تقارير ومنوعات

خسائر ومكاسب الصين من أحداث فنزويلا

دكتور/ أشرف ممتاز ( مدير وحدة الشئون الصينية)

في وقت يبدو فيه المشهد الفنزويلي كأنه صراع مباشر بين كراكاس وواشنطن، تقف الصين في المنتصف، لا كحليف استراتيجي لفنزويلا ولا خصما للولايات المتحدة. فمن ناحية تبحث الصين عن مصالحها الاقتصادية والجبوسياسية في فنزويلا ومن أخرى لن تقدم على التصعيد المباشر مع أمريكا. خلال سنوات حكم نيكولاس مادورو، توطدت العلاقات الثنائية بين الصين وفنزويلا والتي وضعت أسسها في عهد سلفه هوجو شافيز، فحين كانت أمريكا وأوروبا تعتبران مادورو رئيسا غير شرعيا للبلاد، مدت بكين يد التعاون مع فنزويلا سعيا نحو تأسيس شراكة قوية. كراكاس من جهة عانت من عزلة دولية فرضتها عليها واشنطن أدت الى أزمة اقتصادية خانقة، الصين من جهة أخرى كانت تستهدف توسيع نفوذها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وفي الوقت ذاته تؤمن مصادرها من الطاقة عبر الاستفادة من احتياطات فنزويلا الهائلة من النفط والتي تحتاجها بكين كونها أكبر مستورد للنقط في العالم.

هذه الوفرة في الانتاج جعلت الصين تقدم عرضا بسيطا لفنزويلا “النفط مقابل المساعدات”، فالصين تستورد النفط وتمنح فنزويلا في المقابل قيمته كمدفوعات عينية تشمل الغذاء والأدوية وغيرها من السلع الأساسية التي افتقدها الشعب الفنزويلي في ظل ارتفاع نسب الفقر وتوقف الاستيراد، فبدا الاتفاق مربحا لكلا الطرفين. ثم سريعا تطورت وتيرة الدعم الصيني في ظل احتياج فنزويلا لدعم نقدي عقب انهيار عملتها، فشرعت فنزويلا في الاقتراض من الصين مقابل تصدير ما يقارب من 90% من انتاجها النفطي حتى بلغت قيمة المدفوعات النقدية التي قدمتها بكين لفنزويلا نحو 60 مليار دولار، أي ما يعادل 50% من إجمالي القروض الصينية لجميع دول أمريكا الجنوبية مجتمعة. ومع تعثر فنزويلا في السداد، استمرت العلاقات الثنائية في التنامي مقابل تدفق شحنات النفط. وبعد التضييق الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شحنات النفط الفنزويلية، ساعدت بكين الرئيس مادورو في تجاوز العقوبات عبر وصول النفط الى الموانئ الصينية، فوفقا لبيانات شركة النفط الفنزويليةPDVSA، صدرت فنزويلا في نوفمبر 2025 ما يقارب من 920 ألف برميل يوميا، تم توجيه نحو 750 ألف برميل، أي نحو 80% منها الى الصين.

ومع تصاعد الأزمة بين واشنطن وكراكاس في الأشهر الماضية، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” معلومات عن إرسال مادورو رسالة استغاثة للصين يطلب منها تزويده بأنظمة رادارات وصواريخ اعتراضية، فضلا عن إجراء عمليات صيانة لعدد كبير من المقاتلات الجوية، إلا إنه لم يتسنى معرفة كيف تعاطت بكين مع تلك المطالب. وببلوغ التصعيد مداه عقب العملية العسكرية الأمريكية التي أدت الى اختطاف مادورو وترحيله للمحاكمة في أمريكا، لم يتجاوز رد الفعل الصيني البيانات الرسمية والتي أدانت فيها الصين سياسة الغطرسة ومنطق القوة التي استخدمتها أمريكا مع فنزويلا. فحتى وإن كانت الصين داعمة لنظام مادورو فإن دعمها في نهاية الأمر محسوب بعوامل متشابكة. فقد بدا وأن بكين قد ضاقت ذرعا من الاقتراض الفنزويلي المتزايد وسوء إدارتها لتلك القروض، إضافة الى إخفاق مادورو في التعامل مع الاحتقان السياسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات ووصول حالة الغضب الشعبي الواسع تجاه نظام حكمه الى أقصى مستوياتها.

العامل الرئيسي في حسابات السياسة الصينية تجاه الموقف في فنزويلا يتخلص في ورادات النفط، وهو ما يدركه ترامب جيدا. ففي المؤتمر الصحفي بالبيت الأبيض الذي أعقب عملية اختطاف مادورو مباشرة، حرص ترامب على إرسال رسالة طمأنة سريعا الى بكين بتأكيده على ان الصين ستحصل على النفط الفنزويلي بعد سيطرة أمريكا على حقوله، ما يعني تخلي الصين عن إحدى مناطق نفوذها الجيوسياسي في السنوات الأخيرة وانتظارها موافقة واشنطن للحصول على حصتها من النفط، وهي بلا شك ورقة تفاوضيه قوية يعرف ترامب كيف يستغلها في صفقاته القادمة مع الصين.

ومع حسابات الخسائر المبنية على افتراض استقرار سيطرة واشنطن على الأوضاع في فنزويلا، فمن المؤكد أن الصين لن تأخذ بالتصعيد للدفاع عن فنزويلا الى منحنى أبعد من المواجهات الدبلوماسية مع أمريكا كما جرى في اجتماع مجلس الأمن الأخير. لكن ليست كل حسابات الصين خاسرة، فثمة عددا من المكاسب للصين من الوضع الراهن في فنزويلا. فبكين لديها القدرة التامة على تعويض النفط الفنزويلي البعيد عنها جغرافيا بمصادر أخرى قريبة، كما ستستغل ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا لفتح مجالا جيوسياسيا في منطقة المحيطين الهندي والهادي. وقد تكون الصفقة القادمة على طاولة المفاوضات الدولية كالتالي: إذا كانت تريد الولايات المتحدة الهيمنة على حديقتها الخلفية في نصف الكرة الغربي، وروسيا على أوروبا الشرقية، فإن الصين ستوسع امتداد قدراتها في منطقة جنوب شرق آسيا والذي قد تفقد واشنطن تدريجيا الرغبة الاستراتيجية في التواجد فيها، كما سيسهل على الصين استعادة تايوان مستندة الى العرف الذي سنته واشنطن ذاتها بما فعلته مع مادورو. إذا، وإن كانت فنزويلا تعد بالنسبة الى الصين مشروعات سياسيا ومنصة هامة لأهداف بكين الاستراتيجية أكثر من كونها موردا للنفط إلا أن تبعات ما حدث يتطلب من الصين إعادة الحسابات وترتيب أوراق اللعبة من جديد خلال المرحلة القادمة.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى