون فعل، يصبح من السهل السيطرة علينا داخليًا وخارجيًا.
العدو بين الوعي والغياب
العدو، بمفهومه المادي والمعنوي، لم يغفُ يومًا عن مشروعه. إن الصراع مع الكيان الصهيوني ليس مجرد نزاع على الأرض، بل هو صراع على الوجود، على الذاكرة، وعلى القدرة على إنتاج سردٍ تاريخي متماسك يربط الأجيال بماضيها وبقضيتها المركزية. وقد أدرك مبكرًا أن النصر العسكري ليس كافيًا إذا لم يكن مقرونًا بنفوذ في الوعي الجمعي.
في هذا السياق، تصبح الهزائم التاريخية والحروب الداخلية والفشل في مشاريع الوحدة العربية فصولًا في استراتيجية أوسع: تقويض الأمة من الداخل، وجعلها أسيرة لانقساماتها، ومرتهنة لمصالح القوى الكبرى. فالعدو الحقيقي ليس فقط الجندي أو الدبابة، بل كل آلية تعمل على محو القيم والقناعات التي تشكل حصننا الأخير: الوطنية، العروبة، المقاومة.
تفكيك الحصن الداخلي
الحصن الأخير للأمة العربية لم يسقط بعد، لكنه يواجه تهديدًا متزايدًا. فالوعي الجمعي العربي أصبح معرضًا لتلاعب ممنهج: عبر تشويه المفاهيم، واستبدال القيم، وتقديم البدائل الاستهلاكية والترفيهية، وتوجيه الاهتمام بعيدًا عن القضايا الجوهرية. الوطنية أصبحت شعارًا يتردد دون فعل، والعروبة صارت مفهومًا يقرأ في كتب التاريخ دون إدراك لتطبيقاته المعاصرة، والمقاومة تحوّلت إلى فكرة رمزية أكثر من كونها ممارسة فاعلة.
هنا يتضح جوهر الأزمة: إنها أزمة فكرية وقيمية قبل أن تكون سياسية. فإذا سقط هذا الحصن الداخلي، فإن الأمة تصبح عاجزة عن الدفاع عن ذاتها، ويصبح العدو أكثر قدرة على إعادة رسم المعادلة وفق مصالحه، دون الحاجة إلى القتال المباشر.
نحن والعدو: إطار التحليل
الحكاية بيننا وبين العدو ليست مجرد صراع حدودي أو نزاع سياسي، بل هي صراع وجودي متواصل. هذه حقيقة يجب أن نفهمها في إطار نظرية الصراع الحضاري والهوياتي: الإمكانات العسكرية والسياسية للعدو تعتمد على تفكيك بنيتنا الفكرية والثقافية. وكل محاولات تطبيع العلاقات، أو تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية داخلية، أو تصوير الصراع كخلاف طارئ، هي فصول من هذه الاستراتيجية.
التحدي الأكبر أمامنا هو استعادة الوعي التاريخي والسياسي. ليس كاعتداد ماضٍ مثالي، بل كمنهجية لفهم الحاضر وتحديد مستقبل الأمة. فلسطين، في هذا السياق، ليست مجرد أرض محتلة، بل رمز للذاكرة الجمعية وقوة التماسك العربي. أي ضعف في الاعتراف بهذه الحقيقة، أو تجاهلها، يؤدي إلى تفكيك الحصن الأخير الذي يحمي الأمة من الضياع.
صناعة الوعي مقابل صناعة الوهم
إن أخطر العمليات التي تواجه الأمة اليوم ليست عسكرية، بل ثقافية وفكرية. إنها عملية إعادة صياغة الواقع في إطار يبعدنا عن جوهر قضايانا التاريخية. الإعلام والترفيه والاقتصاد السياسي يسهمون في صناعة وهم يجعلنا نرى مصالحنا الوطنية منفصلة عن واقعنا التاريخي، ويجعلنا نتبنى مشاريع خارجية على أنها حلول حقيقية.
في هذا السياق، يصبح وعي الأمة أهم أسلحة المقاومة. فالوعي هو الذي يحول الذاكرة إلى فعل، ويجعل من الانتماء قيمة عملية، لا مجرد رمز عاطفي. هو الذي يربط الفرد بالقضية والجماعة بالهوية. وهو الذي يجعل من المقاومة فعلًا استراتيجيًا مستدامًا، لا مجرد رد فعل عاطفي على الاحتلال.
الاستيقاظ من السبات
الاستيقاظ من هذا السبات الطويل يتطلب إعادة قراءة التاريخ، وفهم القوى التي تحرك الأحداث، وتمييز العدو الحقيقي عن التحديات الثانوية. إنه يتطلب إدراك أن الاستسلام للانقسامات الداخلية والغرائز الاستهلاكية هو امتداد للعدو في وعينا. ويعني أيضًا استعادة معنى القيم الوطنية والقومية وربطها بالواقع المعاصر.
الأزمات المستمرة، من فلسطين إلى لبنان إلى العراق وسوريا، ليست مصادفات، بل فصول من مخطط طويل لإضعاف الأمة من الداخل. ولكن كل مرة ينهض فيها الطفل الفلسطيني من تحت الركام، وكل مرة يرفع فيها المقاوم صوته، تتجدد جذوة الوعي. هذه ليست لحظات بطولية عابرة، بل إشارات إلى أن الهوية الجمعية لم تنطفئ بعد، وأن الحصن الداخلي ما زال قائمًا، وإن كان مهددًا.
خاتمة: الحصن الذي لا يسقط
إن الحكاية بيننا وبين العدو لا تنتهي بالهزائم أو الانقسامات، بل تستمر طالما هناك وعي، طالما هناك إدراك بأن المصير مشترك، وطالما هناك قناعة بأن الأرض والذاكرة والقيم الوطنية هي أساس وجودنا. الاستيقاظ لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى فهم واعٍ للتاريخ والحاضر والمستقبل.
العدو لم يغفُ يومًا، فلماذا نسمح لأنفسنا بالغفلة؟ نحن والعدو؛ هذه المعادلة واضحة، والحفاظ على وعينا فيها هو الاستراتيجية الأكثر فاعلية لبقاء الأمة واستمرار حضورها في التاريخ.
د. فرج بوخروبة



