سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. السعودية والتطبيع مع إسرائيل: ثبات الموقف بين السياسة والمبدأ

في زمن يتسابق فيه البعض نحو التطبيع العلني مع إسرائيل، ظلت المملكة العربية السعودية تقف بثبات عند حدود المبدأ، لا تساوم على الحق الفلسطيني، ولا تنزلق في حسابات آنية قصيرة النظر. فالموقف السعودي ليس ردة فعل عاطفية أو انقلابًا مرحليًا، بل رؤية سياسية عميقة تمتد جذورها إلى مبادرة السلام العربية التي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله عام 2002، حين وضعت المملكة معادلة واضحة وصريحة. التطبيع مقابل السلام العادل، لا أكثر ولا أقل.
منذ إطلاق مبادرة السلام العربية، ظلت السعودية تؤكد أن الطريق إلى أي علاقة طبيعية مع إسرائيل، يمر عبر إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ورغم التحولات المتسارعة في المنطقة وتبدل التحالفات وضغوط القوى الكبرى، حافظت الرياض على موقفها الراسخ.
فولي العهد الأمير محمد بن سلمان عبر في أكثر من مناسبة، عن أن المملكة ترى في القضية الفلسطينية أولوية وطنية وعربية، وأن أي تطبيع لن يتم إلا بعد تحقيق الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.

هذا الثبات لم ينبع من عناد سياسي، بل من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي الحقيقي لا يصنعه تجاوز الحقائق أو القفز فوق آلام الشعوب، بل يصنعه سلام عادل يعيد للإنسان الفلسطيني مكانته وكرامته. كما أن الموقف السعودي يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تنازل عن الحقوق الفلسطينية سيؤدي إلى زعزعة الثقة بين شعوب المنطقة والدول العربية، وسيضعف مكانة السعودية التاريخية كقوة عربية فاعلة ومؤثرة.
وقد تجلى هذا الموقف في الدعم الدائم الذي قدمته المملكة للحق الفلسطيني خلال محطات مختلفة من تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، من دعم اللاجئين في المخيمات إلى المساهمات الاقتصادية والسياسية في المحافل الدولية، بما يعكس التزام المملكة الثابت بالمبادئ الإنسانية والقانونية.
كما تدرك المملكة أن التطبيع ليس مجرد خطوة دبلوماسية، بل قرار يعيد رسم توازنات المنطقة لعقود. ولذلك، ورغم ما تمر به المنطقة من تهديدات أمنية وإقليمية، حرصت الرياض على استقلال قرارها، فلم تجعل من أمنها ذريعة للتنازل، بل سعت لبناء منظومة أمن إقليمي قائمة على الحوار لا الصراع، والشراكات المتوازنة لا الارتهان للقوى الخارجية.
وخلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، كان موقف السعودية واضحًا وصريحًا، وقف العدوان فورًا، وإدانة الجرائم بحق المدنيين، والمطالبة بحماية الشعب الفلسطيني دون استثناء. هذا الموقف أكد أن المملكة لا ترى في السلام مجرد اتفاق سياسي، بل منظومة قيمية أساسها العدالة، وهو ما يعكس البعد الأخلاقي في السياسات السعودية التي تربط بين الأمن القومي والضمير العربي.
كما لم تنظر السعودية يومًا إلى القضية الفلسطينية كورقة ضغط لتحصيل مكاسب، أو كبوابة لتسويات جانبية، بل تعاملت معها كجزء من هويتها ودورها العربي والإسلامي. منذ تأسيسها، قدمت المملكة دعمًا سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا للفلسطينيين، إدراكًا منها بأن الوقوف مع المظلوم ليس خيارًا؛ بل واجب أخلاقي.
وفي وقت تاهت فيه البوصلة لدى البعض، بقيت السعودية ومصر ودول أخرى تمثل صوت الضمير العربي، لتذكر الأمة بأن القيم لا تقاس بالمصالح، وأن من يقف مع الحق قد يدفع ثمنًا سياسيًا مؤقتًا، لكن التاريخ لا يذكر إلا المواقف الثابتة.
كما تجلى دور المملكة في كثير من المبادرات الإنسانية الكبيرة، هذه الجهود تعكس رؤية شاملة تربط بين السياسة والإنسانية، لتؤكد أن السعودية لا تعتبر القضية الفلسطينية مجرد موضوع سياسي، بل قضية وجودية وأخلاقية.
كما حافظ الخطاب الإعلامي السعودي على اتزانه، فلم ينجرف وراء موجات التغيير ولا تبدل المزاج السياسي في المنطقة، بل بقي يعبر عن رؤية واضحة:
السلام ممكن… لكن ليس على حساب العدالة.
والتعايش مشروع… لكن دون التخلي عن القدس والحقوق الفلسطينية.
هذه المقاربة الإعلامية تؤكد إدراكًا سعوديًا بأن الكلمة مسؤولية، وأن تشكيل الوعي العام لا يقل أهمية عن الموقف السياسي نفسه. فالإعلام هنا ليس مجرد أداة نقل، بل جزء من استراتيجية سعودية شاملة لترسيخ ثقافة السلام العادل وإبراز المصداقية في المواقف، مع التركيز على تثقيف الأجيال القادمة حول قيمة الثبات على المبادئ.
ختامًا: الموقف السعودي من التطبيع مع إسرائيل ليس رفضًا للسلام؛ بل رفض لسلام ناقص، وليس إغلاقًا لباب الحوار؛ بل تنظيم للطريق نحو حوار حقيقي يفضي إلى سلام شامل يضمن حياة عادلة وكرامة مستقلة للفلسطينيين.
إنها معادلة تجمع بين النزاهة المبدئية والبراغماتية السياسية، تقول للعالم إن السلام الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان، ومن احترام حقه في العيش بحرية فوق أرضه.
وفي هذا السياق، تبقى السعودية نموذجًا في التوازن بين المصالح الوطنية والالتزام الأخلاقي، لتثبت أن مواقف الدول تقاس بالثبات على المبادئ وليس بالتقلبات اللحظية، وأن من يختار الحق يبني إرثًا تاريخيًا يذكره التاريخ ويخلده عبر الأجيال. كما أنها تذكر الجميع بأن السلام العادل لا يكون إلا عبر العدالة والمساواة واحترام الحقوق الأساسية للشعوب، وهو ما يضع المملكة دائمًا في موقع الرؤية البعيدة والبوصلة الأخلاقية في الشرق الأوسط.



