
رسالة واضحة جاء بها وانج يي وزير الخارجية الصيني خلال زيارته الأسبوع الماضي الى الامارات والمملكة العربية السعودية والأردن تؤكد على ان الصين باتت تضع المنطقة العربية ضمن أولويات اجندتها الخارجية لتحقيق التنمية والاستقرار. فالصين ترى في المنطقة امتدادا تاريخيا لعلاقات قامت على الاحترام المتبادل، وافاقا لامحدودة للتنسيق والتعاون المشترك وفرصا هامة لنقل خبراتها البشرية والتكنولوجية في مجالات غير تقليدية. في الوقت ذاته تقدم بكين نفسها لدول المنطقة كـ “شريك موثوق” في لحظة فاصلة تموج بها الساحة الدولية بالاضطرابات وعدم اليقين أمنيا وسياسيا واقتصاديا.
وانج يي ليس وزير خارجية الصين فحسب، بل مهندسا للدبلوماسية الصينية والوجه الأبرز في السياسة الخارجية للصين على مدار سنوات، حيث تولّى منصب وزير الخارجية الصيني مرتين، الأولى امتدت لعشر أعوام متواصلة (2013-2023) وبعد أشهر قليلة من ترك منصبه عاد مجددا وزيرا للخارجية وهو ما يؤكد ثقة الرئيس الصيني شي شينجبينج في الرجل لقيادة دبلوماسية الصين، ويُعرف عن وانج أسلوبه الحازم والدفاع القوي عن المصالح الوطنية الصينية، وهو أيضًا عضو في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ما يعكس موقعه القيادي الرفيع في النظام السياسي الصيني. وفي زيارته الاخيرة حمل وانج في حقيبته 4 ملفات رئيسية خلال جولته في أبو ظبي والرياض ثم عمان.
حصار كراكاس وضمان الطاقة
زيارة وانج تأتي في وقت تواجه فيه فنزويلا أحد اهم منتجي الطاقة عالميا استهدافا غير مسبوقا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالأسابيع الماضية شهدت تصعيدا أمريكيا تجاه كراكاس لم يكن دبلوماسيا فحسب، بل تحاصر حاليا حاملات الطائرات الامريكية سواحل كراكاس وتفرض حصار جويا وبحريا شاملا، والحصار الأمريكي لا يستهدف فنزويلا وحدها، بل يمتد ليعيد تشكيل موازين الطاقة في العالم. اذ ستتضرر بصورة مباشرة دولا تعتمد على خام النفط الفنزويلي، بينما ستستفيد دولا منافسة أخرى، فالتصعيد يدخل ضمن مسارات المواجهة أمريكية للصين في مصادر الطاقة والنفوذ في المحيط الهادئ. فالصين تعتبر الدائن الأكبر لفنزويلا بأكثر من 60 مليار دولار تسدد عبر صفقات نفطية لبكين، وبالتالي فان الحصار الأمريكي يمثل تهديدا مباشرا لمصالحها، اذ يمنع ناقلات النفط من الوصول الى الموانئ الصينية، كما تواجه مصافي التكرير الصينية التي تعتمد على الخام الفنزويلي الثقيل خطر توقف الإنتاج وارتفاع تكاليف سلاسل الإمدادات. ومع استمرار العقوبات الدولية على روسيا وإيران، فقد أصبح توفير بدائل مستقرة للطاقة أولوية استراتيجية لتعويض “حلفاء الطاقة” للصين، لذا تسعى لتعزيز شراكاتها مع دول المنطقة العربية ولاسيما وان 40% من إجمالي واردات الصين النفطية تأتي من الدول العربية.
في السعودية، أكد وانج رؤية الصين باعتبار المملكة شريكًا استراتيجيًا شاملًا وقوة استقرار إقليمي ودولي، واستعداد الصين لموائمة خطتها الخمسية الـ 15 (2026-2030) بشكل كامل مع رؤية (السعودية2030) وتعزيز التعاون مع السعودية في مجالات التنمية المدفوعة بالابتكار، والاستثمار والتمويل، والطاقة، مع استمرار الصين كونها شريكة موثوقة يمكن الاعتماد عليها في جهود التحديث التي تشهدها المملكة. وتشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية ان حجم التبادل التجاري بين المملكة والصين بلغ 102 مليار دولار في 2024، وسجلت قيمة الصادرات الصينية إلى المملكة 55.7 مليار دولار، في المقابل، بلغت قيمة الصادرات السعودية إلى الصين 46.5 مليار دولار.
ومنذ توقيع اتفاقية التعاون النفطي الاستراتيجي بين الصين والسعودية عام 1999، فتحت الصين الباب أمام الشركات السعودية للاستثمار في قطاع تكرير النفط لديها، وسمحت المملكة في المقابل للشركات الصينية بالاستثمار في سوق النفط المحلّي لديها. ووقّعت شركة “أرامكو” السعودية – أكبر شركة طاقة في العالم – اتفاقًا مع شركة ” ” Sinopec التي تُعدّ واحدة من أكبر ثلاث شركات نفطية مملوكة للدولة في الصين، لتوسيع وتجديد مصفاة النفط في مقاطعة فوجيان، فضلًا عن إدارة وتشغيل 600 محطة وقود هناك. كما أبرمت “أرامكو” اتفاقًا آخر مع “سينوبك” لإنشاء مصفاة ثانية في مدينة تشينجداو الواقعة في مقاطعة شاندونج، وتسعى الصين للاستحواذ على نسبة 5% من أسهم شركة أرامكو. وفي مجال الطاقة المتجددة تعد الصين لاعبا رئيسيا في المشروعات التي تنفذها السعودية، فقد أصبح صندوق طريق الحرير الصيني في 2020 مساهمًا في شركة “أكوا باور” السعودية للطاقة المتجدّدة (ACWA Power RenewCo) بحصة 49%. وفي 2023، عملت الشركة على تطوير خمسة مشاريع تندرج تحت مظلّة البرنامج الوطني للطاقة المتجدّدة، بقدرةٍ إنتاجية إجمالية تبلغ 8 جيجاوات وباستثمارات تفوق 6 مليارات دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي. كما تولّت الشركة الصينية للطاقة الشمسية (China Solar) تنفيذ محطة سكاكا للطاقة الشمسية في منطقة الجوف، والتي تبلغ قدرتها الإنتاجية 300 ميجاوات بتكلفة 292 مليون دولار، كما قامت شركة “أكوا باور” ببيع 35 %من حصّتها في شركتَين تابعتَين لها في مجال توليد الطاقة من الرياح، لصالح شركة “شبكة الطاقة الجنوبية الصينية الدولية” (China Southern Power Grid International) مقابل 160مليون دولار.
اتفاقية التجارة الحرة لمواجهه الحمائية
الملف الثاني الذي طرحه وانج خلال زيارته للسعودية والامارات، رغبة بكين الواضحة في توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لمجلس التعاون الخليجي، لا سيما بسبب استيراد النفط والغاز، وتصدير السلع المصنعة والبنية التحتية. ومنذ عام 2004، تجرى مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون، وقد جرت حتى الآن 11 جولة من المحادثات دون التوصل إلى توقيع الاتفاق. فقد توقفت المحادثات عدة مرات بسبب خلافات حول الرسوم الجمركية، وحماية الصناعات المحلية، والمنافسة غير المتكافئة، خاصة في قطاعات مثل البتروكيماويات والصلب. ومع ذلك، تسارعت وتيرة المفاوضات في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. قفي مايو 2022 أعلن الجانبان عن إعادة تنشيط المفاوضات خلال زيارة وفد صيني رفيع المستوى إلى الخليج، وشهدت المحادثات الفنية تقاربا في وجهات النظر حول العديد من بنود الاتفاقية.
وانج أكد خلال لقائه مع جاسم محمد البدوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، في الرياض، أن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والمجلس قد استمرت أكثر من 20 عامًا، وأن الظروف أصبحت ناضجة الآن للوصول إلى قرار نهائي. وأشار إلى أنه مع صعود الحمائية وانتشار الأحادية، فإن التجارة الحرة تتعرض للهجوم. في هذا السياق، ستكون اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي رسالة قوية تدعم التعددية التجارية في العالم.
اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون في حال توقيعها ستمثل نقلة نوعية في التجارة العالمية وسيكون إعلانًا بأن دول الجنوب قادرة على الدفاع عن الانفتاح وبناء مساراتها التنموية بثقة بعيدا عن الهيمنة أحادية الجانب ، فالاتفاقية ستتضمن إزالة أو خفض الرسوم الجمركية على نسبة كبيرة من السلع (ربما 90% أو أكثر)، تعزيز التعاون في الطاقة (بما في ذلك النفط، الغاز، والطاقة المتجددة)، تشجيع الاستثمارات المتبادلة في البنية التحتية، التكنولوجيا، والتصنيع، تسهيل التجارة الرقمية والخدمات إضافة الى حماية الملكية الفكرية.
ومع حرص الصين المستمر على تعميق الشراكة مع دول الخليج فانه من المتوقع أن يكون التوقيع على الاتفاقية أقرب من أي وقت مضى، وقد تُعلن خلال الأشهر القادمة كجزء من التقارب الاستراتيجي المتزايد بين الصين ودول الخليج. وإذا تم توقيع الاتفاقية، ستكون هذه أول اتفاقية تجارة حرة للصين مع تكتل إقليمي في الشرق الأوسط، وستعزز بشكل كبير الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.
تطابق في الرؤى السياسية
زيارة وانج للعواصم العربية الثلاث جددت تطابق المواقف والرؤى السياسية بين الصين والدول العربية في القضايا التي تمس مصالحها الأساسية، الرياض اكدت التزام المملكة الدائم بمبدأ “صين واحدة”، ودعم بكين في الحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للصين الداخلية، منا ان الرياض لن تدعم أبدًا أية أعمالا انفصالية تهدف إلى “استقلال تايوان”. الامارات بدورها شددت التزامها الراسخ بمبدأ الصين الواحدة، وبأن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وعلى دعمها الثابت لجهود الحكومة الصينية لتحقيق إعادة توحيد البلاد، ورفضه تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية للصين. وأشادت بالانعقاد الناجح للدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، معتبرة أن هذه الدورة المهمة ستعزز التنمية العالية الجودة في الصين والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة للمجتمع الدولي. وثمنت الامارات ما طرحه الرئيس الصيني بشأن مبادرات عالمية في التنمية والأمن والحوكمة تسهم جميعها في تعزيز التعاون والاستقرار الدولي.
في عمان أكد وانج أن الصين تدعم بحزم القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة، حيث طرح الرئيس شي جينبينغ أكثر من مرة مبادرات تهدف إلى الدفع بالحل السياسي للقضية الفلسطينية، كما أعلن قيام الصين بتقديم مساعدات جديدة لفلسطين، تركز على تخفيف الأزمة الإنسانية في غزة ودعم التعافي وجهود إعادة الإعمار. وانج جدد ثوابت رؤية الصين باعتبار “حل الدولتين” الطريق الوحيد، وأن “حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين” هو أساس تسوية القضية الفلسطينية. كما أن أي ترتيب مستقبلي حول غزة يجب إرادة الشعب الفلسطيني، على ان تواصل الصين دعم الدور الفلسطيني الأساسي في إدارة غزة ما بعد الحرب، وحث المجتمع الدولي على تحمل المسؤولية بجدية من أجل تجنب إعادة اشتعال الحرب وتخفيف الأزمة الإنسانية وبذل جهود مشتركة لإعادة القضية الفلسطينية إلى المسار الصحيح.
تمهيد الطريق لقمة 2026
الملف الرابع في زيارة وانج ركز على مناقشة الاستعدادات الجارية للقمة الثانية بين الصين والدول العربية التي ستُعقد في الصين في 2026، القمة الأولى التي استضافتها السعودية في عام 2022 وضعت أساسا متينا للتعاون بين الصين والدول العربية. من المتوقع أن تركز القمة في 2026 على مجموعة من القضايا، بما في ذلك الشراكات الاقتصادية، والتعاون الأمني، والتبادل الثقافي.
وقد حظي وانج خلال زيارته بدعم كامل من العواصم العربية الثلاث لجهود الصين في الاعداد لترتيبات القمة المقبلة، ومن المتوقع ان تسعى الصين خلال الى القمة الى العمل على الارتقاء بالثقة الاستراتيجية المتبادلة مع الدول العربية إلى مستويات أعلى لن تقتصر على مجالات التعاون التقليدية مثل التعاون في الطاقة وتطوير البنية التحتية بل بتوسيع التعاون في مجالات الطاقة الجديدة، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والمشروعات منخفضة الكربون.
ستحرص الصين على إطلاق مسيرة جديدة لبناء التحديث في الجانبين الصيني والعربي، وتعزيز السلام والاستقرار عبر مفهوم الأمن المشترك والتعاون المستدام، مع العمل على تعميق التواصل والاستفادة المتبادلة عبر تكريس القيم المشتركة للحضارتين العربية والصينية، بما يُدخل التواصل والاستفادة المتبادلة إلى مرحلة جديدة؛ إضافة الى الدفاع عن تعددية الأطراف بمفهوم الحوكمة العالمية المتمثل في التعاون والنفع المشترك، بما يدفع بالنظام الدولي نحو اتجاه أكثر عدلا وإنصافا.



