رأي

اشتيوي الجدي يكتب.. العمل الإعلامي… بين الرسالة والمسؤولية

تُعدّ وسائل الإعلام مرآةً تعكس الحياة اليومية كما هي، وتنقل وقائعها وتفاعلاتها إلى الرأي العام. غير أنّ هذه المرآة لا تكون دائمًا صافية؛ إذ كثيرًا ما يتدخل بينها وبين الواقع عاملان شديدا التأثير: العامل النفسي والعامل التقني. فالأول يرتبط بذاتية الإعلامي وشخصيته، والثاني بالمؤسسات التي تمتلك وتدير الوسائل الإعلامية.

فالإعلامي، مهما بدا محايدًا، هو في النهاية إنسان، يتأثر بمزاجه وخبراته وردود أفعاله، وهو ما يجعل الحياد المطلق أمرًا عسير المنال. ومن هنا، لا يُطلب من الإعلامي أن يتجرد من إنسانيته، بل أن يعمل بصدق وإخلاص على الاقتراب، قدر الإمكان، من الموضوعية، وأن تكون حسن النية المشعل الذي يهدي طريقه في الممارسة المهنية. ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان الإعلامي مؤهلًا تأهيلًا مهنيًا وأخلاقيًا يليق بخطورة هذه المهنة ودورها المحوري في المجتمع.

وبطبيعة الحال، فإن الحق في استقاء المعلومات وتبليغها، وحرية التعبير عن الآراء، هي حقوق أساسية ينبغي أن يتمتع بها كل إنسان. وبما أن العمل الإعلامي يقوم أساسًا على نقل هذه الحقوق إلى الفضاء العام، فإن ضمان حرية الإعلامي في التعبير عن آرائه وأفكاره يُعد شرطًا جوهريًا لقيام إعلام مهني وفاعل. غير أن هذه الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، ولا تكتمل إلا إذا وُظفت في خدمة الصالح العام.

فالهدف الجوهري من العمل الإعلامي هو خدمة المجتمع، من خلال إطلاع الناس على الحقائق وتمكينهم من تكوين أحكام واعية تجاه قضايا عصرهم. إلا أن الواقع، في كثير من الأحيان، يُظهر عكس ذلك، لا سيما في ظل الضغوط التي تفرضها علاقة مؤسسات الإعلام بالسلطة. إذ تبقى واحدة من أخطر العقبات التي تواجه وسائل الإعلام، وخاصة في العالم العربي، هي ارتهانها لتوجيهات الأنظمة الحاكمة، واستحالة خروجها عن “الخطوط الحمراء” المرسومة لها.

وتُفرغ هذه العلاقة النفعية بين الإعلام والسلطة الرسالةَ الإعلامية من مضمونها، وتحوّل وسائل الإعلام إلى أداة لتكريس خطاب السلطة وتبرير سياساتها، بدل أن تكون سلطة رقابية مستقلة. وكان الأجدر أن تقوم العلاقة بين الإعلامي والسلطة على الاحترام المتبادل، لا على التبعية أو التوظيف.

وفيما يتعلق بالمسؤولية تجاه الرأي العام، تبرز أهمية التذكير بأخلاقيات المهنة الإعلامية، التي تقوم في جوهرها على مجموعة من القيم، أبرزها: الدقة والصدق في نقل الوقائع، وعدم تحريف الحقائق، وتغطية مختلف جوانب القضايا بعدل وإنصاف. كما تُعدّ الموضوعية والنزاهة والاستقلالية والعدل من أكثر القيم التصاقًا بالمهنة الإعلامية.

غير أن واقع الإعلام المعاصر يشهد، للأسف، انحرافًا ملحوظًا، حيث تحوّلت بعض الوسائل الإعلامية إلى أدوات في يد أصحاب الأجندات والمشاريع الخاصة، متناسية دورها الأساسي في نشر الوعي وخدمة المجتمع.

وفي السياق الليبي، أفرزت الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد منذ عام 2011 ظهور عدد كبير من وسائل الإعلام الخاصة، المقروءة والمسموعة والمرئية، التي كان يُؤمَل أن تُسهم في الارتقاء بالعمل الإعلامي، خاصة في مرحلة انتقالية دقيقة تتسم بعدم الاستقرار وفقدان الثقة بين مختلف الأطراف. غير أنها، للأسف، فشلت في كثير من الأحيان في تقديم محتوى مهني يقوم على الصدق والشفافية والموضوعية.

ولعل من الضروري هنا تنبيه الكتّاب والإعلاميين والمحللين الليبيين، الذين يملأون الفضاء الإعلامي ضجيجًا، إلى أن التخلي عن الأمانة المهنية في نقل الوقائع بموضوعية وتجرد يعني، بالضرورة، فقدان المصداقية.

كما يجدر التذكير بأنه في أوقات الأزمات تتضاعف مسؤولية الإعلام، إذ ينبغي أن يكون الإعلام عين المجتمع الساهرة وأذنه الصاغية، وأن يُسهم في منع الانزلاق نحو الفوضى، عبر فتح مساحات للنقاش البنّاء وتشجيع الحوار بين مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية. فالإعلام، من خلال برامجه الحوارية ومقالاته التحليلية، قادر على تخفيف حدة الاستقطاب وتعزيز ثقافة التفاهم والتسامح.

وإلى جانب ذلك، يؤدي الإعلام دورًا محوريًا في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، وهو الانتماء الذي يدفع المواطن إلى الدفاع عن وطنه في مواجهة التحديات.

 

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى