د. فرج بوخروبة يكتب.. العروبة بين فكي التدويل والتفتيت

لم تعد العروبة اليوم شعارًا عاطفيًا يُستعاد في لحظة انفعال، ولا ذكرى تاريخية تُستحضر في مواسم الخطابة، بل هي سؤال مفتوح على مصير منطقة كاملة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فحين نعيد قراءة الخريطة السياسية لشرقنا الأوسط، لا نجد مجرد حدود مرسومة على ورق، بل نجد طبقات متراكمة من الصراعات التي اختلط فيها المحلي بالإقليمي والدولي، وتداخلت فيها مشاريع التحرر الوطني مع حسابات الحرب الباردة، ثم مع منطق الأحادية القطبية الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لقد دخلت المنطقة طورًا جديدًا من التفاعلات المعقدة، حيث لم تعد معزولة عن صراعات الكبار، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى ساحة اختبار مستمرة لإرادات القوى الدولية، مما يجعل الحديث عن “العروبة” اليوم حديثًا عن البقاء والسيادة قبل أن يكون حديثًا عن الهوية والانتماء.
إن النظر إلى الوراء يكشف أن قيام إسرائيل عام 1948 لم يكن حدثًا عابرًا في سياق إقليمي ضيق، بل كان لحظة تأسيس لصراع طويل أعاد تعريف مفاهيم الأمن والتحالف والهوية في العالم العربي. وعلى مدى حروب متعاقبة، من النكبة إلى النكسة ثم حرب العبور، تبلورت صورة صراع وجودي في الوعي الجمعي العربي، قبل أن تدخل المنطقة لاحقًا مرحلة اتفاقيات السلام الثنائية والتحولات الاستراتيجية التي أخرجت الصراع من إطاره التقليدي، دون أن تنهي جذوره العميقة. غير أن اختزال أزمات المنطقة في العامل الخارجي وحده يظل قراءة ناقصة تغفل جوهر المأزق؛ فالدول العربية التي نالت استقلالها تباعًا في منتصف القرن العشرين، واجهت تحديات بناء الدولة الحديثة بمؤسسات هشة واقتصادات ريعية، وانقسامات أيديولوجية حادة بين قوميين ويساريين وإسلاميين، وتنافسات إقليمية أنهكت فكرة العمل العربي المشترك قبل أن تنضج.
ومع نهاية الحرب الباردة، وجدت كثير من هذه الدول نفسها أمام ضغوط العولمة، وتراجع نموذج الدولة الراعية، وتزايد الفجوة بين السلطة والمجتمع، لتأتي أحداث العقدين الأخيرين وتضاعف الهشاشة. فقد فتح غزو العراق عام 2003 الباب لتحولات جذرية في توازنات القوة الإقليمية، وأعاد تشكيل الخريطة السياسية لبلد كان يشكل أحد أعمدة النظام العربي، وبعد 2011 دخلت عدة دول في دوامات احتجاج وصراع أهلي، فتراجعت أولوية الصراع العربي الإسرائيلي في الخطاب العام، لصالح أزمات داخلية أكثر إلحاحًا. في هذا السياق المتشظي، لم تعد العروبة مشروع وحدة سياسية بالمعنى الكلاسيكي كما حلم به رواد القرن العشرين، بل صارت إطارًا ثقافيًا فضفاضًا، يتجاور فيه الإحساس بالانتماء مع واقع الانقسام المرير، مما يستدعي وقفة نقدية جادة بعيدًا عن التجريح أو التبرير.
وسط هذا المشهد المعقد، برزت إيران بوصفها فاعلًا إقليميًا لا يمكن تجاهله، وتستند طهران في خطابها إلى إرث حضاري عريق وسردية الندية في مواجهة القوى الكبرى، خاصة بعد الثورة الإسلامية عام 1979. ومن زاوية معينة، يمكن النظر إلى التجربة الإيرانية باعتبارها محاولة لبناء قوة إقليمية مستقلة القرار، استطاعت تطوير قدرات عسكرية وصاروخية، وبناء شبكة تحالفات ممتدة، مما أكسبها تعاطف بعض القوى التي ترى في تحدي الهيمنة الأمريكية موقفًا مبدئيًا. لكن من زاوية أخرى، تثير سياساتها الإقليمية جدلًا عربيًا واسعًا، إذ ترى أطراف عربية أن تمدد نفوذها تم على حساب سيادة الدول واستقرارها، وأن التنافس الإيراني العربي أخذ أبعادًا طائفية وسياسية زادت من تعقيد المشهد، مما يؤكد أن المنطقة لم تعد تتحمل مقاربات صفرية تختزل الصراع في ثنائية خير وشر، أو في مواجهة بين مشروعين مغلقين.
إن الواقع الجديد يفرض علينا الاعتراف بأن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية بالمعنى الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي، فصعود قوى كبرى أخرى وتزايد التنافس بين واشنطن وبكين وموسكو، أعاد شيئًا من التعددية إلى المشهد العالمي، وفتح هوامش حركة أوسع أمام الدول المتوسطة. غير أن استثمار هذه الهوامش يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، لا مجرد ردود أفعال آنية على أزمات متلاحقة. والعروبة، إذا أُريد لها أن تكون فاعلة في هذا السياق، تحتاج إلى إعادة تعريف واقعي بعيدًا عن الشعارات القصوى، فلم يعد ممكنًا الحديث عن وحدة اندماجية شاملة في المدى المنظور، لكن يمكن الحديث عن تكامل وظيفي تدريجي في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، يكون جسر عبور نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
إن إصلاح الداخل يبقى شرطًا أوليًا لأي مشروع إقليمي ناجح، فالدولة القوية بمؤسساتها، والقادرة على تحقيق قدر من العدالة والشفافية، هي وحدها القادرة على التفاوض بندية مع الخارج، سواء كان هذا الخارج قوة كبرى أم دولة إقليمية طموحة. وإن نقد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية أو الإيرانية حق مشروع في إطار النقاش العام، لكنه لا يغني عن مساءلة الذات، فالتاريخ لا يُكتب فقط بإرادة القوى العظمى، بل أيضًا بقدرة المجتمعات على التعلم من أخطائها وبناء نماذج حكم أكثر كفاءة. وفي عالم سريع التحول، قد يكون الرهان الأجدى ليس على انتظار أفول إمبراطورية أو صعود أخرى، بل على بناء قوة داخلية مستدامة تجعل من العروبة فضاء تعاون ومصالح مشتركة، لا مجرد ذاكرة مثقلة بالهزائم أو أمجاد الماضي.
بهذا المعنى، لا يبدو المشهد قدرًا محتومًا يسير في خط مستقيم نحو نهاية مغلقة، بل مسارًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، غير أن تحويل الاحتمال إلى واقع يتطلب شجاعة في الاعتراف بالتقصير، وجرأة في الإصلاح، ووعيًا بأن التوازن مع القوى الإقليمية والدولية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء عناصر القوة الحقيقية في الداخل أولًا. تلك ربما هي الخطوة الأولى لاستعادة المبادرة في منطقة اعتادت أن تكون موضوعًا لسياسات الآخرين، أكثر مما كانت صانعة لسياساتها، فإما أن نكون فاعلين في صناعة تاريخنا، أو نكون مجرد هامش في هوامش تاريخ الآخرين، والخيار هنا ليس بيد أحد سوانا، فالمصير ليس مفوضًا إلا لإرادتنا نحن.



