رأي

التبادل الثقافي والحوار الحضاري: آفاق التقارب المصري الصيني في سياق الرؤية الصينية للحوكمة العالمية

دكتورة فينوس فؤاد – نائب رئيس مركز العرب للشئون الثقافية

 

في ظل الانفتاح العالمي الملموس الذي تقوده الصين تنفيذا لاستراتيجية الحوكمة التي اعلنها الرئيس الصيني “شي جين بينغ” ‏والمدرجة في كتاب “الحكم والإدارة في الصين – المجلد الخامس” الذي صدرت الطبعة العربية منه عام ٢٠٢٦ ، و الذي ‏يتناول تحليل رؤية الرئيس الصيني لدور الثقافة وآليات التواصل بين الشعوب والحضارات ، و الذي اشار فيه الي أهمية ‏التبادل الثقافي كمفتاح للتواصل بين الحضارات من اجل تحقيق التقارب بين الشعوب حيث ذكر ذلك من خلال عدة محاور ‏مثل محور “مبادرة نداء الحضارات وهي جزء من مبادرة الحضارة العالمية” وهو محور هام يهتم بالحوار مع ‏الحضارات المختلفة و التي شهدت مصر احدي فعالياتها تحت شعار “من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل” ‏‏«الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة – هانغتشو)» والتي اقيمت بالمتحف القومي للحضارة المصرية في 2 يونيو ‏‏٢٠٢٦ في حوار بين “الحضارة المصرية القديمة” و حضارة “هانغتشو” مهد الحضارة الصينية منذ ٣٣٠٠ – ٢٣٠٠ قبل ‏الميلاد و كذلك ثقافة “ليانغتشو” التي تعود إلى العصر الحجري الحديث حيث نوقشت اصول و نقاط التلاقي بين ‏الحضارتين المصرية والصينية مع توضيح دور المتاحف في نشر المعرفة والتجارب المشتركة بين مصر والصين في ‏سياق صون التراث الثقافي و ادارة المواقع الأثرية و توظيف التقنيات الحديثة لحماية الموروث الثقافي و وإتاحته للأجيال ‏الجديدة من البلدين، ثم تلي ذلك في سبتمبر ٢٠٢٦ اقامة فاعلية اخري بعنوان «حوار الحضارات الشمسية – أنشطة أسبوع ‏باندا تشنغدو» بالقاهرة في سبتمبر ٢٠٢٦ من اجل تعزيز التبادل الثقافي بين مصر والصين و تسليط الضوء على الرموز ‏والقيم المشتركة بين الحضارة المصرية القديمة والتراث الصيني مثل مدينة “تشنغدو” الشهيرة بالباندا بما يتجاوز أبعاد ‏الزمن والمكان لتصبح الثقافة جسرا ممتد عابرا للزمن والحدود الجغرافية محتفيا بالتراث الانساني.‏

عام التبادل الإنساني والثقافي بين الصين وافريقيا
اتي ذلك تعزيزا للتبادل الثقافي بين مصر والصين ضمن فعاليات “عام التبادل الإنساني والثقافي بين الصين وافريقيا” ‏وتأكيدا لدور المتاحف كمنصات فاعلة للحوار وتبادل الثقافات و ابراز القيم الانسانية المشتركة بين الحضارات والقاء ‏الضوء علي ما يجمع الحضارتين المصرية والصينية من تراث حضاري عريق يعمق المعرفة وفتح افاق جديدة للتبادل ‏الحضاري والتعاون الانساني. ‏
حيث اهتمت هذه الفاعليات الاحتفال بالذكري السبعين للعلاقات المصرية الصينية بالتركيز علي رمز الشمس باعتباره ‏الرمز الأهم في الحضارتين المصرية والصينية المتمثلة في حضارة “شو” القديمة وحضارة ” سيتشوان” حيث ارتبطت ‏نشأة الحضارتين بالطبيعة والشمس والاهتمام بالزراعة و اعلاء مفاهيم الخلود وكذلك اشتراك الحضارتين في استخدام ‏الرموز الروحية للحيوانات الطيور بالاضافة الي التقويم الشمسي و احتفائهما بعلم الفلك والفنون في اشارة الي اهمية صون ‏التراث باعتباره لغة اساسية مشتركة عابرة لحدود الزمان والمكان تهدف الي التقريب والتفاعل الانساني بين الشعوب وفقا ‏لما اشار اليه الرئيس الصيني من أهمية التبادل الثقافي والتواصل بين الحضارات، معتبراً إياه ركيزة أساسية لبناء مجتمع ‏ذي مستقبل مشترك من خلال عدة أبعاد رئيسية تتجلى في مبادرة “نداء الحضارات” والتنوع الثقافي العالمي ، حيث يؤكد ” ‏بينغ” على ضرورة احترام التنوع الثقافي العالمي، ورفض النظرة الأحادية أو صراع الحضارات كما يؤكد في استراتيجيته ‏علي ان التبادل الثقافي يتجاوز الإستعلاء و الصدام بين مختلف شعوب العالم مؤكدا على أهمية الحفاظ على التراث الثقافي ‏والتاريخي للدول وتوظيفه في تعزيز الهوية الوطنية والثقة الثقافية كما يؤكد ايضا علي أهمية “الدبلوماسية الشعبية” ودورها ‏الفعال في مد جسور التقارب الإنساني، لا سيما من خلال تعزيز التبادلات الثقافية والسياحية والتعليمية والشبابية بين الصين ‏ومختلف دول العالم و منها مصر حيث يعتبر “بينغ” أن التبادل الثقافي والتعلم المتبادل ليس مجرد أدوات دبلوماسية، بل هما ‏من ادوات “القوة الناعمة” الأساسية لتعزيز القيم المشتركة للبشرية جمعاء (السلام و التنمية والعدالة و الديمقراطية والحرية) ‏لمواجهة التحديات العالمية بروح التعاون والمشاركة حيث يقول ”بسبب الاختلافات التاريخية والثقافية والمؤسسية في ‏العالم، يتعين على البلدان أن تتفاعل مع بعضها البعض وأن تتعلم من بعضها البعض وأن تتقدم معا“‏

كما اشار ” شي جين بينغ” ايضا الي أهمية التبادل الثقافي والتواصل بين الشعوب والحضارات، واعتباره وسيلة لتعزيز ‏التفاهم بينهم حيث يقول “تتمثل أهمية التبادل الثقافي في أنه يتيح للشعوب التعرف إلى ثقافات بعضها بعضًا، وفهم ‏تجاربها التاريخية والاجتماعية، بما يسهم في تجاوز الصور النمطية والأحكام المسبقة التي قد تنشأ نتيجة الاختلافات ‏الثقافية والحضارية” ، وفي هذا السياق، كان اهتمامه بالتواصل بين الشعوب والحضارات باعتباره جزءًا من رؤيته ‏للعلاقات الدولية، التي لا تقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومات، وإنما تمتد إلى بناء روابط بين المجتمعات نفسها.‏

وفي إطار هذه الرؤية، يمكن تحديد ثلاثة أبعاد رئيسية للتبادل الثقافي بين مصر والصين يكون اولها البعد السياسي ‏والدبلوماسي و تعزيز الثقة المتبادلة وتهيئة الظروف الملائمة للحوار بين الدول و ثانيها البعد الاجتماعي والإنساني لتوطيد ‏العلاقات بين الشعوب و ثالثها البعد التنموي و تشجيع التعاون في مجالات التعليم والسياحة والفنون والتراث الثقافي، بما ‏يتيح تبادل الخبرات والتجارب

احترام التنوع الحضاري والتعلم المتبادل
من المبادئ ذات الصلة الوثيقة بالتبادل الثقافي مبدأ احترام التنوع الحضاري، والنظر إلى الاختلاف بين الثقافات باعتباره ‏مجالًا للتعارف والتعلم المتبادل، لا سببًا للصراع أو القطيعة وتبرز أهمية هذا المبدأ في عالم تتزايد فيه العلاقات بين الدول ‏والمجتمعات، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية فالحوار الحضاري يساعد على إدراك أن لكل مجتمع ‏خصوصيته الثقافية، وأن التواصل بين الحضارات يمكن أن يتيح الاستفادة من الخبرات الإنسانية المختلفة حيث يتصل هذا ‏الطرح بمبادرة الحضارة العالمية التي طرحها “بينغ” والتي ترتبط بتعزيز التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات.‏

التبادل الثقافي جسر التواصل الانساني
ختامًا، يتضح أن التبادل الثقافي بين مصر والصين يتجاوز كونه وسيلة للتعريف بالتراث الحضاري لكل منهما، ليشكل ‏جسرًا للتواصل الإنساني والحضاري، وأداة فاعلة لبناء الثقة المتبادلة وتعزيز التفاهم بين الشعبين. كما يسهم هذا التبادل في ‏ترسيخ القوة الناعمة للبلدين، من خلال إبراز ما تمتلكه حضارتاهما العريقتان من قيم وتجارب وإسهامات إنسانية مشتركة. ‏ولا تقتصر أهمية هذا الدور على المجال الثقافي، بل تمتد لتوفير بيئة إيجابية داعمة للحوار والتقارب، بما يعزز فرص ‏التعاون السياسي والاقتصادي، ويفتح آفاقًا أوسع للشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ومن ثم، فإن الاستثمار في التبادل الثقافي ‏والحوار الحضاري يمثل ركيزة أساسية لتعميق العلاقات المصرية الصينية، وترسيخ أسس تعاون مستدام يقوم على ‏الاحترام المتبادل للتراث والتاريخ و الخصوصية الثقافية.‏

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى