الدكتور أحمد عبد العزيز بكير يكتب ..العالم والدولار، من يكسر أنف بريتون وودز؟
مستقبل النظام المالي العالمي
2025/07/11 2:12:27 مساءً
الدولار دكتور أحمد عبد العزيز بكير
صراع أمريكي بريطاني
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اجتمع ممثلو 44 دولة لمدة ثلاثة أسابيع في فندق “ماونت واشنطن” في مدينة “بريتون وودز” بولاية نيوهامبشير الأمريكية لوضع نظام نقدي عالمي جديد تتصارع علي سيادته بريطانيا العظمي والقطب الأمريكي الصاعد. كان لدى بريطانيا والولايات المتحدة وجهات نظر مختلفة حول الشكل الذي يجب أن يصبح عليه الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فرئيس الوزراء البريطاني “وينستون تشرشل” كان يريد الحفاظ على الكيان الاستعماري للإمبراطورية البريطانية، على الجانب الآخر، رأى الأمريكيون بزعامة “فرانكلين روزفلت” أن البريطانيين لا زالوا يعيشون في وهم أمجادهم السابقة، واعتقدوا أن الوقت قد حان لتتراجع بريطانيا العظمى إلى الخلف، معلنة نهاية إمبراطوريتها.
التفوق الأمريكي على بريطانيا
كانت بريطانيا يومها ممثلة بـ”جون مينارد كينز” خبير الاقتصاد الأشهر في العالم، الذي سعى للحفاظ على مكانة الإسترليني وكان يري أن الاستعمار البريطاني ضرورة مُلِّحة لاستمرار مسيرة التاج الإنجليزي، بينما مثّل الولايات المتحدة “هاري ديكستر وايت” الذي فرض رؤية أمريكية، رغم كونه لا يتعدي موظف صغير بوزارة الخزانة الأمريكية يومها، ولسوء حظ بريطانيا أن جون كينز لم يكن لديه من أدوات القوة ما تمكنه من فرض رأي الإنجليز.
الذهب والصناعة عوامل حسم
بفضل التفوق الاقتصادي الأمريكي، الذي يمتلك أكثر من 60% من احتياطي الذهب العالمي ونصف الناتج الصناعي للعالم تم إقرار نظام يجعل الدولار العملة الوحيدة القابلة للتحويل إلى ذهب (35 دولارًا للأونصة)، بينما رُبطت باقي العملات به، فيما رفض الاتحاد السوفيتي الانضمام لاعتباره النظام الجديد آداة للتضيق على الإمبراطورية الروسية.
خداع أمريكي للهيمنة
لم تخل المفاوضات من الخداع أيضاً، حيث اجتمع وزير الخزانة الأمريكي مع أعضاء وفد بلاده ليخبرهم بأن “وايت” سهر حتى الثالثة صباحاً لينتهي من المسودة النهائية لاتفاق “بريتون وودز” مستبدلاً مصطلح “الذهب” بعبارة “الذهب والدولار الأمريكي” دون إعلام اللجنة. وضُغط على الوفود (خاصة البريطانية) للتوقيع دون مراجعة دقيقة، مما عزز هيمنة الدولار كوسيط تبادل دولي حتى اللحظة.
تراجع أمريكي واستمرار للهيمنة
اليوم ورغم إنهاك وتراجع الإقتصاد الأمريكي بسبب تبديد قدراتها المالية في حروب العالم بداية من حرب فيتنام مروراً بحرب العراق وأفغانستان التي وصلت كلفتهما حوالي 4 ترليون دولار، إلا أن استمرار هيمنة الدولار كعملة تبادل دولي ما يزال قائماً، فـ 80% من قوام التجارة العالمية مُقَوَّمة بالدولار، وبخاصة تجارة النفط عبر سياسة ما يسمي بالبترودولار، ورغم الكساد الكبير الذي حل بالاقتصاد الأمريكي وحتي العالمي، فـ 74% من فواتير التصدير العالمية تستخدم الدولار في معاملاتها ( إنخفضت حتي 58% في أخر ثلاث سنوات). علاوة علي أن أمريكا تمتلك أعمق أسواق سندات في العالم وهي (سندات الخزانة)، ما يوفر سيولة وأمانًا للمستثمرين في الاقتصاد الأكثر استقراراً بالعالم رغم ما عصف به من تضخمات. كما أن الدولار يمتلك ثقة ذاتية جعلته منفرداً عن باقي عملات العالم، تلك التي تنبع من استمرارية وزيادة وتنامي استخدامه عالمياً كعمله احتياطية، حتى مع تراجع الاقتصاد الأمريكي إلى 15% من الناتج العالمي ،فلا تزال حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية 58.4% وفقاً لعالم الاقتصاد الألماني “باري آيكنجرين”. علاوة علي أن غياب البديل العالمي المقنع جعل من الدولار عملة احتياطي أمنة وأكثر استقراراً مقارنة مثلاً باليورو الذي عانى من أزمات الديون في الفترة من (2009-2012) وكشف عن ضعف التكامل السياسي لدول الإتحاد الأوروبي.
الصين ومبادرة الحزام والطريق
في السنوات الأخيرة، برزت الصين كقوة اقتصادية تهدد الهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واتفاقية بريتون وودز 1944 سالفة الذكر. التنين الصيني لديه حيثياته التي جعلت منه منافساً للهيمنة الأمريكية ، فعلي الصعيد الاقتصادي الذي يشهد نمواً سريعاً تجاوز 18 ترليون دولار بحسب الناتج المحلي الإجمالي (Gross Domestic product) ليصبح ثاني أكبر اقتصاديات العالم، كما أن لصين هي أكبر مُصَدِّر في العالم وتمتلك أكبر احتياطي دولاري في العالم يقدر بـ 3 تريليون و 800 مليار دولار، علاوة علي امتلاكها وانشاءها مشاريع عملاقة مثل مبادرة الحزام والطريق ، تلك التي تعزز من نفوذها عالمياً عبر الاستثمارات في البنية التحتية.
خلال السنوات الثلاث السابقة، اهتزت ثقة العالم بالدولار الأمريكي وتولدت ولأول مرة حالة من عدم اليقين بين المستثمرين تجاه الدولار ، ما يعد تهديداً لمكانة لملك عملات العالم وأكثرها استخدامًا في التجارة العالمية، وهذا الأمر يُثير تساؤلات حول مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية رئيسية. ونقلاً عن “الفايننشال تايمز” مؤخراً، تراجعت قيمة الدولار مقابل سلة مكونة من ست عملات حوالي 15% منذ بداية العام ، بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم بسبب الرسوم الجمركية، إلى جانب تزايد القلق بشأن السياسة المالية الأمريكية مع مخاوف من زيادة قانون الضرائب التي أقرها ترامب منذ عودته للبيت الأبيض.
الصين والمواجهة الامريكية نتائج غير معروفة
تلعب الصين اليوم مع أمريكا لعبة في جوهرها بسيطة لكنها بعيدة المدى: إنتاج أكثر، فتصدير أكثر، فتوسيع التجارة الخارجية مع دول أكثر، وتدريجياً تقليص دور “الدولار الأمريكي” في المعاملات العالمية.
لكن هل تستطيع الصين مجابهة التحديات الأمريكية والوقوف وجهاً لوجه أمام التغول الأمريكي العالمي؟
رغم أن العالم حالياً على أعتاب حرب عالمية اقتصادية، لا تشبه الحروب السابقة، إذ أن الصين لا تُهدد أمريكا بالصواريخ وحاملات الطائرات، بل بالسلع؛ وشبكة من العلاقات التجارية وبقدرة صناعية هائلة يمكن أن تغمر الأسواق العالمية، ولربما تربط مزيداً من الدول بالعملة الصينية مستقبلاً، إلا هناك تحديات جزرية استطاعت بها أمريكا أن تمسك لجام العالم إقتصادياً، بل وجعلتها تسبق أمم الأرض بأميال، يمكن استعراض تلك التحديات في السطور التالية:
سيطرة الدولار
أولاً: قوة الدولار الأمريكي واستناداً لأكبر احتياطي من الذهب في العالم يجعل من الدولار وان انخفضت قيمته أمام أي عملة في العالم، يكون مسيطراً حتي داخل الصين نفسها وهي السوق الأوسع عالمياً والأكثر جذباً للاستثمار حتي الأمريكي.
النظام المالي العالمي
ثانياً: استخدام واحتكار أمريكا لنظام SWIFT CODE للهيمنة علي النظام المالي العالمي القائم بذاته علي الدولار ومن خلاله تفرض أمريكا العقوبات الاقتصادية علي الدول المناوئة لسياساتها مالية كانت أو اقتصادية، كما تراقب به التدفقات المالية العالمية، والأهم أنها تجبر دول العالم للانصياع لسياساتها المالية والاقتصادية.
ثالثاً: رغم زيادة حصة اليوان الصيني في الاحتياطيات العالمية من العملات الفاعلة، إلا أنها لا تزال ضئيلة جداً، حيث تقدر بحوالي 2-3% مقارنة ب 55-77% للدولار الأمريكي.
رابعاً: لا يمكن التعويل علي الصين كقطب مناوئ لأمريكا لقيادة العالم مستقبلاً، لاعتمادها فقط علي قوتها الاقتصادية، فالتاريخ يعلمنا أن قيام الدول والإمبراطوريات العظمي لم يعرف سوي القوة المفرطة التي بالتبعية تفرض قوتها الاقتصادية وليس العكس، فمثلاً، دولة المغول الإلخانية التي استمرت لأكثر من 650 عاماً لم يقم عمادها إلا علي فرض السيطرة والإرغام بالقوة ، وإلي اليوم يُعد جيشها هو الأكثر فتكاً وبطشاً في التاريخ، كذا الإمبراطوريتان الفارسية و البيزنطية وحتي الاحتلال الإنجليزي في العصر الحديث كانوا في مجملهم نتاج هيمنة بالقوة والبطش وفرض سياسة الأمر الواقع.
وعليه: لا أميل للرواية القائمة علي أفول النجم الأمريكي ونهاية هيمنة الدولار علي السوق العالمي أمام قوة الصين الناعمة القائمة في مجملها علي غزو العالم اقتصادياً، فالدولار مسألة حياة أو موت ، وسيكون معركة أمريكا الأخيرة، فلأجله أقامت الحروب وأسقطت العروش ( صدام حسين و معمر القذافي مثالاً ) وله أزهقت الأرواح، بل ولأجله يمكن أن تخوض أمريكا حروب القيامة للبسط وفرض سيطدتها علي العالم.
أمريكا أن كُتِبَت نهايتها، ستقتل نفسها من فرط قوتها، لا من فرط قوة القطب البديل، فلا بديل حقيقي في استطاعته حتي الآن مواجهة الأمريكان.