دراساتسياسية

محمود سامح همام يكتب.. أفريقيا بين مطرقة الرسوم الجمركية الأمريكية وسندان الانقسام القاري

تواجه القارة الأفريقية اليوم اختبارًا استراتيجيًا معقدًا في ظل التصعيد الجمركي الأمريكي الأخير، الذي فرضته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب على واردات عشرات الدول الأفريقية بنسب متفاوتة. ورغم أن هذه القرارات تبدو على السطح ذات طابع اقتصادي، فإن القراءة المتأنية لمخرجاتها تكشف عن دوافع سياسية وجيوسياسية أعمق، تمتد من الحسابات الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، إلى توظيف أدوات التجارة كسلاح ضغط ضد مواقف سياسية أفريقية لا تتماشى مع التوجهات الأمريكية. وبينما يرى بعض المحللين في هذه التطورات تهديدًا مباشرًا لقدرة الاقتصادات الأفريقية على الصمود، يراها آخرون فرصة لإعادة صياغة أولويات القارة نحو تكامل اقتصادي أكبر وتنويع الشركاء التجاريين. وفي قلب هذه المعادلة، يظل السؤال الجوهري: هل تستطيع أفريقيا صياغة رد جماعي يضمن مصالحها، أم أن الانقسام البنيوي سيبقيها في موقع المتلقي لتبعات سياسات القوى الكبرى؟

الاستراتيجية الإيرانية البحر الأحمر

اقرأ أيضا: أفكار ورؤى الشرفاء الحمادي.. أبرز محاور النقاش بين مسؤولي مؤسسة رسالة السلام في أوروبا وأفريقيا وفريق مركز العرب للأبحاث

أولًا: التداعيات الاقتصادية والسياسية للرسوم الجمركية الأمريكية

شهدت خارطة الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة تباينًا لافتًا في المعاملة بين الدول الأفريقية؛ إذ حصلت الغالبية على نسب بين 10% و15%، بينما تعرضت دول محددة مثل جنوب أفريقيا والجزائر وليبيا لرسوم بلغت 30%، في حين فُرضت على تونس نسبة 25%. هذا التوزيع غير المتكافئ يثير التساؤل حول المعايير الحاكمة للقرار الأمريكي، خاصة وأن بعضها لا يتسق مع مؤشرات العجز التجاري أو حجم الواردات من الولايات المتحدة.

جنوب أفريقيا تمثل نموذجًا واضحًا لتداخل الاقتصاد بالسياسة؛ فموقفها من قضية فلسطين وإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية، إضافة إلى قوانينها الداخلية بشأن الأراضي، جعلها هدفًا مباشرًا للانتقادات الأمريكية. الأمر ذاته ينطبق على الجزائر، حيث لا يمكن فصل الرسوم المفروضة عليها عن طبيعة علاقتها المتوترة مع المغرب، الحليف الإقليمي لواشنطن.

أما ليبيا وتونس، فرغم غياب روابط اقتصادية ضخمة مع الولايات المتحدة، جاء فرض رسوم مرتفعة عليهما ليعكس ربما رؤية أمريكية تعتبرهما بيئتين اقتصاديتين غير مستقرتين سياسيًا، ما يبرر – من منظور واشنطن – نهجًا أكثر تشددًا في التعامل التجاري، أما حالة ليسوتو تظل الأكثر دلالة على تناقض النهج الأمريكي؛ إذ فُرضت عليها بدايةً رسوم بنسبة 50% رغم ضآلة حجم وارداتها من الولايات المتحدة، قبل أن تُخفض إلى 15% تحت ضغط سياسي واقتصادي. ومع ذلك، لا تزال تنافسيتها مهددة أمام دول أفريقية أخرى حصلت على نسب أقل بكثير.

وهذه المعطيات مجتمعة تؤكد أن الرسوم الجديدة ليست نتاج معادلة اقتصادية محضة، بل تمثل أداة سياسية لإعادة ضبط موازين النفوذ، وإرسال رسائل ردع إلى أطراف أفريقية بعينها.

ثانيًا: إشكالية الموقف الأفريقي الموحد وأفق الرد الجماعي

من الناحية النظرية، يمكن لأفريقيا أن تحقق مكاسب تفاوضية أكبر إذا ما واجهت السياسات الجمركية الأمريكية ككتلة اقتصادية واحدة، مستندة إلى حجم سوقها الموحد وقوتها الديموغرافية. غير أن الواقع المؤسسي يعكس صورة مغايرة تمامًا. فغياب اتحاد جمركي شامل أو سوق مشتركة على مستوى القارة، وافتقار الدول الأفريقية إلى تعريفة خارجية موحدة، يجعل من الصعب بناء موقف تفاوضي موحد أمام قوة اقتصادية بحجم الولايات المتحدة.

تجارب المجموعات الاقتصادية الإقليمية – مثل “الكوميسا” و”الإيكواس” – تظهر أن التنسيق ممكن في إطار إقليمي محدود، لكنه يظل هشًا عند محاولة تعميمه على المستوى القاري. الولايات المتحدة تدرك هذه الهشاشة، وتستغلها من خلال سياسة “فرّق تسد”، عبر تقديم عروض ثنائية مغرية لدول محورية كجنوب أفريقيا أو كينيا، ما يدفعها إلى الابتعاد عن خط التفاوض الجماعي.

اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) تمثل، على الورق، الآلية الأكثر فاعلية لمواجهة مثل هذه التحديات. فهي تسعى لخلق سوق موحدة تسهل حرية انتقال السلع والخدمات، وتزيد من حجم التجارة البينية، الذي لا يتجاوز حاليًا 20% من إجمالي تجارة القارة. إلا أن بطء تنفيذ بنود الاتفاقية، وضعف البنية التحتية اللوجستية، وتعقيدات التشريعات الوطنية، كلها عوامل تحد من فعاليتها الفعلية على المدى القصير.

لتجاوز هذه العقبات، تحتاج أفريقيا إلى استراتيجية مزدوجة: الأولى قصيرة المدى تقوم على تشكيل تكتلات تفاوضية مرنة قادرة على مواجهة العروض الثنائية الأمريكية دون أن تفقد التنسيق العام، والثانية طويلة المدى تركز على تسريع تفعيل AfCFTA وإزالة العوائق أمام التكامل الاقتصادي القاري.

ثالثًا: الفرص الكامنة في ظل الأزمة والتحولات المحتملة

رغم أن الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة تشكل تحديًا اقتصاديًا حقيقيًا، فإنها قد تمثل أيضًا محفزًا لإعادة هيكلة العلاقات التجارية الأفريقية على أسس أكثر استقلالية. تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا تشير إلى أن الصادرات الأفريقية إلى الولايات المتحدة قد تتراجع بنسبة تصل إلى 21.5%، ما يهدد آلاف الوظائف الصناعية ويؤثر على سلاسل التوريد الإقليمية. لكن هذه الخسارة يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا ما أحسنت الدول الأفريقية إدارة الموقف، فالصين، على سبيل المثال، سارعت إلى استغلال الموقف عبر تقديم إعفاءات جمركية شبه كاملة لمعظم السلع الأفريقية، ما يفتح أمام القارة أسواقًا بديلة قد تخفف من وقع الخسائر. كما أن الأزمة قد تدفع الدول إلى تنويع شركائها التجاريين وتوسيع شبكات التعاون جنوبجنوب، بدلًا من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

وعلى المستوى الداخلي، بدأت بعض الدول، مثل جنوب أفريقيا، في تبني إجراءات للتكيف عبر إنشاء مكاتب دعم للصادرات وتقديم حوافز للقطاعات المتضررة، خاصة في مجالات السيارات والزراعة. ومع أن هذه الإجراءات توفر حماية مؤقتة، إلا أن المردود الأكبر سيأتي من تعزيز القدرات الإنتاجية، وتطوير الصناعات المحلية، وزيادة القيمة المضافة للسلع المصدرة، بحيث تصبح المنافسة في الأسواق العالمية قائمة على الجودة والكفاءة لا على الامتيازات الجمركية، كما يمكن لهذه الأزمة أن تسرّع من وتيرة الاستثمار في البنية التحتية القارية – من موانئ وطرق وسكك حديدية – وربطها بمشاريع لوجستية تعزز التجارة البينية وتقلل الاعتماد على الأسواق البعيدة.

ختامًا، تضع الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة أفريقيا أمام لحظة فارقة في مسارها الاقتصادي والسياسي؛ فإما أن تظل أسيرة التشتت والانقسام، ما يجعلها عرضة لابتزاز القوى الكبرى، أو أن تستثمر هذه الأزمة كفرصة لإعادة تشكيل بنيتها الاقتصادية وتعزيز تكاملها الداخلي. الطريق نحو موقف تفاوضي قوي يبدأ من الداخل، عبر تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، وزيادة التجارة البينية، وتنويع الشركاء، وبناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة عالميًا. ورغم أن التحديات كبيرة، فإن الإرادة السياسية والتنسيق الاستراتيجي يمكن أن يحولا هذه “الصدمة الجمركية” من تهديد مباشر إلى نقطة انطلاق نحو استقلالية اقتصادية أكبر ومكانة تفاوضية أرفع للقارة في النظام التجاري العالمي.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى