
إعداد : دكتور/ أحمد البدوي سالم (عضو هيئة التدريس في جامعة الأزهر)
مقدمة
يُعدّ الحقل الأكاديمي والمؤسسات التعليمية بيئة يفترض أن تتّسم بالعلمية، والنزاهة والموضوعية، والتعاون، إلا أنه – كسائر البيئات الوظيفية – أصابها ما أصاب تلك البيئات من أمراض وآفات، فلا تخلو من معوّقات نفسية واجتماعية تقف حجر عثرة أمام تقدّمها وفاعليتها، وهي تمثل نقاط ضعف لتلك المؤسسات، من بين هذه المعوّقات، يبرز الحسد وإفساد ذات البين باعتبارهما ظاهرتين خطيرتين تُضعف النسيج الأخلاقي والمعرفي وتزرع الضغينة في المؤسسات العلمية، ونظرًا لخطورة هذا الموضوع فإن هذه المقالة تطرح رؤية تحليلية لهذه الظواهر من خلال الدراسات البينية في الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، في محاولة لتفكيك جذورها وآثارها، واقتراح سبل معالجتها.
أولاً: الحسد – تحليل فلسفي ونفسي
1- الجذر الفلسفي للحسد
في الفلسفة الكلاسيكية، يُنظر إلى الحسد بوصفه نقيضًا للعدالة والفضيلة وقد أشار أفلاطون إلى أن الحسد ينبع من النفوس التي لا تحتمل رؤية التفوق لدى الآخرين، أما أرسطو ففرّق بين “الحسد” الذي ينبع من الغيرة السيئة، و”الغيرة” التي يمكن أن تحفّز المنافسة الإيجابية.
أما في الفلسفة الأخلاقية الحديثة، فقد رأى شوبنهاور أن الحسد من أعمق غرائز الإنسان الشريرة، باعتباره رغبة لا في الامتلاك، بل في حرمان الآخر مما يملك وهو ما يعني تمني زوال النعمة.
2- البعد النفسي للحسد
الحسد من منظور علم النفس ليس مجرد شعور سلبي، بل تجلٍ لاضطراب في تقدير الذات، فالشخص الحسود يشعر بالدونية عند مقارنة نفسه بالآخر، ما يفضي إلى رغبة لا شعورية في تحطيم الآخر أو تشويه صورته، ومن ثم ورد النهي عن الحسد في الحديث الشريف: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا) متفق عليه.
ويرى Miaomiao Li في بحثها المعنون بـ The antecedents and consequences of workplace envy: A meta-analytic review مقدمات وعواقب الحسد في مكان العمل: مراجعة تحليلية: أن الحسد شعور مؤلم يثيره حظ لشخص آخر جيد، ومثل المشاعر القوية الأخرى، يُنشّط الحسد آليات عصبية معرفية، وقد دُرِس الحسد على نطاق واسع في أدبيات علم النفس، وزاد عدد دراسات الحسد في مكان العمل، وتشير هذه الدراسات إلى أن بيئات العمل التنافسية قد تُولّد الحسد في كثيرٍ من الأحيان.
وقد أجريت دراساتٌ موسعةٌ في هذا الموضوع لما يمثله من خطورة على بيئة العمل وسلوك منسوبيه، وتشير هذه الدراسات إلى أن بيئات العمل التنافسية قد تُولّد الحسد في كثير من الأحيان، وتبحث معظم الدراسات في النتائج من منظور الأفراد الحسودين الذين “يتمنون ما حققه أو أنجزه الآخرون” وعلى وجه التحديد، يستكشفون النتائج السلوكية والإدراكية للأفراد الحسودين، وفيما يتعلق بالنتائج السلوكية، يمكن أن يؤدي الحسد إلى محاولة اكتساب أو إزالة السمات المرغوبة لدى الآخر المحسود، مما يؤدي إلى مجموعة معقدة من العمليات التي يمكن أن تحدد ما إذا كان الحسد يسهل السلوك الإنتاجي أو غير الإنتاجي، وتستهدف الاستجابات السلوكية التعويضية للحسد الآخر المحسود، الذي قد يُنظر إليه بشكل متناقض على أنه قدوة يُعجب بها ومنافس مهدد، وكعاطفة مؤلمة، يمكن أن يؤدي الحسد في مكان العمل إلى انخفاض المشاركة والرضا الوظيفي.
وبحسب نيل بيرتون فإن الحسد ألم شخصي ناتج عن الرغبة في استغلال الآخرين، عادةً ما يتجه الحسد نحو من نقارن أنفسنا بهم، أولئك الذين نشعر أننا ننافسهم .
وقد صف نيلسون دبليو ألدريتش الابن في كتابه “المال القديم” (1988)؛ ألم الحسد بأنه: “شعورٌ يكاد يكون محمومًا بالفراغ داخل النفس، كما لو أن مضخة قلبه تستنزف الهواء”. الحسد دنيء وبخيل، وربما يكون من أبشع الخطايا المميتة.
ثانيًا: إفساد ذات البين – خطر اجتماعي مدمّر
1- التحليل السوسيولوجي
يعدّ إفساد ذات البين – أي بثّ الفتن والخلافات بين الزملاء – من أخطر معاول الهدم في المجتمعات الأكاديمية. يرى علماء الاجتماع أنَّ هذه الظاهرة ناتجةٌ عن نقص الثقة المؤسساتية، وضعف المعايير الجماعية، وانتشار النزعة الفردانية.
إميل دوركايم، في حديثه عن “الأنومي” أو غياب المعايير، يشير إلى أن ضعف الروابط الاجتماعية يسهم في تفكك الجماعة، ما يسمح بسلوكيات سلبية مثل النميمة، والإشاعات، والعلاقات السامة.
ويقرر مايكل روس أن البشر اجتماعيون بطبعهم. ومع ذلك، قد نكون نحن البشر قساة على بعضنا بعض.
2- دينامية الجماعة والسلطة الرمزية
ويوضح بيير بورديو أن الصراعات في الحقل الأكاديمي لا تكون فقط مادية، بل رمزية، حيث يسعى الأفراد إلى احتكار “رأس المال الرمزي” من شهرة وهيبة ومكانة. لذلك، فإن بعض الأكاديميين قد يلجؤون إلى إضعاف سمعة غيرهم لبناء مكانتهم الشخصية.
يُسهم هذا في خلق بيئة مسمومة، حيث يُنظر إلى النجاح الأكاديمي لا كإنجاز جماعي، بل كصراع صفري بين الأفراد.
ثالثًا: أسباب الحسد في البيئة الاكاديمية:
يمكن أن تعود تلك الأسباب إلى عدة عوامل شخصية ومؤسسية وثقافية، وسنلخصها فيما يلي:
أ- الأسباب الشخصية:
1. ضعف الإيمان وغياب الرقابة الذاتية: غياب البعد الأخلاقي والديني يجعل النفس تميل إلى تمني زوال النعمة من الآخرين.
2. الطموح المفرط وحب الظهور: قد يسعى البعض إلى التميز بأي وسيلة، وعندما ينجح الآخرون، يشعر بالحسد، ويعمد إلى تشويه صورتهم.
3. قلة الثقة بالنفس: من لا يثق في قدراته يميل إلى مقارنة نفسه بالآخرين، ومشاعر الحسد تزداد عند رؤيته لتفوق زملائه.
4. الأنانية وحب التملك: ويتحقق ذلك في شعور بعض الأعضاء بأنهم الأحق بالمناصب أو الفرص البحثية أو الدعم المؤسسي.
5. الغيرة الأكاديمية: خصوصًا إذا تميز أحد الزملاء بنشر علمي أو نال جوائز علمية مرموقة.
ب- الأسباب المؤسسية والهيكلية:
1. سوء العدالة في توزيع الموارد: مثل الفرص البحثية أو الإشراف على الرسائل أو السفر للمؤتمرات.
2. تعمد إقصاء الأكفاء والمتميزين لأسباب شخصية مع الإدارة العليا.
3. الضعف الإداري في حسم النزاعات.
4. رغبة الإدارة العليا في إنشاء مراكز قوى، وتحصينها من المحاسبة.
5. التمييز الإداري: تفضيل الإدارة العليا لأحد الأعضاء لينال وحده المشاريع أو المناصب يؤدي إلى غيرة الآخرين.
6. ضعف الشفافية المؤسسية: مثل الغموض في المعايير يؤدي إلى سوء الظن والحسد.
7. التنافس على المكافآت المادية أو المعنوية: كالمناصب، الجوائز، الظهور الإعلامي الأكاديمي، مما يزيد من الحسد.
ج- أسباب ثقافية واجتماعية
1. ثقافة المقارنة: بعض البيئات الجامعية تشجع على المقارنة بدلاً من التعاون.
2. ضعف ثقافة العمل الجماعي: حيث يعمل كل عضو بمعزل عن الآخرين ويشعر بالتهديد من نجاحاتهم.
3. تضخيم النجاح الفردي: تركيز الإعلام أو المؤسسة على إنجازات أفراد دون إبراز جهود الفريق، مما يولّد الحسد.
4. البيئة الأكاديمية المغلقة: الجامعات التي تفتقر إلى الانفتاح الفكري أو التنوع المهني تكون بيئة خصبة للحسد.
د- أسباب تتعلق بطبيعة العمل الأكاديمي:
1. الطابع التنافسي للمجال: طبيعة التنافس في النشر والترقية والمنح تولّد توترًا دائمًا.
2. قلة التقدير المادي والمعنوي: مما يجعل أي نجاح يُنظر إليه كامتياز استثنائي يثير الغيرة.
3. ضبابية تقييم الأداء العلمي: ضعف الموضوعية في تقييم الجهد الأكاديمي يدفع البعض إلى الشك في نجاحات الآخرين.
رابعا: الأثر التراكمي على الحقل الأكاديمي:
1. قتل روح الإبداع: إذ يخشى الباحثون من عرض أفكارهم خوفًا من الحسد أو التخوين.
2. هدر الطاقات: إذ تُستنزف الجهود في صراعات داخلية بدلًا من البحث العلمي والنهوض بالمؤسسات التعلمية.
3. تفشي الرداءة الأكاديمية: حيث يُحارب المتميزون ويُروَّج للمحابين، وأصحاب الحظوة (الشللية).
4. انحدار القيم الأكاديمية: في غياب ثقافة الاعتراف والتكامل والكيل بمكيالين.
خامسًا: سبل المواجهة والمعالجة
1- تعزيز أخلاقيات الفضيلة من خلال بناء شخصية أكاديمية متزنة تحب الخير للغير.
2- تطوير برامج لدعم النمو الذاتي والذكاء العاطفي.
3- بناء ثقافة الاعتراف والامتنان بدلًا من المقارنة التنافسية السامة.
4- وضع ضوابط مؤسسية للشفافية والعدالة في التقييم الأكاديمي.
5- تعزيز الروح الجماعية والتشاركية في العمل البحثي.
6- تقوية القيادة الأخلاقية داخل المؤسسات العلمية.
7- غرس قيم التعاون والعمل الجماعي.
8- تحسين الحوكمة والشفافية في القرارات الأكاديمية.
9- دعم برامج تنمية الذات والثقة بالنفس.
10- تعزيز الوازع الديني والأخلاقي.
11- تكريم الجهود بشكل جماعي وفردي.
12- تحفيز المتميزين والأكفاء من هيئة التدريس، والكف عن محاربتهم وتحطيم معنوياتهم.
13- توفير فرص عادلة للجميع.
خاتمة
إن الحسد وإفساد ذات البين لا يمثلان مجرد انحرافات فردية، بل هما أعراض لأزمة أخلاقية ومؤسسية داخل الحقل الأكاديمي، تتطلب معالجة متعددة المستويات: دينية، ونفسية، وفلسفية، واجتماعية. فالتقدم العلمي لا يتحقق في بيئة مسمومة مشحونة بالضغينة، بل في بيئة يسودها التكامل والتسامح والاعتراف. فكلما ارتقت أخلاق الأكاديميين، ارتقى المجتمع.



