تقدير موقف

اليوان يتأهب للإطاحة بهيمنة الدولار

إعداد/ د. أشرف ممتاز

على العالم أن يستعد لنهاية هيمنة الدولار الأمريكي وبداية عصر اليوان الصيني كعملة رئيسية للتداول، في خريطة جديدة ترسم ملامحها الصين؛ ليس فقط على صعيد توازن القوى سياسياً وعسكرياً فحسب، بل أيضاً في النظام النقدي الدولي. فلأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعلن دولة بجرأة عن عزمها الإطاحة بالدولار من على عرش الاقتصاد العالمي، وذلك حين دعا الرئيس الصيني “شي جينج بينغ” إلى جعل اليوان عملة احتياطية عالمية، في ظل سعي بكين إلى تعزيز دور عملتها دولياً. فقد نشرت مجلة “تشيوشي”، وهي المجلة الأيديولوجية الرئيسية للحزب الشيوعي الحاكم، مقالاً للرئيس الصيني طالب خلاله ببناء “عملة قوية” يمكن استخدامها على نطاق واسع في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق الصرف الأجنبي، وأن تحظى بمكانة العملة الاحتياطية.

هذه ليست مجرد أمنيات أو تصريحات استعراضية؛ فرئيس ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مدعوماً بناتج محلي إجمالي يبلغ 20 تريليون دولار، كشف عن استراتيجية شاملة لخلق “نظام نقدي موازي” استعداداً لفك الارتباط بالدولار   (De-dollarization)  وجعل اليوان عملة جديدة للعالم في المستقبل القريب. تتضمن هذه الاستراتيجية أهدافاً محددة، من بينها: بنك مركزي قوي وقادر على إدارة نقدية فعالة، ومؤسسات مالية تستطيع المنافسة عالمياً، ومراكز مالية دولية قادرة على جذب رؤوس الأموال العالمية والتأثير على الأسعار الدولية.

والتوقيت ليس صدفة؛ فالصين تطرق الحديد وهو ساخن للانقلاب على النظام النقدي العالمي، مستغلة حالة من عدم اليقين المتزايد في الأسواق العالمية نتيجة ضعف قيمة الدولار، وأزمة تغيير قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إضافة إلى التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ وهي عوامل دفعت البنوك المركزية حول العالم إلى إعادة النظر في انكشافها على الأصول الدولارية. فقد شكل الدولار نحو 57% من الاحتياطيات العالمية، بانخفاض عن 71% عام 2000، بينما بلغت حصة اليورو نحو 20%، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي.

وهناك خمسة محركات رئيسية تعتمد عليها الصين في تعزيز صلابة اليوان أمام الدولار وجعله عملة مغرية للبنوك المركزية والأسواق العالمية:

أولاً: تسونامي من احتياطيات النقد الأجنبي

لا توجد سيولة مالية متاحة لأي بنك مركزي على مستوى العالم مثلما يتوفر لدى البنك المركزي الصيني؛ فالصين تملك أكبر احتياطي من النقد الأجنبي في العالم. وقد كشفت بيانات بنك الشعب الصيني والهيئة الوطنية للنقد الأجنبي أنه بنهاية يناير 2026، سجلت احتياطيات النقد الأجنبي الصينية قفزة قوية بإجمالي قياسي بلغ 3.39 تريليون دولار، متفوقة على التوقعات التي كانت تشير إلى 3.37 تريليون دولار، حيث ارتفعت الاحتياطيات بمقدار 41.2 مليار دولار على أساس شهري. ترجع أسباب هذه القفزة إلى استقرار سعر صرف اليوان أمام الدولار منذ الربع الأخير للعام الماضي، والتحسن في عوائد الاستثمارات الأجنبية، وقوة الصادرات الصينية، مما أسهم في استقرار الميزان التجاري، إضافة إلى الإدارة الفعالة للاحتياطيات من قِبل البنك المركزي الصيني. كل هذه العوامل تعطي مؤشراً واضحاً للنمو والمرونة العالية للاقتصاد الصيني، وهو ما يوفر حماية للاحتياطيات ضد الصدمات الخارجية ويسهم في تعزيز استقرار اليوان.

ثانياً: سور ذهبي لتحصين اليوان

تعمل الصين على تحصين عملتها أمام التقلبات العالمية بالاستحواذ على أحجام هائلة من الذهب، حيث تواصل تعزيز “كمية” و”قيمة” احتياطاتها من المعدن الأصفر. فقد أضافت الصين بنهاية الشهر الماضي حوالي 1.24 طن، ليصل إجمالي احتياطاتها من الذهب إلى 2.3 طن، كما قفزت قيمة هذه الاحتياطيات من 319.45 مليار دولار في ديسمبر إلى 369.58 مليار دولار بنهاية يناير. تعزيز احتياطيات الذهب له تأثيرات استراتيجية متعددة؛ فمن ناحية، تدعم هذه الاحتياطيات ثقة المستثمرين في اليوان بصفته مدعوماً بأصول “صلبة” ذات قيمة مرتفعة، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالتضخم. ومن ناحية أخرى، فإن وجود غطاء ذهبي كبير يشجع الدول على استخدام اليوان في التجارة الدولية، كما يمنح بكين “ورقة تفاوضية” قوية في الساحة الدولية.

ثالثاً: إحراق مخزون السندات الأمريكية

لم تكتفِ الصين بتقوية اليوان، بل انتقلت إلى مرحلة الهجوم على الدولار ووجهت ضربة مباغتة للاقتصاد الأمريكي؛ حيث أصدرت الحكومة الصينية تعليمات صارمة إلى البنوك المحلية بالتخلص من حيازتها لسندات الخزانة الأمريكية، بهدف حماية مؤسساتها المالية من مخاطر السوق وتحصين نظامها المالي، وهو ما قد يؤدي إلى إفقاد الثقة في الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة. وكانت الصين تُعد أهم مالك أجنبي للسندات الأمريكية بمتوسط حيازة بلغ 1073.21 مليار دولار خلال الفترة من 2011 حتى 2025، لكنها خفضت حيازتها إلى النصف تقريباً لتصل إلى أدنى مستوياتها بقيمة 683 مليار دولار في نوفمبر 2025. وتأتي هذه الخطوة في ظل مخاوف من الانضباط المالي لواشنطن، خاصة بعدما أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الشهر الماضي عن ارتياحه لانخفاض قيمة الدولار، مما أدى إلى تزايد المخاطر على سندات الديون الأمريكية التي بلغت 9.4 تريليون دولار.

رابعاً: تسارع الطلب العالمي على “الباندا

استغلت الصين قيادتها لمجموعة “بريكس” لاستقطاب دول المجموعة لشراء “سندات الباندا” المقومة باليوان، والتي تُعد ثاني أكبر سوق للسندات في العالم وأداة استراتيجية لتعزيز السيولة. فـروسيا تمتلك حالياً سندات باندا بقيمة 2.8 مليار دولار، ما جعل اليوان رسمياً العملة الاحتياطية الجديدة لها منذ تجميد الغرب أصول البنك المركزي الروسي عقب اندلاع الحرب الروسية في 2022، ومنع موسكو من الوصول إلى التمويل بالدولار ما فتح الباب أمام الشركات الروسية للاقتراض باليوان بتكاليف أقل من القروض بالروبل، التي أصبحت باهظة التكاليف بسبب الفائدة المرتفعة. كما تُعد مصر أول دولة عربية وإفريقية تمتلك سندات باندا بقيمة 500 مليون دولار.

وتدرس البرازيل إصدار أول سندات باندا لتقليل المخاطر وتعزيز الروابط التجارية مع الصين. كما أصدرت المجر سندات بقيمة 700 مليون دولار، وباكستان بقيمة 300 مليون دولار، وحازت إمارة الشارقة على نحو 283 مليون دولار. ويخطط الصندوق العربي للطاقة لإصدار سندات تصل إلى 1.4 مليار دولار. وبمعدل فائدة يبلغ 1.7% للسندات الصينية مقابل 4.4% للخزانة الأمريكية، يصبح الاقتراض باليوان أرخص بنسبة 60% تقريباً من الدولار.

خامساً: السلاح الرقمي لكسر حصار نظام “سويفت

يمثل نظام التحويلات المصرفية “سويفت” عائقاً أمام تدويل اليوان لاعتماده على البنوك الأمريكية؛ لذلك لجأت الصين إلى “اليوان الرقمي” (e-CNY) كسلاح لإحداث ثغرة في هذا النظام. فاليوان الرقمي يعتمد على انتقال الأموال مباشرة من محفظة البنك المركزي الصيني إلى محفظة بنك مركزي آخر دون الحاجة للمرور عبر “سويفت” أو البنوك الوسيطة. كما أنشأت الصين مشروع mBridge بهدف إنشاء منصة دولية لتسوية التجارة بالعملات الرقمية، مما يتيح للشركات تسوية معاملاتها في ثوانٍ وبتكلفة تقترب من الصفر، وبعيداً عن أعين الرقابة المالية الأمريكية. والدرس الأكبر الذي تعلمته الصين من تجميد أصول روسيا هو أن النظام المالي الحالي يمكن تحويله إلى سلاح، لذا بات اليوان الرقمي درعاً واقياً يحصن بكين وحلفاءها ضد أي عقوبات مستقبلية.

وبالرغم من هذه المحركات القوية، يواجه اليوان تحديات جوهرية تجعل طريق “الإطاحة” بالدولار محفوفاً بالمخاطر، ويمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:

  1. الرقابة على حركة رأس المال: لا يزال النظام المالي في الصين يعاني من أطر قانونية ومعقدة تعيق تدفق رؤوس الأموال الأجنبية. وتخشى بكين أن يؤدي فتح “حساب رأس المال” بالكامل إلى تدفقات خارجة غير منضبطة قد تزلزل استقرار الاقتصاد المحلي، وطالما بقي اليوان “مقيداً” جزئياً، سيظل استخدامه كعملة احتياط محدوداً مقارنة بالدولار.
  2. غياب الشفافية في الأسواق المالية: لكي يصبح اليوان عملة عالمية، يجب أن توفر الصين سوقاً للسندات يتسم بالعمق والشفافية ويحمي حقوق المستثمرين بنظام قانوني مستقل، وهو تحدٍ كبير في ظل النظام الحالي.
  3. معضلة النمو القائم على التصدير: لكي توفر الصين اليوان للعالم كعملة احتياط، يجب أن تضخ سيولة ضخمة منه في الخارج، وهذا يتطلب غالباً “عجزاً تجارياً”. وبما أن نموذج النمو الصيني يعتمد تاريخياً على “الفائض التجاري” الضخم، فإن التحول إلى “مُصدِّر للعملة” بدلاً من “مُصدِّر للسلع” يتطلب تغييراً جذرياً قد لا تتحمل تبعاته القطاعات الصناعية.

في الختام، يبدو أن العالم لا يقف فقط أمام تغير في موازين القوى السياسية، بل هو على أعتاب ثورة نقدية تقودها الصين. فاستراتيجية “النظام الموازي” التي تنتهجها بكين، من السندات السيادية إلى اليوان الرقمي، ليست مجرد محاولة لتقليص نفوذ واشنطن، بل هي عملية متدرجة لفك ارتباط الاقتصاد العالمي بـ “الدولار”. ومع ذلك، تظل رحلة اليوان نحو القمة رهينة التوازن بين رغبة الصين في التحول إلى “بنك العالم” وحاجتها للحفاظ على قبضتها السيادية على أسواقها الداخلية. وبينما يترنح النظام النقدي القديم تحت وطأة الديون والتوترات الجيوسياسية، يبقى السؤال القائم: هل ستنجح بكين في فرض قواعدها الجديدة على خريطة المال العالمية، أم أن عرش الدولار لا يزال محمياً بجدران المؤسسات الدولية الراسخة؟

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى