الكويت تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية وسط تحديات إقليمية متسارعة

الكويت- مركز العرب
في خطوة تعكس حيوية الإدارة السياسية في دولة الكويت وقدرتها على إدارة الملفات الداخلية والخارجية بنسق متوازن، أطلقت الحكومة الكويتية حزمة من المبادرات التنموية والاجتماعية الشاملة، بالتوازي مع اتخاذ مواقف سياسية حازمة لحماية سيادتها الوطنية وأمنها الإقليمي. ويظهر المشهد الكويتي الحالي حالة من التلاحم المؤسسي والرغبة الرسمية الجادة في تسريع وتيرة التحول الاقتصادي الرقمي، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، بالتزامن مع إظهار أعلى درجات الجاهزية الأمنية والعسكرية في مواجهة الخروقات الخارجية، مما يبعث برسائل طمأنينة قوية للمواطنين والمستثمرين على حد سواء بشأن مستقبل الاستقرار في البلاد وقدرتها على تجاوز الأزمات الإقليمية الراهنة بمرونة واقتدار.

تحركات حكومية لضمان رفاة الشعب
على الصعيد التنفيذي الداخلي، ترأس الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء الكويتي، اجتماعاً موسعاً للمجلس ركّز في مقامه الأول على جودة الأداء الحكومي والرفاه الاجتماعي وتطوير الخدمات العامة. ووصف مراقبون التوجيهات الصادرة عن رئيس الوزراء بتكثيف الجولات الميدانية التفقدية لمختلف الجهات الحكومية الخدمية بأنها مقاربة ديمقراطية تنفيذية تهدف إلى تلمس احتياجات المراجعين عن قرب، والوقوف المباشر على مستوى جودة الخدمات المقدمة لهم، فضلاً عن رفع كفاءة أداء الموظفين ومعالجة أية ملاحظات أو تحديات بشكل فوري، مما يؤكد سعي الحكومة لبناء إدارة رشيقة قادرة على تلبية تطلعات الشارع الكويتي وتدعيم الثقة بين المواطن والجهاز الإداري للدولة.

إطلاق البرنامج الاستراتيجي الشامل لحماية الأسرة
وفي أضخم خطوة حكومية لحماية النسيج الاجتماعي ودعم التماسك المجتمعي في ظل المتغيرات المعاصرة، وافق مجلس الوزراء الكويتي على إطلاق البرنامج الحكومي الشامل لحماية الأسرة. ويتضمن هذا البرنامج النوعي ثلاثاً وثمانين مبادرة استراتيجية تشارك في تنفيذها اثنتا عشرة جهة حكومية مختلفة، مما يعكس شمولية الطرح وتكامل الجهود الرسمية. ولضمان حوكمة هذا البرنامج ورقابته بشكل صارم، كلف مجلس الوزراء المجلس الأعلى للأسرة بمتابعة تنفيذ المبادرات بدقة، ورفع تقرير دوري كل ثلاثة أشهر يتضمن نسب الإنجاز المحققة، وأبرز التحديات الميدانية، والتوصيات اللازمة لاستكمال العمل وتذليل العقبات، بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرجوة منه في صيانة الأسرة الكويتية بصفتها النواة الأساسية للمجتمع.
وبالتزامن مع هذا الحراك الاجتماعي، أطلقت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة النسخة الرابعة من الحملة الوطنية لتوفير الطاقة والتي تحمل شعار “وفر واصنع الفرق”. وتهدف هذه الحملة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة الترشيد والاستخدام الأمثل للموارد الحيوية في البلاد. وأكد المسؤولون أن ترشيد استهلاك الطاقة والمياه يمثل ضرورة وطنية قصوى تفرضها التحديات الاستثنائية الراهنة، مبيّنين أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف جميع المواطنين والمقيمين والعمل بروح المسؤولية الوطنية المشتركة للحفاظ على ثروات البلاد واستدامة مواردها للاجيال القادمة.
وعلى الرغم من الأجواء الأمنية المعقدة في المنطقة، أثبت الاقتصاد الكويتي مرونته وجاذبيته الاستثمارية العالية من خلال المضي قدماً في تنفيذ المشاريع التنموية والاستراتيجية الكبرى بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين والدوليين، مما يؤكد ثقة الشركات العالمية في استقرار البيئة الاستثمارية الكويتية. وفي هذا السياق، أحيط مجلس الوزراء علماً بمراسم توقيع ثلاث جهات حكومية كويتية عقوداً رسمية مع شركة “ليماك” التركية العالمية لاستكمال المراحل الأخيرة من مشروع مبنى الركاب الجديد بمطار الكويت الدولي المعروف بمشروع تي اثنان، في خطوة جديدة تعكس تزام الدولة بمواصلة تنفيذ المشاريع الحيوية وتسريع وتيرة الإنجاز في أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تُعد ركيزة أساسية ضمن خطط تطوير البنية التحتية وتعزيز منظومة النقل الجوي واللوجستي وفقاً لأحدث المعايير العالمية المعمول بها.

وثبة رقمية عملاقة مع “بيون” البحرينية
وفي سياق متصل يهدف إلى تسريع التحول الرقمي وبناء اقتصاد المعرفة في منطقة الخليج العربي، منحت وزارة الاتصالات الكويتية والهيئة الكويتية لمشاريع الشراكة عقداً ضخماً لمجموعة “بيون” البحرينية العالمية لتطوير شبكة الاتصالات الثابتة في البلاد ضمن نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في مشروع استثماري عملاق يتوقع أن تصل قيمته الإجمالية إلى نحو مليارين وسبعمائة مليون دولار على مدى خمسين عاماً. ويُعد هذا المشروع أحد أكبر مبادرات البنية التحتية الرقمية في تاريخ الكويت، إذ يشمل إعادة هندسة شاملة لشبكة الاتصالات الوطنية عبر تطوير أنظمة الجيل القادم، والتخلص التدريجي من شبكات النحاس القديمة والمتهالكة، بما يواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي الحديث والتوسع في تقديم الخدمات الذكية للمواطنين والشركات.
وأوضحت المجموعة البحرينية المدرجة في بورصة البحرين أن هذا المشروع الاستراتيجي سيُموَّل ويُطوَّر بالكامل من قبل الشركة دون أن يشكل أي عبء مالي أو التزام تمويلي على خزانة الدولة الكويتية، وذلك بعدما رست المناقصة عليها عقب عملية تقييم فنية ومالية وقانونية دقيقة شهدت منافسة محتدمة بين تحالفات وشركات إقليمية ودولية متخصصة في هذا المجال الحيوى. وأشار وزير الدولة لشؤون الاتصالات الكويتي، عمر العمر، إلى أن الاستثمارات الجديدة تهدف في جوهرها إلى بناء بنية تحتية رقمية مستدامة وحديثة تدعم الحوسبة السحابية وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات المدن الذكية، بما يتماشى تماماً مع مرئيات رؤية الكويت ألفين وخمسة وثلاثين الهادفة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط الذي لا يزال يمثل نحو تسعين بالمئة من إيرادات الحكومة وحوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
نموذج الشراكة كتوجه استراتيجي لتنويع الاقتصاد
وفي هذا الإطار التمويلي التنموي، أكدت السلطات الكويتية أن الاعتماد على نموذج الشراكة مع القطاع الخاص يمثل توجهاً استراتيجياً ثابتاً لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة وتسريع تنفيذ المشاريع الحيوية. وكانت الحكومة الكويتية قد أطلقت في وقت سابق مناقصة دولية لاختيار شركة استشارية عالمية للإشراف على إعادة طرح ثلاثة وعشرين مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص في مختلف قطاعات البنية التحتية والخدمات، مما يشير إلى تحول بنيوي في العقلية الاقتصادية للدولة نحو تعزيز دور القطاع الخاص وتمكينه من قيادة عجلة التنمية المستدامة والتحول الرقمي الشامل.

حسم أمني وسيادي في مواجهة تسلل الحرس الثوري
وفي المقابل، أظهرت دولة الكويت حزماً سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً بالغاً إزاء المحاولات الرامية لزعزعة استقرارها أو المساس بحدودها السيادية ونطاقها العسكري. حيث أعرب مجلس الوزراء الكويتي عن إدانته واستنكاره الشديدين لقيام مجموعة مسلحة من عناصر الحرس الثوري الإيراني بالتسلل بطريقة غير مشروعة عبر البحر إلى جزيرة بوبيان الكويتية بهدف تنفيذ أعمال عدائية تخريبية تجاه الدولة، واشتباكها المباشر مع القوات المسلحة الكويتية قبل أن تتمكن القوات الوطنية بيقظتها العالية وبسالتها من إلقاء القبض على أفراد المجموعة المسلحة، مما أسفر عن إصابة أحد منتسبي القوات المسلحة الكويتية أثناء أداء واجبه الوطني في الدفاع عن حدود البلاد.
وشدد مجلس الوزراء في بيانه الرسمي على مطالبة دولة الكويت لإيران بالوقف الفوري وغير المشروط لكافة أعمالها العدائية وغير المشروعة التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها وتقوض الجهود الإقليمية الدولية الساعية إلى خفض التصعيد وحفظ السلم الأهلي. وأكد المجلس التزام دولة الكويت التاريخي والثابت بمبادئ حسن الجوار الرافض لاستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية في شن أي أعمال عدائية ضد أي دولة أخرى، معتبراً في الوقت ذاته أن الأعمال العدائية التي تشنها عناصر إيرانية تمثل تعدياً صارخاً على سيادة دولة الكويت وانتهاكاً جسيماً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتحدياً سافراً للإرادة الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ولاسيما القرار رقم ثمانية وعشرين وسبعة عشر لعام ألفين وستة وعشرين.
وحملت الحكومة الكويتية الجانب الإيراني المسؤولية القانونية والدولية الكاملة عن هذه الأعمال العدائية الآثمة، مؤكدة احتفاظ دولة الكويت بحقها الكامل والأصيل في الدفاع عن النفس وحماية حياض الوطن وفقاً للمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، واتخاذها ما تراه مناسباً من إجراءات وتدابير سيادية لحماية شعبها والمقيمين على أراضيها وصون أمنها العسكري والمدني بما يتوافق مع القوانين الدولية. وضمن هذا السياق الأمني الحازم، استمع مجلس الوزراء إلى شرح تفصيلي قدمه النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، الشيخ فهد يوسف سعود الصباح، حول كافة التفاصيل المتعلقة باعتراف المتسللين الأربعة بانتنائهم الرسمي إلى الحرس الثوري الإيراني، ومخططاتهم لتنفيذ أعمال عدائية عقب دخولهم المياه الإقليمية بطريقة غير شرعية.

تضامن خليجي راسخ في وجه الاعتداءات
كما استمع المجلس إلى تقرير قدمه وزير الدفاع الكويتي حول آخر مستجدات الأوضاع الميدانية والتطورات العسكرية الحالية في المنطقة في ضوء الاعتداءات الإيرانية التي طالت عدداً من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث عبرت الكويت عن تضامنها المطلق والكامل مع أشقائها في الخليج. وأدان مجلس الوزراء الاعتداءات الآثمة التي طالت دولة الإمارات العربية المتحدة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مؤكداً أن تكرار هذه الهجمات يشكل انتهاكاً لسيادة الإمارات وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وتصعيداً يقوض مساعي ترسيخ السلام. كما أشاد بيقظة الأجهزة الأمنية في مملكة البحرين وكفاءتها في الكشف عن تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني يستهدف أمن المملكة وصون سيادتها، مستنكراً في الوقت نفسه تعرض سفينة تجارية في المياه الإقليمية لدولة قطر لاستهداف بواسطة طائرة مسيرة، مما يمثل خرقاً لحرية الملاحة الدولية وزيادة لحدة التوتر في المنطقة، ومؤكداً أهمية تضافر الجهود الدولية لضمان سلامة الممرات المائية الحيوية.



