هل تقود الصين تحويل “البريكس” الى حلف عسكري جديد؟

في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة بالاستيلاء على ثروات فنزويلا النفطية، وتهدد بضربة عسكرية جديدة لإيران، وتفرض رسوماً جمركية على دول أوروبا لإجبارها على تسليم جزيرة جرينلاند؛ كانت بكين تقود الأسبوع الماضي مناورات بحرية مشتركة مع روسيا وإيران قبالة سواحل جنوب إفريقيا، في عملية أُطلق عليها “إرادة من أجل السلام”، بهدف ضمان سلامة الشحن والأنشطة الاقتصادية البحرية. لكن دلالة وتوقيت هذه المناورات يحملان رسائل استراتيجية أبعد بكثير من أهدافهما المعلنة.
فمع تصاعد حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة، قادت بكين تأسيس حلف اقتصادي جديد يعرف بمجموعة “بريكس”، باعتباره تكتلاً للدول الممانعة لهيمنة الولايات المتحدة على النظام الاقتصادي العالمي. تألف “البريكس” في بداية تأسيسه من الدول المكونة للاقتصادات الكبرى الصاعدة، وهي: “الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا”، قبل أن يشهد التكتل توسعاً عام 2024 ليضم مصر، والإمارات، وإيران، وإندونيسيا، وإثيوبيا، فيتحول مسمى التكتل إلى “بريكس+” بغية تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك وتسهيل حركة التجارة والاستثمار بين أعضائه.
اقرأ أيضا: سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. السعودية والتطبيع مع إسرائيل: ثبات الموقف بين السياسة والمبدأ
البريكس يضم كتلة بشرية تُقدر بنحو 3.3 مليار نسمة، أي ما يعادل نحو 40% من سكان العالم. ويُنتج التجمع الموسع ناتجاً محلياً إجمالياً يبلغ 55 تريليون دولار، وهو ما يفوق الناتج المحلي لمجموعة الدول السبع العظمى المقدر بنحو 48 تريليون دولار أمريكي. كما أنشأ “البريكس” (بنك التنمية الجديد) كبديل لاحتكار مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد.
هذا التكتل أثار مخاوف واشنطن من أن يقلص هيمنتها على الاقتصاد العالمي، لا سيما بعد أن بدأ الحديث يدور بين الأعضاء حول إمكانية الاعتماد على عملاتهم المحلية في التبادل التجاري فيما بينهم والتخلي عن الدولار. لذا، نال “البريكس” هجوماً حاداً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اتهم التكتل بأنه تأسس لإضعاف الاقتصاد الأمريكي وتقويض مكانة الدولار، وهدد مراراً بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على كافة واردات أعضاء المجموعة. هذا التهديد لم يُواجه بالرفض من قادة دول المجموعة فحسب، بل بدأت الصين ترى ضرورة قيادة دول “البريكس” من مجرد مجموعة اقتصادية إلى إنشاء تحالف عسكري يعيد صياغة توازنات القوى الدولية.
المناورات التي فوجئ العالم بها في مياه “كيب تاون” لأربع دول من تكتل “البريكس” لها دلالات مهمة؛ فما وُلد اقتصادياً توسعت أهدافه ومضمونه، لتبدأ مرحلة جديدة للتعاون الدفاعي العسكري المشترك. العملية البحرية شهدت مشاركة سفن حربية صينية وروسية وإيرانية، في مشهد بدا وكأنه استعراض للقوة في مواجهة الولايات المتحدة. ورغم ترويج الدول المشاركة بأنها مجرد مناورات “روتينية”، إلا أن رسالتها المبطنة لواشنطن كانت واضحة ومباغتة.
استراتيجياً، فإن الانتشار العسكري في تلك اللحظة المضطربة بأقصى جنوب القارة الإفريقية، حيث لا نقاط توتر ملتهبة ولا تواجد بحرياً كثيفاً للجيش الأمريكي، لم يكن ضمن حسابات واشنطن المنهمكة بالسيطرة على نصف الكرة الغربي وإذلال أوروبا يوما تلو الآخر. كما يعكس قدرة الدول الثلاث بقيادة الصين على بناء تحالف عسكري عابر للقارات، واستعراض قوتها البحرية بعيدة المدى خارج حدودها الإقليمية المباشرة، وهو ما يعطي انطباعاً بقدرتها على مواجهة الولايات المتحدة في مناطق نفوذ مختلفة عن أمريكا الجنوبية التي تعرقل فيها واشنطن المصالح الصينية.
لكن الدلالة الأهم لم تكن عسكرية فقط بل اقتصادية كذلك؛ فتواجد البوارج العسكرية لتكتل بدأ اقتصادياً يعني أن هذه الدول قادرة على حماية مصالحها وضمان بدائل نفوذ جيوسياسية، وهو ما يهم الصين بالأساس. ففي ظل تنافس النفوذ، تسعى بكين لتأمين طرق تجارية بديلة وحماية سلاسل الإمداد الدولية بعيداً عن الممرات التي تهيمن عليها واشنطن. هي رسالة واضحة بأن زمن الهيمنة الأحادية على الأمن البحري قد انتهى. في حين تأتى هذه المناورات بالنسبة الى روسيا في توقيت يشهد فيه حلف الناتو تصدعا يوشك بانهيار أكبر تهديد غربي لأمنها، لذلك يبدو الوقت مثاليا لموسكو نحو تشكيل قطبا جديدا يغير معادلات الأمن في العالم.
أما إيران، فهي من أكبر المستفيدين من المناورات؛ إذ تظهر بمظهر النظام القوي المتماسك القادر على تنفيذ عمليات واسعة رغم الاضطرابات الداخلية والتهديدات الأمريكية، وتمنحها المناورات شرعية دولية حتى وإن حاولت الولايات المتحدة سحبها، كما ترسل طهران رسالة علنية لواشنطن أنها تمتلك حلفاء دوليين ولن تكون وحيدة في مواجهة أي ضربة عسكرية محتملة.
وعلى الرغم من هذه الدلالات المهمة، فإن المشوار ليس قصيراً لتحويل “البريكس” إلى من مجموعة اقتصادية الى تحالف عسكري؛ فالتكتل لا يزال يواجه تحديات قد يعيق تحوله الى كيانا عسكريا على غرار حلف الناتو، فالدول الأعضاء وإن كانت تجمعها مصالح اقتصادية مشتركة يمتلكون أجندات سياسية متباينة؛ فالهند مثلا لم تشارك في المناورات الأخيرة، إذ تعد نيودلهي شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة ولن تنخرط في تحالف عسكري يضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خاصة مع تخوفها من أن يتحول هذا التحالف لخدمة مصالح الصين الإقليمية.
لوجستيا، لا يمتلك تكتل بريكس حتى هذه اللحظة هيكلا عسكريا مركزيا مثل الناتو، ولا يجمع أعضاؤه اتفاقية للدفاع المشترك أو حتى تنسيقا عسكريا موحدا يلزمهم بالدفاع عن أيا منهم في حال تعرض أحد الأعضاء الى اعتداء عسكريا، وهو ما يشكل حتى الآن ركيزة التحالف العسكري للناتو، ويجعل تحول البريكس الى تحالف عسكريا أمرا ليس بالهين، إذ يتطلب هذا النمط من التحولات الحاجة الى رؤية استراتيجية وسياسات موحدة وهياكل مؤسسية. الصين قد لا تسعى بالضرورة لاستنساخ الناتو من جديد بل قد تحاول خلق “أمن موازي” يحمي طرق التجارة الدولية دون التورط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، مع ذلك قد تكون مناورات الأسبوع الماضي ضربة بداية للتغلب على تلك المعوقات ليتحول البريكس خلال السنوات الى ناتو العالم الجديد.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



