دراساتسياسية

العلاقات المصرية – الروسية

إعداد- ريهام عسران

التقارب المصري – الروسي ليس وليد الظروف الراهنة، حيث تعود جذوره إلى التفاعل بين مصر وروسيا القيصرية منذ الحكم العثماني والحماية البريطانية، حيث إنه في القرن الثامن عشر قدمت روسيا أولى شحنات الأسلحة إلى مصر عندما أعلن زعيم المماليك “علي بك” استقلاله، وخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي حاولت الحكومة البلشفية دعم القوات الشيوعية المحلية في مصر، وتم إطفاء الطابع الرسمي على العلاقات الروسية – المصرية في أربعينيات القرن العشرين، وبالتحديد إلى عام ١٩٤٣، الذي أعقبه توقيع أول اتفاقية اقتصادية بين البلدين عام ١٩٤٨. ولقد استمر تطور العلاقات بين البلدين خلال حقبة الخمسينيات والستينيات، حيث أمد الاتحاد السوفيتي مصر بالأسلحة، وقدم إنذارًا إلى دول العدوان الثلاثي على مصر «بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل»؛ من أجل وقف الحرب، وقد تمت الاستجابة لهذا الإنذار، وتم إرسال خبراء سوفيت إلى مصر للمساهمة في مشروعاتها الإنتاجية؛ من بينها تشييد السد العالي ومد خطوط الكهرباء بين أسوان، وتم خلال هذين العقدين إنجاز مشروع صناعي بمساهمة سوفيتية.

وعليه نستنتج مدى التطور والترابط في العلاقات الروسية – المصرية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

ومع مجيء الرئيس أنور السادات إلى السلطة وتدهوراته على مراكز القوى التي كانت تميل إلى الاتحاد السوفيتي، وكذلك طرد الخبراء السوفيت من مصر عام ۱۹۷۲، وفي نفس الوقت رفضت روسيا تقديم الأسلحة التي كان متفقًا على تسليمها في ۱۹۷۱، تم قطع العلاقات بين الدولتين في عام ۱۹۸۱.

وبعد مجيء الرئيس حسني مبارك إلى السلطة عام ۱۹۸۱، بدأت العلاقات تتحسن تدريجيًا مع الاتحاد السوفيتي، ومع انهيار الأخير كانت مصر السباقة في إقامة العلاقات الدبلوماسية مع روسيا عام ۱۹۹۱، وجاءت الزيارة الرسمية الأولى للرئيس المصري إلى روسيا عام ۱۹۹۷، وقع خلالها البيان المصري – الروسي المشترك وسبع اتفاقيات تعاون، وقام حسني مبارك بزيارتين إلى روسيا عامي ۲۰۰۱ و۲۰۰٦، وأعدت خلالهما البرامج طويلة الأمد للتعاون في كل المجالات، لا سيما السياسية والاقتصادية وقام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة مصر في ٢٦ أبريل ٢٠٠٥، وصدر بيان مشترك حول تعزيز الشراكة والصداقة بين الدولتين، تلتها زيارة رئيس الوزراء المصري إلى موسكو ۲۰۰۷، والتقى برئيس الوزراء فلاديمير بوتين، وأصبح موضوع التعاون في ميدان الطاقة الذرية الموضوع الرئيسي للمباحثات التي جرت في موسكو يوم ٢٥ مارس ۲۰۰۸ بين الرئيسين دميتري ميدفيديف وحسني مبارك، وأسفرت عن توقيع اتفاقية حول التعاون في ميدان الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وفي 23 يونيو ۲۰۰۹، زار الرئيس الروسي ميدفيديف مصر، وتم التوقيع مع الرئيس حسني مبارك على عدد من الاتفاقيات الخاصة بالشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، كما وقع الجانبان اتفاقية حول تسليم السجناء لقضاء محكوميتهم في الوطن ومذكرة تفاهم بين وزارتي الثروات الطبيعية والبروتوكول حول التعاون في مجال التلفزة، واتفاقية التعاون في مجال الرقابة على المخدرات وغيرها. ووقع رئيسا روسيا ومصر معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا الاتحادية ومصر.

نستنتج أن العلاقات الروسية – المصرية أخذت شكلًا جديدًا ومنظورًا لاسيميا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في كل الاتجاهات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو ثقاقية.

 

أبعاد العلاقات المصرية في عهد الرئيس السيسي

شهدت العلاقات المصرية – الروسية تطورًا كبيرًا منذ مجيء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للسلطة عام ٢٠١٤، في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وسنتطرق إلى أبعاد العلاقات بين الدولتين:

البعد السياسي للعلاقات الروسية – المصرية

تطورت العلاقات بين الدولتين المصرية الروسية منذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، إذ لم يمر شهران على توليه السلطة إلا واتخذ قرارًا بزيارة روسيا وإجراء لقاء مع الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين عام ٢٠١٤، في وقت كانت تعاني خلاله مصر من حصار عدد من الدول التي كانت تتمنى لها مصيرًا مشابهًا للعديد من الدول التي حدثت فيها الثورات، وكذلك روسيا استقبلت الرئيس عبد الفتاح السيسي في سوتشي في العام نفسه مرة ثانية، وبمجرد دخوله المجال الجوي الروسي استقبله سرب من المقاتلات الروسية تعبيرًا عن التقدير الواسع من قبل الدولة، وتم الاتفاق خلال اللقاء بين الرئيسين على تعزيز العلاقات بين الدولتين، كما شارك الرئيس المصري في احتفالات روسيا بالذكرى الـ٧٠ لنصر الحرب الوطنية العظمى، إلى جوار ٦٨ زعيمًا أجنبيًا. وفي ٢٥ أغسطس 2015، قام الرئيس السيسي بزيارة روسيا، إذ كانت هذه الزيارة نقلة في العلاقات بين الدولتين، كما قام الرئيس الروسي بزيارة مصر خلال عامي ٢٠١٥ و٢٠١٧، وفي جميع هذه الزيارات تم بحث سبل تدعيم وتطوير العلاقات الثنائية بين القاهرة وموسكو، ومناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتتوافق وجهات النظر المصرية والروسية حول الوضع في ليبيا، حيث تساند موسكو الجهود المصرية لمكافحة الإرهاب ومنع تسريبه عبر حدودها المشتركة مع ليبيا.

تطور هذه العلاقات على المستوى السياسي يرتبط ببعد آخر؛ وهو التوتر الذي شاب العلاقات المصرية – الأمريكية بعد ثورة 30 يونيو ۲۰۱۳، نتيجة لتردد الإدارة الأمريكية كثيرًا في مساندة ما حدث في مصر وحربها ضد الإرهاب. وقد أعلنت الحكومة الأمريكية أكثر من مرة أن عودة العلاقات إلى مجراها الطبيعي مرهون بنجاح خارطة الطريق، ووقف أعمال العنف، وتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي.

هذا التحول في العلاقات المصرية – الأمريكية، جعل مصر تفتح آفاقًا جديدة مع القوى الأخرى في العالم مثل روسيا الاتحادية، وقد ساعد المناخ الدولي على ذلك والمتمثل في الأزمة الأوكرانية، والتي أضحت بمثابة الفرصة أمام مصر لتنويع خياراتها الخارجية، حيث تعرضت العلاقات الأوروبية – الروسية لمزيد من التوتر، خوفًا من تعاظم الوجود الروسي في البحر الأسود، مما يهدد الأمن الأوروبي بصفة مباشرة. وتنبغي هنا الإشارة إلى تطور العلاقات المصرية – الروسية من الأهمية بمكان في الفترة الحالية، لمحاولة التغلب على الأخطار التي تواجه المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد الحديث عن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط.

البعد الاقتصادي في العلاقات الروسية – المصرية

تعد العلاقات الاقتصادية الروسية – المصرية في تطور مستمر، لا سيما منذ تسلم الرئيس السياسي مقاليد الحكم في عام 2014، ويرتبط هنا بالجانب الاقتصادي في عدد من الأمور؛ مثل حجم التبادل التجاري، والاستثمارات الروسية في مصر، ومشاركة موسكو في تنمية محور قناة السويس، والطاقة، والسياحة الروسية في القاهرة. ولعل من الأهمية هنا الإشارة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الدولتين تشهد طفرة غير مسبوقة، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما في عام ٢٠١٤، ليصل إلى ٥.٥ مليار دولار في مقابل ٣ مليارات دولار في عام ٢٠١٣، ووصل حجم التبادل التجاري في النصف الأول من عام ۲۰۱۸ إلى نحو ۲.۷۷٥ مليار دولار، وتعتبر تجارة القمح بين الدولتين مهمة جدًا، إذ تعتمد القاهرة على استيراد القمح الروسي لسد الاحتياج المحلي، مما يشكل معه حدوث فائض في الميزان التجاري لصالح روسيا، وللتغلب على ذلك الأمر، تم اقتراح إنشاء صوامع لتخزين القمح الروسي في المنطقة اللوجيستية بدمياط من أجل إعادة تصديره مرة أخرى، خصوصًا أن مصر قريبة من الأسواق العالمية. كما تعتزم مصر دفع روسيا للمشاركة في تنمية محور قناة السويس من خلال إقامة منطقة صناعية روسية، وجذب الشركات الروسية المختلفة للاستثمار في المشروع. كما يعد قطاع الطاقة من القطاعات التي تحظى بمكانة مهمة في علاقات الدولتين، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات في هذا الصدد؛ منها اتفاقية مع شركة “غازبروم” الروسية لتوريد الغاز إلى مصر، كما تجري المباحثات مع الجانب الروسي وشركة “روزاتوم” من أجل إنشاء 4 محطات نووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه بالضبعة.

وقد وقعت العديد من الاتفاقيات الاقتصادية بين روسيا ومصر أبرزها:

۱- في 10/2/2015 تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم؛ وهي اتفاق مبدئي لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية، وكذلك مذكرتا تفاهم في مجال الاستثمار؛ الأولى بين وزارة الاستثمار المصرية ووزارة التنمية الاقتصادية الروسية لتشجيع وجذب الاستثمارات الروسية، والثانية بين وزارة الاستثمار وصندوق الاستثمار المباشر الروسي لتعزيز التعاون الاستثماري بين الدولتين.

۲- توقيع اتفاقية في مجال الاستثمار بين الصندوق الروسي للاستثمار المباشر من ناحية، والبنك الأهلي وبنك مصر من ناحية أخرى، وتتضمن مذكرة التفاهم إليها التعاون في مجال الاستثمار بين الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، وهو صندوق سيادي روسي برأسمال ۱۰ مليارات دولار للدخول في استثمارات مباشرة داخل روسيا وخارجها، بحيث لا تتعدى حصته في أي مشروع ٥٠ %. ويتضمن دور الصندوق الروسي للاستثمار المباشر جذب مستثمرين استراتيجيين من روسيا للاستثمار، ونقل التكنولوجيا إلى مصر وجذب مؤسسات مالية أجنبية للاستثمار المشترك في هذه المشروعات، بالإضافة إلى التنسيق مع الشركات المصرية الراغبة في الدخول في مشروعات مشتركة مع المستثمرين الروس بمصر.

٣- توقيع مذكرة تفاهم بشأن البدء في إنشاء المنطقة الصناعية الروسية في مصر، وهي مذكرة إطارية سيتم على أساسها التوقيع على الاتفاق النهائي بشأن المنطقة الصناعية، ومن المتفق عليه أن تضم المنطقة الصناعية مشروعات في مجال تجميع السيارات والمعدات الزراعية ومواد البناء ومعدات الطرق وصناعات أدوية وبناء سفن ومنسوجات وملابس وأجهزة إلكترونية وأثاث ومعدات هندسية.

أما السياحة في مصر فقد تأثرت كثيرًا بسبب الوضع الأمني بعد الثورة، وتأثرت بشكل كبير بعد سقوط الطائرة الروسية في شمال سيناء عام ٢٠١٥، وبذلك خسرت مصر ٤٠ % من إجمالي السياحة الوافدة إليها. وبحسب بيانات وزارة السياحة، حققت السياحة الروسية ٢.٥ مليار دولار إيرادات لمصر، من أصل ٧.٤ مليار دولار حققها قطاع السياحة عام ٢٠١٥ بنسبة ٣٣.٨ % من إجمالي إيرادات السياحة، وإن سبب تراجع إيرادات السياحة للنصف تقريبًا هو انسحاب روسيا من سوق السياحة، التي تمثل أكثر من ٤٠ % من حجم السياحة الوافدة إلى مصر، فمشكلة السياحة المصرية كبيرة جدًا بالنسبة للسوق الروسية؛ ولذلك تبذل الحكومة جهودًا كبيرة لبحث شروط روسيا لعودة وانتعاش السياحة مرة أخرى.

وتسعى مصر لزيادة الاجراءات الأمنية في المناطق السياحية وزيادة عدد السياح الروس بعد موافقة الحكومة الروسية عام ٢٠١٨ على استئناف الرحلات السياحية إلى مصر، وبالتالي يمثل الجانب الاقتصادي في علاقات الدولتين بعدًا مهمًا وقويًا، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه مصر.

 

البعد العسكري والأمني في العلاقات الروسية – المصرية

عقب ثورة ٣٠ يونيو ۲۰۱۳، توطد التعاون العسكري مرة أخرى بين مصر وروسيا، خصوصًا أن 30 % من تسليح الجيش المصري تسليح روسي بالأساس، في ظل توتر العلاقات الأمريكية – المصرية، وامتناع واشنطن عن تسليم عدد من المعدات العسكرية إلى مصر.

وقد تم تشكيل لجنة خاصة للتعاون العسكري بين الدولتين، والتوقيع على عدد من الاتفاقيات في هذا الإطار بين موسكو والقاهرة؛ فقد تم توقيع صفقة تتجاوز قيمتها ٣ مليارات دولار لتطوير المنظومة الدفاعية للقوات المسلحة المصرية، وإمدادها بأحدث الأسلحة في هذا المجال مثل صواريخ “إس ٣٠٠” المضادة للطائرات، والمعروفة أيضًا بـ”أنتي – ٢٥0٠”، كما تم الاتفاق على إجراء مناورات عسكرية في البحر المتوسط.

وركز التعاون العسكري بين مصر وروسيا في الخمس سنوات الماضية على دعم قدرات الدفاع الجوي المصري، عبر تحديث منظومة تحديث منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى إلى منظومة “تور إم (۲)”، ومنظومة الدفاع الجوي متوسطة المدى إلى منظومة “بوك إم ۲”، هذا فضلًا عن إهداء روسيا القطعة البحرية “مولينيا ۳۲ بي” للقوات البحرية المصرية.

بالإضافة للتسلح، شهد التعاون بين البلدين في المجال العسكري تدريبات مشتركة لوحدات المظلات تحت عنوان “حماة الصداقة”، وهي التدريبات التي جرت مرتين في عامي 2016 و۲۰۱۷، وهي التدريبات التي اشتملت على العديد من الأنشطة والفعاليات؛ من بينها تنفيذ أعمال الإسقاط للأفراد والمعدات والمركبات المدرعة، وكذلك التدريب على أعمال قتال القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب وفقًا لأرقى النظم التدريبية الحديثة.

وفي الجانب الأمني تعاني مصر وروسيا من الهجمات الإرهابية، وتكاد تكون وجهة نظرهما متطابقة بشأن مكافحة الارهاب، ويعد هذا التوجه الروسي مشابهًا للرؤية المصرية في سبيل مكافحة الإرهاب، والتي ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية وهي:

١ – التأكيد على التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب.

٢ – ضرورة عدم اقتصار المواجهة على تنظيم بعينه أو القضاء على بؤرة إرهابية بذاتها، ولكن من الأهمية بمكان أن يمتد ذلك التعاون ليشمل جميع البؤر الإرهابية؛ سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في أفريقيا، في إطار استراتيجية شاملة.

3 – تعزيز التعاون الاستخباراتي مع الجانب الروسي، والتعرف على التجربة الروسية في مجال مكافحة الإرهاب.

وقد أوفدت القاهرة وفدًا عسكريًا لموسكو للتعرف على الخبرات العسكرية في هذا المجال، وإمكانية تعزيز القدرات العسكرية المصرية لدحر ذلك الخطر الداهم الذي تعاني منه منذ عام 2011.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى