محمود النشيط يكتب.. ثقافة السفر جواز العبور إلى رحلة ناجحة
إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي

في عالمٍ تجاوز فيه السفر حدود الترفيه ليصبح وسيلةً للتعلّم والتبادل الثقافي وبناء العلاقات الإنسانية، لم يعد امتلاك تذكرة الطائرة أو حجز الفندق كافيًا لضمان رحلة ناجحة، بل أصبحت “ثقافة السفر” أحد أهم مقومات المسافر الواعي، وعنصرًا أساسيًا في نجاح الرحلات الفردية والجماعية على حد سواء.
ومن واقع خبرةٍ امتدت لسنوات في قيادة إدارة الرحلات السياحية الجماعية، تبلورت لدي قناعة راسخة بأن نجاح أي برنامج سياحي لا يعتمد فقط على جودة التنظيم أو جمال الوجهة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بثقافة المسافر وقدرته على التعامل الإيجابي مع الظروف والمتغيرات التي قد تطرأ أثناء الرحلة. فالسفر، مهما بلغت دقة التخطيط له، يظل عرضة لظروف تشغيلية أو مناخية أو لوجستية قد تكون خارجة عن إرادة الجميع، وهنا تظهر قيمة الوعي، وسعة الصدر، والقدرة على التكيف.
وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة (UN Tourism) إلى أن عدد السياح الدوليين تجاوز 1.4 مليار سائح في عام 2024، في مؤشر واضح على عودة الحركة السياحية العالمية إلى مستويات ما قبل الجائحة تقريبًا. وفي المقابل، تؤكد الدراسات الصادرة عن شركات متخصصة في إدارة المخاطر السياحية أن نسبة كبيرة من المشكلات التي تواجه المسافرين لا تعود إلى تعقيدات السفر نفسها، بل إلى نقص المعلومات المسبقة أو سوء التصرف في المواقف الطارئة، وهو ما يجعل الثقافة السياحية ضرورة لا رفاهية.
وتتنوع أنماط المسافرين بطبيعة الحال؛ فهناك المسافر كثير الخبرة، والمسافر الموسمي، ومن يخوض تجربة السفر الأولى، وآخر اضطرته الظروف إلى السفر. إلا أن الفارق الحقيقي لا يكمن في عدد الرحلات التي قام بها الشخص، بل في أسلوب تعامله مع الآخرين واحترامه للأنظمة وقدرته على التكيف مع المستجدات. فكثيرًا ما نجد مسافرًا قليل الخبرة، لكنه يضفي على الرحلة روحًا إيجابية تجعله محبوبًا بين الجميع، بينما قد يفسد غياب المرونة عند آخرين متعة رحلة كاملة.
ويرى المختصون في علم الاجتماع والسلوك السياحي أن ثقافة المسافر تبدأ قبل مغادرة المطار، من خلال التعرف على عادات وتقاليد المجتمع المضيف، والإلمام بالقوانين المحلية، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية، إضافة إلى الالتزام بالسلوك الحضاري في الأماكن العامة. فالمسافر لا يمثل نفسه فحسب، بل يعكس صورة وطنه وثقافته أمام العالم.
ولا يمكن فصل ثقافة السفر عن منظومة التربية والقيم. فالأسرة والمدرسة تؤديان دورًا محوريًا في غرس مفاهيم احترام الوقت، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالنظام، وتقبل الاختلاف، وهي قيم تنتقل تلقائيًا مع الإنسان أينما ذهب. كما أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية مصدرًا مهمًا لتعزيز الوعي السياحي، شريطة انتقاء المحتوى الهادف والابتعاد عن السلوكيات السلبية التي قد تسيء للمسافر أو لبلده.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدراج مفاهيم ثقافة السفر ضمن برامج التعليم والأنشطة المدرسية والجامعية، باعتبارها جزءًا من المواطنة العالمية، بما يسهم في إعداد أجيال أكثر وعيًا واحترامًا للتنوع الثقافي. كما يمكن للجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارات السياحة والخارجية، بالتعاون مع شركات السفر والطيران، إطلاق مبادرات توعوية ومنصات رقمية تقدم للمسافرين أدلة إرشادية مبسطة حول الأنظمة المحلية، وآداب السفر، وإدارة المواقف الطارئة، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي.
لقد أصبحت السمعة السياحية للدول ترتبط اليوم بسلوك زوارها ومواطنيها في الخارج بقدر ارتباطها بجمال وجهاتها. فالمسافر المثقف يترك انطباعًا إيجابيًا يدوم طويلًا، ويصبح سفيرًا غير رسمي لبلده، يسهم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب.
وفي موسم السفر، نتمنى أن يحمل كل مسافر معه حقيبتين؛ الأولى تضم احتياجاته الشخصية، والثانية مليئة بالوعي والاحترام والصبر وحسن التصرف. فهذه هي الأمتعة التي لا تُفرض عليها رسوم إضافية، لكنها تصنع الفارق الحقيقي بين رحلة عابرة وتجربة لا تُنسى.


