إعداد الدكتور عمر حسين الصديق بوشعالة
تشهد ليبيا حالة من الانقسام السياسي والمؤسساتي من عام 2011م، تتخللها أزمات أمنية واقتصادية واجتماعية مستمرة، وتحاول البعثة الأممية للدعم في ليبيا، بقيادة المبعوثة الخاصة “هانا تيتيه”، أن تضع خارطة طريق سياسية جديدة لكسر هذا الجمود، وإعادة إطلاق المسار الديمقراطي من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات والمساءلة للدولة.
خارطة الطريق ترتكز على ثلاث ركائز رئيسية:
1. إعداد إطار انتخابي متماسك فنياً وقابلاً للتطبيق، مع تعديل محدود وجوهري للقوانين الحالية.
2. تشكيل حكومة تنفيذية موحدة تدمج مؤسسات الشرق والغرب وتكون مسؤولة عن تهيئة المناخ للانتخابات.
3. إطلاق حوار سياسي / اجتماعي هيكلي يضم كل الأطراف والجهات المعنية لمعالجة قضايا خلافية (قانونية، دستورية، أمنية، اقتصادية).
كما تضمنت الخطة مقترحات زمنية (12-18 شهراً في بعض المصادر) لإتمام بعض المراحل مثل إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، تعديل الأطر التشريعية، والمضي قدماً نحو الانتخابات.
أولا: – الملاحظات الإيجابية في الخارطة
1. وضوح الرؤية الطموحة
تناول الخطة لِمواضيع أساسية مثل توحيد المؤسسات، إطار انتخابي نزيه، وإشراك الجماهير يعد خطوات مهمة تجنبا للتجاهل المستمر للأزمات البنيوية.
2. التركيز على الانتخابات
الانتخابات تعتبر بوابة شرعية للخروج من الفوضى، وإعادة النظر في القوانين الانتخابية والمفوضية ضروريان لضمان نزاهة وشفافية العملية.
3. الحوار كمكون ضروري
إشراك مختلف أطياف المجتمع (السياسي، المدني، الشباب، الأقاليم) قد يساعد على زيادة الشرعية، خلق توافق، وتقليل الاحتقان.
4. الدعم الدولي الواضح
الخارطة تحظى باهتمام ودعم من بعض الدول الفاعلة، مما قد يساعد في الضغط على الأطراف المحلية للالتزام.
ثانيا:- التحديات والمآخذ الكبرى
ورغم الإيجابيات، هناك عدة ملاحظات تؤكد أن التنفيذ لن يكون سهلاً، وأن هناك مخاطر قد تحول دون تحقيق النتائج: ـ
1. الإرادة السياسية غير المضمونة
• الأطراف السياسية الرئيسية مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لم يبدوا حتى الآن توافقا واضحا على جميع المقترحات.
• بعض الأطراف قد تسعى إلى إبقاء مواقعها واستغلال التعقيدات لتعطيل المسار الانتخابي أو تأخيره.
2. الانقسام المؤسساتي والأمني لا يزال عائقا شديدا
• الدولة في ليبيا لا تزال منقسمة: مؤسسات شرق وغرب، حكومتان، برلمانان، هذا الأمر يجعل التواصل والتوحيد مؤسساتيا صعبا جدا.
• تشكل الميليشيات والفصائل المسلحة عاملا مؤثرا في المشهد الأمني، حيث إن استمرار وجودها خارج نطاق السيطرة الكاملة يعزز حالة عدم اليقين ويعيق تنفيذ الخطط والاستراتيجيات.
3. الجدول الزمني وضبابية المواعيد التنفيذية
• تحديد مهل قصيرة مثل شهرين لتعديل القوانين أو إعادة تشكيل المفوضية يبدو طموحا جدا، وربما غير قابل للتحقيق دون تعاون كبير من كل الأطراف.
• في بعض المصادر يشير إلى أن الجدول الزمني غير ملزم، أو أن التقدم يعتمد على توفر الإرادة السياسية، مما يقلل من الموثوقية.
4. المشاركة الشعبية والشرعية والتوزيع العادل
• الاستبيانات واللجنة الاستشارية مفيدة، لكن هناك شكوك حول مدى تغطيتها لجميع المناطق الليبية، الأقاليم، الجماعات القبلية، المجتمعات المحلية التي غالبا ما تهمش.
• الشرعية لا تبنى فقط على الخطاب أو الأطر النظرية، بل على النتائج العملية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية: الأمن، الخدمات، الاقتصاد.
5. الضغوط والتدخلات الخارجية
• ليبيا منذ سقوط النظام تعاني من تدخلات دولية وإقليمية متعددة. هذه التداخلات تعبث بالداخل السياسي وتغير موازين القوى أحيانا لصالح أطراف ليست بالضرورة تمثل رغبة الشعب.
• وجود دعم دولي يجب أن يكون حريصا على عدم الانحياز لطرف على حساب طرف، كما يجب أن يسعى لبناء مؤسسات قوية وليست مجرد وسائط في صراعات الكبار.
ثالثا:- تقييم ما إذا كانت الخارطة تمثل فرصة أخيرة.
هل خارطة الطريق هذه تمثل “الفرصة الأخيرة” كما يقال؟ بناء على المعطيات:
• نعم، هناك فرص واقعية إذا تم تفعيلها بحيادية، وإذا توافرت الإرادة الحقيقية من جميع الأطراف في الداخل، مع دعم دولي لا يميل إلى الاستغلال.
• لكن من جهة أخرى، إذا بقيت خارطة الطريق عرضا نظريا، أو انجرت إلى تأخيرات أو نقاشات نفسية فقط دون خطوات عملية واضحة، فإنها قد تتحول إلى مبادرة من بين سلسلة مبادرات سبق أن فشلت.
رابعا: – توصيات لضمان نجاح خارطة الطريق.
ينبغي أن تكون خارطة الطريق واقعية وقابلة للتنفيذ، بما يضمن تجنب تكرار التجارب السابقة التي أدت إلى تعثر المسارات الأممية، وحتى لا يتحول الأمر إلى مصدر جديد للإحباط لدى الشارع الليبي، أقترح ما يلي:
1. جدولة ملزمة ومتابعة شفافة
• وضع مواعيد تنفيذية واضحة (مثل إعادة تشكيل المفوضية، إصلاح الإطار القانوني) مع مسار متابعة علني.
• أن تعلن هذه المواعيد والتقدم أمام الشعب الليبي، وليس فقط في الاجتماعات الرسمية.
2.آليات عقابية لمن يعرقل
• استخدام أدوات مثل العقوبات الدولية على من يعرقل التنفيذ عمداً.
• أن تحدد الآليات التي تعاقب أي طرف سياسي أو عسكري يعمد إلى تعطيل العملية.
3. مشاركة مجتمعية أوسع
• تطلع إلى إشراك المجتمعات المحلية، القبائل، النازحين، الشباب، النساء، والمناطق النائية، لضمان تمثيل حقوقي عادل.
• القيام باستبيانات ميدانية وليس فقط عبر الإنترنت أو منابر رسمية.
4. تعزيز الرعاية الأمنية
• يتطلب ضمان نجاح العملية الانتخابية العمل على ضبط السلاح ودمج الأجهزة الأمنية، مع وضع آليات واضحة تكفل توفير الأمن خلال الحملات الانتخابية ويوم الاقتراع.
• تواجد مؤسسات قضائية قوية لحماية الحقوق أثناء النزاع الانتخابي.
5. ترسيخ مبدأ المساءلة والشفافية
• يجب أن تكون الحكومات الجديدة والمؤسسات الموحدة عرضة للمساءلة من الجمهور والهيئات الرقابية.
• أن تنشأ لجان رقابية مستقلة لإشراف على الالتزام بالخارطة وتحقيق الأهداف.
6. استدامة العملية السياسية
• لا يجب أن تقتصر الخارطة على الانتخابات، بل تشمل عملية التعافي البنيوي: المصالحة الوطنية، بناء مؤسسات قوية، استقرار مالي، إعادة الخدمات.
• إدماج البعد الاقتصادي والإنساني، لأن غياب الاستقرار الاقتصادي يضع الانتخابات في خطر.
7. التنسيق الإقليمي والدولي الحريص
• أن تكون الجهات الدولية الداعمة مراقبة وملتزمة بعدم فرض أجندات خارجية.
• دعم فني وليس تحكم، والمساعدة في بناء قدرات داخلية بدلاً من الاعتماد الكلي على الدعم الخارجي.
خاتمة
أن خارطة الطريق الأخيرة للبعثة الأممية في ليبيا تمثل محاولة طموحة تشكر على أنها تستجيب لجزء من مطالب الشعب الليبي والمجتمع الدولي، خصوصا من حيث توحيد المؤسسات، الانتخابات، والحوار، ولكن الطموح وحده لا يكفي، النجاح يعتمد على مدى جدية الأطراف الليبية في الالتزام، القدرة على تنفيذ ما يتفق عليه عمليا، والاقتناع أن مصلحة الوطن تستحق التنازلات.
إذا نجحت هذه الخارطة، فستكون نقطة تحول تاريخية بين التمزق السياسي والمؤسسي وبين بناء دولة قوية، وإذا أخفقت فإن ليبيا ستكون قد خسرت فرصة ربما لن تأتي مثلها قريبا، وسيستمر المواطن الليبي يدفع ثمن الفرص الضائعة.



