“البحر الأحمر بين منطق الجغرافيا ومنطق القوة: لماذا يمثل تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة عليه لحظة فارقة في معادلة الأمن الإقليمي؟”

رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية — نائب رئيس #مركز_العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية
(تحليل إستراتيچي مُختصر —تقدير موقف)
عندما يتحدث وزير الخارجية المصري والتعاون الدولي والمصريين بالخارج عن تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، فنحن لسنا أمام تصريح نمطي او استهلاكي عابر، بل أمام إشارة استراتيجية عميقة إلى أن الإقليم يمر بلحظة إعادة تعريف لمعادلات القوة، وأن من يملك إدارة الممرات المائية يملك التأثير في الاقتصاد والسياسة معًا.
البحر الأحمر ليس مجرد شريط مائي يفصل بين قارتين، بل هو معبر استراتيجي يربط المتوسط بالمحيط الهندي عبر قناة السويس وباب المندب، ويمر عبره ما يقارب 12% من التجارة العالمية، ونسبة معتبرة من تجارة الطاقة العالمية. أي اضطراب فيه ينعكس فورا على سلاسل الإمداد، وأسعار الشحن، والتأمين، ومن ثم على استقرار الأسواق الدولية.

هنا تتجلى أهمية المجلس الذي يضم ثماني دول مشاطئة هي: مصر، السعودية، الأردن، السودان، جيبوتي، اليمن، الصومال، وإريتريا. هذا التكوين في حد ذاته يعكس معادلة عربية-أفريقية متكاملة، ويؤسس لإطار إقليمي يمتلك من الجغرافيا ما يكفي لصياغة رؤية مستقلة.
لكن السؤال الجوهري: لماذا الآن؟
الإقليم يشهد منذ سنوات تصاعدا في عسكرة البحر الأحمر، قواعد عسكرية أجنبية في القرن الإفريقي، تنافس دولي على الموانئ، مشاريع لوجستية عابرة للقارات، وامتدادات لأزمات داخلية انعكست على أمن الملاحة، ومع كل توتر، كانت الأطراف الدولية تتحرك سريعا، بينما بقي الإطار الإقليمي في حالة كمون نسبي.
من هنا يصبح “التفعيل” انتقالا من حالة التأسيس النظري إلى الفعل المؤسسي.
والتفعيل يعني انتظام اجتماعات القمة ووزراء الخارجية والدفاع، تأسيس أمانة عامة فاعلة، إنشاء لجان أمنية واقتصادية متخصصة، وتطوير آليات تنسيق بحري واستخباراتي مشترك، أي أنه يعني أن الدول المشاطئة تقرر أن تكون صاحبة اليد العليا في إدارة أمن إقليمها.
من منظور مصري، المسألة تتجاوز حدود الأمن البحري المباشر، فأمن البحر الأحمر يرتبط عضويا بقناة السويس، وبالعمق الاستراتيجي في السودان والقرن الإفريقي، وبالمعادلة الكبرى للأمن القومي الممتد من المتوسط شمالا إلى باب المندب جنوبا، وأي اختلال في هذا القوس ينعكس مباشرة على المصالح المصرية.
لكن الأهم في تقديري هو البعد الأفريقي، البحر الأحمر هو البوابة الشرقية للقارة، وأي استقرار فيه يعزز فرص التكامل بين شمال وشرق إفريقيا، ويدعم مشاريع الربط اللوجستي، ويمنح دول القرن الإفريقي متنفسا تنمويا بدل الارتهان لصراعات النفوذ، وإن تحويل البحر الأحمر من ساحة تنافس دولي إلى منصة تعاون إقليمي هو المدخل الحقيقي لتعزيز السيادة الجماعية.
التحدي هنا ليس في الإعلان، بل في القدرة على المواءمة بين أولويات الدول الثماني، فبعضها يواجه أزمات داخلية، وبعضها يتحرك ضمن توازنات إقليمية دقيقة، وبعضها يستضيف قواعد عسكرية أجنبية.
لذلك فإن نجاح المجلس يتطلب صياغة مفهوم مشترك للأمن الإقليمي يقوم على مبدأين: أولا، أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة في المقام الأول، وثانيا، أن التنمية الاقتصادية هي الضامن المستدام لهذا الأمن.
من الضروري أيضا ألا يُختزل دور المجلس في البعد الأمني فقط، فالتكامل الاقتصادي، وتطوير الموانئ، وإنشاء مناطق لوجستية مشتركة، وربط سلاسل الإمداد، كلها أدوات لتعميق المصالح المتبادلة، وبالتالي تقليل احتمالات التوتر.
والأمن بلا تنمية هش، والتنمية بلا أمن معرضة للانهيار.
وأرى أن اللحظة الحالية تتيح فرصة تاريخية لإعادة صياغة هندسة البحر الأحمر. فالعالم يعيد ترتيب أولوياته في ظل أزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، وأفريقيا تبحث عن أطر تعزز استقلال قرارها، والدول العربية المطلة على البحر الأحمر تدرك أن التحديات عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يصبح المجلس منصة يمكن البناء عليها لإنتاج نموذج تعاون عربي-أفريقي عملي، لا شعاري.
إن تفعيل المجلس، إذا ما تم وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قد يشكل نواة لنظام أمني إقليمي جديد في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، نظام يقوم على التشاور، وتنسيق المصالح، وتغليب منطق الشراكة على منطق الاستقطاب.
البحر الأحمر كان تاريخيا جسر تواصل بين الحضارات، ثم تحول في مراحل معينة إلى خط تماس وصراع، والخيار المطروح اليوم أمام دوله هو أي مسار تريد أن تسلك: مسار التدويل المفرط الذي يضع القرار في يد الآخرين، أم مسار الإدارة الإقليمية الرشيدة التي تعزز السيادة وتخلق فرص التنمية.
وفي تقديري، الحديث عن التفعيل يعكس إدراكا متقدما بأن أمن الممرات المائية لم يعد شأنا تقنيا، بل هو صلب معادلة القوة في القرن الحادي والعشرين.
ومن ينجح في بناء إطار إقليمي متماسك حول البحر الأحمر، ينجح في تثبيت موقعه في خريطة التوازنات الدولية.
وإذا أحسن استثمار هذه اللحظة، يمكن أن يتحول المجلس من كيان ناشئ إلى أحد أهم أطر التعاون العربي-الأفريقي، ليس فقط لحماية الملاحة، بل لبناء فضاء استراتيجي مشترك يؤسس لعقود من الاستقرار والنمو.



