الرئيسيةدراساتعسكرية

من “ستوكسنت” إلى “العصفور المفترس”.. كيف أدارت إسرائيل حربًا هجينة ضد إيران بالذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية؟

د. محمد محسن رمضان
مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية

في ظل التصعيد المتواصل بين إسرائيل وإيران، لم تعُد ساحة الحرب تقتصر على القتال الميداني أو التصريحات السياسية؛ بل امتدت لتشمل الفضاء الإلكتروني، حيث تدور واحدة من أخطر حروب العصر الحديث: حرب هجينة تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والهجمات السيبرانية، والتضليل الإعلامي على مواقع التواصل.
ما نشهده اليوم هو تطور نوعي في أدوات الحرب، حيث تُستبدل الخوارزميات بالبنادق، وتتحول تطبيقات المراسلة إلى أدوات تجسس، وتُستغل البنية التحتية المدنية كساحات قتال رقمية.

الأمن السيبراني الحروب الخفية
محمد محسن رمضان

الذكاء الاصطناعي سلاحًا استراتيجيًا

منذ أكثر من عقد، كشفت عملية “ستوكسنت” الشهيرة حجم تفوق إسرائيل في الحروب السيبرانية، حيث شُنّ هجوم دقيق على برنامج إيران النووي، ويُعتقد أن إسرائيل والولايات المتحدة تقفان خلفه. وقد مثل هذا الهجوم نقلة نوعية في استخدام التكنولوجيا كأداة تدمير حقيقي، بلا حاجة إلى جندي واحد.

ومع مرور الوقت، طوّرت إسرائيل استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) ليصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومتها العسكرية:

  • في الاستخبارات: يُستخدم AI لتحليل صور الأقمار الاصطناعية، والتنصت، وتحليل البيانات من المصادر المفتوحة لرصد تحركات الحرس الثوري وشحنات الأسلحة الإيرانية.
  • في الضربات الجوية: يُسهم في اختيار الأهداف بدقة بالغة، وتفادي المدنيين، وتوقع تحركات الخصم.
  • في الطائرات المسيرة: تم تطوير مسيّرات ذكية قادرة على الاغتيال والتسلل دون تدخل بشري مباشر.
  • في الدفاع الجوي: تعتمد منظومة “القبة الحديدية” على خوارزميات AI لاتخاذ قرارات الاعتراض خلال أجزاء من الثانية.

قد تكون رسمة لـ ‏‏‏‏٥‏ أشخاص‏، و‏‏خريطة‏، و‏هليكوبتر‏‏‏ و‏نص‏‏

التصعيد الرقمي: 6700 هجوم سيبراني في 72 ساعة!

بحسب ما نشرته وكالة “فارس” الإيرانية، تعرضت إيران اثناء الحرب لأكثر من 6700 هجوم سيبراني خلال ثلاثة أيام فقط، أغلبها من نوع “حجب الخدمة الموزعة” (DDoS)، وهي هجمات تُغرق خوادم الإنترنت بحركة مرور وهمية لتعطيل الوصول للخدمات.

هذه الهجمات تسببت في اضطرابات واضحة في البنية التحتية الرقمية الإيرانية، من بينها:

  • تعطل أنظمة الدفع وأجهزة الصراف الآلي.
  • ضعف في شبكات الاتصالات.
  • صعوبات في الوصول إلى الإنترنت.
  • حجب تطبيقات شهيرة مثل “واتساب” و”تليجرام”.

بل إن إيران اضطرت لتقييد الوصول إلى الإنترنت، وهو إجراء أمني لمواجهة التأثيرات المتصاعدة.

 

“العصفور المفترس”: هجمات دقيقة.. ورسائل سياسية

أعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم بريداتوري سبارو” (العصفور المفترس) – يُعتقد أنها مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية – مسؤوليتها عن هجمات سيبرانية استهدفت بنك “سبه” الإيراني، أحد أقدم وأكبر البنوك في البلاد.

هذه الهجمات لم تكن فقط لتعطيل الخدمة، بل لتوجيه رسائل سياسية، حيث أعلنت الجماعة أنها استخدمت “إيرانيين شجعان” لتدمير البنية التحتية للبنك. وأدى الهجوم إلى:

  • توقف خدمات البنك.
  • تأخر رواتب عدد من الموظفين والأمنيين.
  • إغلاق عدة فروع للبنك.

كما سبق لهذه الجماعة استهداف شركات صلب ومحطات وقود، وأجهزة توزيع الوقود في هجمات سابقة، ما يعكس نمطًا تصاعديًا في استهداف البنية التحتية الاقتصادية الإيرانية.

 

السوشيال ميديا.. الجبهة الأخطر في الحرب النفسية والإعلامية

لم تعُد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل.. بل تحولت إلى أسلحة ناعمة موجهة بدقة في الصراع بين إسرائيل وإيران، ظهر دور السوشيال ميديا كساحة قتال متقدمة تعتمد عليها إسرائيل في تنفيذ ما يمكن تسميته “حرب الوعي”، عبر تكتيكات نفسية وإعلامية موجهة بدقة ضد الداخل الإيراني.

 

أبرز مظاهر استخدام السوشيال ميديا سلاحًا في هذه الحرب:

  1. الاختراق الإعلامي والبث المعارض:
    • محاولة اختراق هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وبُثّ رسائل ومقاطع تدعو للاحتجاج، وسط البرامج الرسمية.
    • استخدام تقنيات متطورة في توجيه بث دعائي.
    • بث فيديوهات احتجاجية تُقاطع البث المعتاد وتستهدف معنويات المواطن.
  2. التضليل ونشر الشائعات عبر AI:
    • تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك المستخدمين على الإنترنت، لتحديد نقاط الضغط ونشر الشائعات في توقيتات حرجة.
    • تم استغلال تطبيقات مثل “واتساب” و”تليجرام” لتمرير رسائل وهمية، ما دفع الحكومة الإيرانية لحظرها والتحذير منها باعتبارها أدوات تجسس إسرائيلية.
    • الذكاء الاصطناعي يُستخدم في توليد محتوى إعلامي موجه، وإنشاء حسابات وهمية (Bots) لتوجيه النقاش العام.
  3. هندسة الرأي العام الإيراني:
    • تقوم وحدات إلكترونية متخصصة برصد المزاج العام وتعديل الرسائل وفقًا له.
    • يتم اختيار التوقيتات والوسائل والمنصات بعناية لشن حملات نفسية (PsyOps) تمس ثقة المواطن بحكومته.
  4. دعم داخلي مخترق:
    • تعلن بعض الجماعات السيبرانية الإسرائيلية أنها تنفذ عملياتها بمساعدة “إيرانيين شجعان”، في محاولة لبث الشك والانقسام داخل النسيج الاجتماعي الإيراني.

 

الإنترنت.. بين الحجب والتجسس

بالتوازي، تم رصد انخفاض كبير في حركة الإنترنت داخل إيران، وأفادت شركات مثل Cloudflare وNetBlocks بتوقف عمل شركات اتصالات رئيسية، وفرض قيود على خدمات VPN.

وتُتهم تطبيقات مثل “واتساب” من قِبل السلطات الإيرانية بأنها تُستخدم للتجسس من قِبل إسرائيل، وهو ما نفته الشركة رسميًا.

ردود الفعل الإيرانية: دفاعات متأخرة

رغم محاولة إيران التصدي لهذا التصعيد السيبراني، فإن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين قدراتها الهجومية والدفاعية مقارنة بإسرائيل:

  • إيران تعتمد بشكل أساسي على إجراءات تقليدية كحجب الإنترنت وتقييد الوصول.
  • لا تزال هجماتها تفتقر إلى الكفاءة التقنية العالية، رغم المحاولات المستمرة لاستهداف مواقع إسرائيلية.
  • تواجه صعوبة متزايدة في حماية البنية التحتية الاقتصادية، ما يتركها عرضة للهجمات المركّبة.

الحرب المقبلة: من يملك السيطرة على الخوارزمية؟

الحرب بين إسرائيل وإيران باتت حرب خوارزميات بامتياز. قرارات القتل تُتخذ خلال ميلي ثانية، والخطاب الإعلامي يُدار عبر أدوات تحليل رأي عام قائمة على AI، والميدان أصبح رقميًا أكثر منه فيزيائيًا.

نحن أمام معركة متعددة الأبعاد، تجمع:

  • هجمات سيبرانية دقيقة.
  • تقنيات ذكاء اصطناعي عالية التخصص.
  • استخدام الإعلام والسوشيال ميديا أدوات ضغط.
  • استهداف ممنهج للبنى التحتية ذات الأثر النفسي.

ختامًا: دروس في الأمن السيبراني من صراع الشرق الأوسط

كخبير في الأمن السيبراني، أرى أن هذا النزاع ليس فقط نموذجًا لصراع إقليمي؛ بل هو مرآة لتحولات الحروب العالمية القادمة. ومن أبرز الدروس المستخلصة:

  1. لا يمكن الفصل بين الأمن القومي والأمن السيبراني.
  2. الذكاء الاصطناعي سيكون اللاعب الأبرز في المعارك المقبلة.
  3. حماية البنية التحتية الرقمية أصبحت أولوية تعادل حماية الحدود.
  4. السوشيال ميديا ليست منصة ترفيه؛ بل جبهة متقدمة في الحرب النفسية.
اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى