تقدير موقف

البادرة الدبلوماسية الوحيدة: قراءه في دوافع “وساطة الصين” لإيقاف الحرب على إيران

ينما يدخل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران يومه العاشر، لم تُقدّم الأطراف الإقليمية والدولية أي مبادرة دبلوماسية جادة للتهدئة، في ظل غيابٍ تام لدور الأمم المتحدة التي لم تقم حتى بتكليف مبعوثٍ خاص للأزمة. وبرزت الخطوة الدبلوماسية الوحيدة منذ بدء الأحداث من جانب الصين، التي تسعى بجدية إلى منع انزلاق الحرب الجارية نحو صراعٍ شامل لا تصب تداعياته في مصلحة بكين.

فمنذ اليوم الأول، كان موقف بكين واضحاً في دعوتها إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط، مع التأكيد على ضرورة احترام السيادة الوطنية لإيران وأمن وسلامة دول الخليج. وحثت بكين جميع الأطراف على تجنب تصعيد التوتر واستئناف الحوار والمفاوضات. وفي هذا السياق، وصل مبعوث الصين الخاص لشؤون الشرق الأوسط، “تشاي جون”، إلى الرياض للوساطة والتقى بوزير الخارجية السعودي لبحث سبل منع التصعيد وإيقاف العمليات العسكرية، تجنباً لإلحاق المزيد من الضرر بشعوب المنطقة. وقبل وصول المبعوث الصيني، أكد وزير الخارجية “وانغ يي” أن الحرب على إيران ما كان يجب أن تحدث إطلاقاً، معتبراً أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك “قوة الحجة”، وأنه لا يمكن للعالم العودة إلى “شريعة الغاب”.

الصين تتبنى موقفاً يرى ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية ومنع اتساع رقعة الصراع، مع التأكيد على أن المخرج الوحيد للأزمة هو الحل السياسي وعودة جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات. كما ترفض بكين محاولات تغيير الأنظمة السياسية بالقوة العسكرية، إيماناً منها بأن الشعوب هي صاحبة السيادة على مقدراتها ومستقبلها دون وصاية أو إملاءات خارجية.

ويُعد هذا التحرك الدبلوماسي تجسيداً لاستراتيجية القوة الناعمة النشطة التي تنتهجها بكين؛ وهي استراتيجية لا تنطلق من مبادئ سياسية فحسب، بل من حسابات جيوسياسية واقتصادية معقدة. تسعى الصين من خلالها إلى ملء الفراغ الدبلوماسي العالمي، وتقديم نفسها كـ “صانع سلام عالمي”، مستغلةً علاقاتها القوية مع طهران ودول الخليج لتعزيز نفوذها في “الجنوب العالمي”. كما أن وصول “تشاي جون” إلى الرياض يعكس ذكاءً دبلوماسياً، إذ تدرك الصين أن مفتاح التهدئة يمر عبر منع جر الخليج للدخول في الحرب ولاسيما السعودية، سعياً للحفاظ على “اتفاق بكين 2023” بين السعودية وإيران من الانهيار. كما تدرك بكين أن السماح بتغيير الأنظمة بالقوة يضع سابقة دولية قد تُستخدم ضدها أو ضد حلفائها في ملفات أخرى مثل تايوان، لذا تتمسك بمبدأ “سيادة الشعوب” كخط دفاع أول عن أمنها القومي.

ولا ينفصل الجهد الدبلوماسي عن مصالح الصين الاقتصادية؛ فاستقرار الملاحة في مضيق هرمز ضرورة قصوى لبكين. ورغم نجاحها في تنويع مصادر الطاقة وتصدرها قطاع الطاقة المتجددة عالمياً، لا يزال النفط محركاً لا غنى عنه لأساطيلها التجارية والجوية وصناعاتها البتروكيماوية. ومع استيراد نحو 14 مليون برميل يومياً، فإن أي انقطاع طويل الأمد يتجاوز قدرة احتياطيها الاستراتيجي (1.5 مليار برميل) سيؤدي إلى شلل في عصب التجارة الصينية، كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيؤدي إلى تضخم ينهش تنافسية صادراتها عالمياً.

ولكن إيران والخليج ليسا مجرد “محطات للوقود” بالنسبة لبكين، بل هما ركيزتان في مبادرة الحزام والطريق”؛ فالصين ترتبط باتفاقية تعاون لمدة 25 عاماً مع طهران، واستمرار الحرب يعني تدمير بنية تحتية استثمرت فيها الصين بكثافة، وضياع فرصة ربط آسيا الوسطى بالخليج.

بلا شك تخشى الصين من أن يؤدي انتصار عسكري أمريكي أو تغيير للنظام في إيران إلى وجود قواعد أمريكية دائمة أو أنظمة موالية لواشنطن على حدودها الغربية. ورغم أن الصين قد تفضل بقاء الولايات المتحدة غارقة في “مستنقع” الشرق الأوسط دبلوماسياً، إلا أنها في الوقت ذاته لا تريد حرباً شاملة تدمر الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه نهضتها. لذا، تتحرك بكين كـ وسيط متوازن”، مستخدمةً أدواتها الاقتصادية والسياسية للضغط، في سباق مع الزمن لمنع تحول “نقص الطاقة” إلى “شلل اقتصادي”، ومحاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة لإثبات أن “الحل الصيني” هو البديل الممكن للاستقرار العالمي.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى