
تطرح هذه المقولة المتداولة سياسيا وفكريا عدة تساؤلات موضوعية وفلسفية وقانونية. ولكن قبل الاجابة عن التساؤلات المثارة حول المقولة ونقدها لابد من الاشارة والتعريف بمفهوم الدين والدولة وفك الاشتباك المصطنع بينهما.

*الدين* هو منظومة من العقائد والقيم والتشريعات التى تنظم علاقة الانسان بالله وتوجه سلوكه الاخلاقى والروحى، وقد تتضمن عبادات واحكام تنظم حياة الفرد والمجتمع.
*الدولة**هى كيان سياسى منظم يضم شعبا يعيش على اقليم محدد، وله سلطة حاكمة تمارس السيادة وتضع القوانين لتنظيم شؤون المجتمع وتحقيق الامن والمصلحة العامة. تلخيصا هى ارض وشعب وسيادة.
اقرأ أيضا: محمد الامين أبو زيد يكتب.. الاخوان جماعة ارهابية مابين عمومية التصنيف وخصوصية السياق
*مقولة* دين الدولة الرسمى تستخدم لوصف موقف دستورى أو قانونى تتبناه بعض الدول، ومفادها أن الدولة تعلن انتماءها أو مرجعيتها الدينية رسميا. لكن هذا الوصف يثير سؤالا جوهريا فلسفيا وقانونيا هل للدولة دين أصلا؟ فالدولة من حيث المفهوم كيان قانونى وسياسى وليست شخصا يؤمن او يعتقد بدين،والدين فعل ايمانى فردى يخص الانسان.
حين يذكر فى الدستور أن دين الدولة الرسمى هو الاسلام او ان الدولة تتبنى المسيحية فهذا يعنى عدة امور منها:
-أن التشريع يستلهم من هذا الدين وانه مصدر اساسى من مصادر التشريع.
•أن هوية المجتمع التاريخية والثقافية مرتبطة بهذا الدين.
•أن مؤسسات الدولة تراعى هذا الدين فى بعض
القوانين كقانون الاحوال الشخصية مثلا.
لاتعنى المقولة فرض الدين على المواطنين او نفى حقوق اتباع الديانات الاخرى، فالدولة يجب عليها رعاية حقوق الجميع بعدالة ومساواة وتضمن حرية المعتقد.
الدولة العادلة تحمى حرية الاعتقاد ولاتميز بين المواطنين ولاتكره احد على دين، الدولة لاتؤمن ولاتعتقد.
*مقولة**دين الدولة الرسمى تعبير سياسى دستورى لاعقدى دينى، اذن القيمة الاساسية تقاس بالعدالة والحرية والمساواة.
انتقد هذه المقولة مفكرين عرب وغربيين سنورد نماذج لنقدهم ادناه:
•على عبدالرازق فى كتابه الاسلام واصول الحكم 1925انكر وجود نص دينى يفرض دولة دينية ودعا الى الفصل بين السلطة والسياسة والدين.
-محمد اركون انتقد تقديس الدولة للدين، وقال ان الدولة حين تتبنى دينا رسميا تحوله الى أداة آيدلوجية، ودعا الى علمانية تضمن حرية الاعتقاد.
•نصر حامد ابوزيد رفض احتكار الدولة او الجماعات لتفسير الدين، وان هذا يؤدى لقمع التعدد الدينى والفكرى.
•عبدالله العروى اعتبر ان الدولة الحديثة لاتنسجم مع مرجعية دينية رسمية، وفى رأيه ان مقولة الدين الرسمى يعرقل الحداثة السياسية.
•صادق جلال العظم نقد استخدام الدين كمرجعية تشريعية للدولة ودافع عن علمانية تحمى الدين من التسييس.
•هشام جعيط فرق بين الاسلام كدين والدولة كمؤسسة تاريخية بشرية.
•جون لوك فى رسالة التسامح رفض فرض دين رسمى ودافع عن حرية المعتقد والفصل بين الكنيسة والدولة.
•باروخ
سبينوزا رأيه ان الدولة عندما تتبنى دينا تقمع حرية التفكير داعيا لحرية التأويل الدينى.
•جان جاك روسو انتقد الاديان الرسمية التى تفرض الولاء السياسى.
•فولتير هاجم تحالف الكنيسة مع الدولة واعتبر الدين الرسمى مصدرا للتعصب والاضطهاد.
•جون استيوارت مل راى ان الدين الرسمى يقيد الحرية الفردية ودافع عن حياد الدولة تجاه المعتقدات.
•يورغن هابرماس دعا الى دولة محايدة دينيا ورفض هيمنة اى دين على المجال السياسى العام.
اغلب المفكرين المشار اليهم عربا وغربيين يشتركون فى افكار اساسية ان مقولة الدين الرسمى تقييد للتعدد والحرية، وتسييس للدين يفسده ويضر بالدولة، وان الدولة المحايدة تحمى الدين والمجتمع معا.
الموضوع متشابك مع مفاهيم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والدولة العلمانية والدولة الدينية.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



