الرئيسيةدراساتسياسية

“أزمة السويداء: تحليل متعدد الأبعاد من تفكك محلي إلى تصعيد إقليمي”

إعداد الباحثة : ليديا امير عدلي

في لحظة واحدة، تحوّلت السويداء من سكون نسبي إلى ساحة اشتباك مفتوح، تُرسم فيها خطوط صراع محلي تتقاطع مع حسابات إقليمية أكبر، حيث اندلعت الاشتباكات العنيفة في 13 يوليو 2025 /تموز بين مجموعات درزية وعشائر بدوية نتيجة تراكمات من الخطف والقتل المتبادل في ظل فراغ أمني مزمن. التدخل العسكري من قبل النظام السوري لاحتواء التصعيد قُوبل بمقاومة عنيفة، سرعان ما تحوّلت إلى مواجهات دموية غير مسبوقة

وبحسب تقرير حديث للشبكة السورية لحقوق الإنسان صدر بتاريخ 24 تموز/يوليو 2025، قُتل ما لا يقل عن 814 شخصاً وأُصيب أكثر من 903 آخرين في محافظة السويداء منذ اندلاع الاشتباكات في 13 تموزi. التقرير أشار إلى تصاعد كبير في أعداد الضحايا خلال أيام معدودة، مع تسجيل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في ظل غياب أي تدخل دولي فعّال أو مبادرة تهدئة جادة.

ومع توسّع رقعة الاشتباكات، لم تعد السويداء مجرّد ساحة توتر محلي، بل أضحت نقطة التقاء بين تفكك داخلي مزمن وتنافسات إقليمية حادة. تتجلّى ملامح هذا التحول في ثلاثة أبعاد متشابكة كبعدٌ محليّ تُحرّكه الهشاشة العشائرية والجغرافية، وبعدٌ وطنيّ يكشف ضعف الدولة المركزية وتآكل سلطتها في الجنوب، وبعدٌ إقليميّ تتقاطع فيه مصالح أطراف خارجية كإسرائيل وتركيا، ما يضع المنطقة على مسار تصعيد مفتوح

أولاً:- البعد المحلي: دوافع اندلاع الأزمة

يُغفل كثير من التحليلات البعد الجغرافي والعشائري للسويداء ، رغم كونهما من أبرز المفاتيح لفهم التوترات المتصاعدة في المنطقة حالياً. حيثُ أن يشكّل الدروز ما يقارب 90% من سكان السويداء قبل عام 2011، مقابل حوالي 7% من المسيحيين و3% من البدوii، ما يمنح المنطقة طابعًا ديموغرافيًا هشًا ومعرّضًا للانقسام.

تتجلى التوترات المحلية في ثلاث دوافع متشابكة تغذّي حالة الصراع

أولها التوتر الجغرافيالعشائري، حيث تتقاطع الحدود الإدارية بين ريف السويداء وريف درعا في مناطق مثل الحروبة والمقوس، مما يؤدي إلى صدامات متكررة على خلفية النزاع على الأراضي والمراعي. هذا التداخل الجغرافي ترافق مع تعارض في أنماط الحياة بين العشائر البدوية ذات النمط الرعوي المتنقّل، والمجتمع الدرزي الزراعي المستقر، مما حوّل الجغرافيا إلى عامل تفجير مباشر للصراع، خاصة في ظل الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب مؤسسات الدولة.

عزز هذا الواقع الانقسامي الطابع المذهبي للصراع، حيث ساهمت الفجوة الثقافية والدينية بين الدروز ذوي الهوية المذهبية المغلقة والبدو السنة، مقرونة بالرفض الاجتماعي المتبادل للاندماج أو التزاوج، في خلق بيئة من الإقصاء. وتفاقم البُعد الطائفي مع تصاعد الخطابات الدينية ذات الطابع الهوياتي، مثل خطاب الشيخ حكمت الهجريiiiاحد ابرز زعماء المجتمع الدرزي الذي عكس موقفًا حادًا تجاه أي محاولة للتدخل الخارجي أو فرض تسويات، معتبرًا أن ما يجري هو حرب إبادةتستوجب المقاومة بكافة الوسائل. وقد أسهم هذا الخطاب في نقل النزاع من حالة محلية إلى حالة انقسام طائفي علني، ترسّخ فيه الشعور بالتهديد الوجودي..

ترافق ذلك مع تضارب في الولاءات داخل البيئة المحلية، حيث تبنّت شرائح من المجتمع الدرزي مواقف معارضة للنظام السوري، بينما نسّقت بعض العشائر البدوية مع قوى موالية أو فصائل رديفة، مما أدى إلى خلق صراع نفوذ مسلّح متعدد الأطراف. وقد سمح غياب السلطة المركزية لكل طرف بفرض رؤيته الأمنية والسياسية على الأرض، فباتت خطوط التماس تحمل طابعًا مزدوجًا: مناطقيًا وطائفيًا.

وقد قادت التوترات الثلاثة المشار إليها الجغرافية، الطائفية، والسياسية إلى تداعيات إنسانية مباشرة، أبرزها موجات التهجير القسري التي عصفت بالمجتمع المحلي. فعلى الرغم من وصف السلطات وبعض الجهات الإعلامية لهذه التحركات بأنها نزوح مؤقتiv، فإن الوقائع الميدانية تعكس عملية تهجير قسري مكتملة الأركان، سواء من حيث دلالاتها النفسية والاجتماعية أو من حيث طابعها القسري المباشر. فالاضطرار إلى مغادرة المنازل تحت وطأة تهديدات أمنية وطائفية، ثم تركها عنوة دون ضمانات للعودة، يضع هذا النزوح في خانة الإجلاء القسري، حتى وإن تمّ تحت مسمى المؤقت“.

وفي هذا السياق، نقلت وكالة ANHA استنادًا إلى تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن إجمالي النازحين منذ بدء الأعمال العدائية حتى الآن بلغ 128,571 شخصًا، مضيفةً أن النزوح من محافظة السويداء ارتفع بشكل حاد في 19 يوليو/تموز، حيث نزح أكثر من 43,000 شخص في يوم واحد فقط vهذا التحوّل الكثيف والسريع في الحراك السكاني يُظهر حجم الضغط الذي تعرضت له المجتمعات المحلية، ويُسلّط الضوء على هشاشة مفهوم التعايش الطائفيفي ظل غياب أي ضمانات حقيقية للحماية المجتمعية أو دعم المؤسسات الرسمية.

ثانياً :-البعد الوطني/الأمني: حياد أم انحياز؟

يرتكز هذا البُعد حول سؤال جوهري من يملك زمام السيطرة على الجنوب السوري الدروز ام الشرع؟ هل تستطيع الحكومة الانتقالية بقيادة الشرع فرض سيادة مركزية؟ أم يفرض الشيخ حكمت الهجري الدور المحلي كمرجعية مستقلة للضبط السياسي؟ يكشف الموقف المتطرف للهجري عمق الانقسام بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية، في وقت تحاول الدولة إثبات وجودها عبر التدخل الأمني.

اعتمد الشرعيون على تدخل عسكري لاحتواء الأزمة في السويداء، لكن الحكومة وُوجهت بمقاومة شديدة من مسلحي طائفة الدروز. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسانvi ، بلغ عدد القتلى في 15 يوليو/تموز 2025 أكثر من 200 شخصاً، من بينهم 93 من قوات الأمن ، مما يبرهن على الخسائر التي مني بها النظام في محاولته فرض السيطرة.

وقد صدرت تصريحات واضحة عن الشيخ حكمت الهجري في يوم 16 يوليوvii، رافضًا الاتفاق الذي أعلن عنه شيخه يوسف الجربوع مع السلطات، وقال: بحسب مواقفه “لا يوجد أي تفاوض أو اتفاق مع هذه العصابات التي تزعم أنها حكومة”، مؤكدًا ضرورة الاستمرار في الدفاع حتى تحرير كامل تراب السويداء، معتبرًا أن استمرار القتال دفاعٌ شرعي لا يهاون فيه.

هذا الانقسام صوّر الدولة المركزية ضعيفة أمام التمثيل المحلي الطائفي، وفتح المجال أمام فرض ثلاثية واقعية: ضعف الدولة – سيطرة المحليات – أراضية صحراوية تعيد كتابة خريطة السيطرة.

ويبدو أن تدخل حكومة الشرع، بدلاً من أن يتسم بالحياد، جاء منحازًا ضد القوى المحلية الدرزية، مما ساهم في تأجيج الصراع بدلًا من احتوائه، ورسّخ الانقسام بدلًا من بناء جسور تفاهم.

ثالثاً :- البعد الإقليمي: السويداء كساحة لتصعيد الإقليمي

لم تعد أزمة السويداء أزمة محلية أو وطنية صرفة، بل تحوّلت خلال الأسابيع الماضية إلى ساحة مواجهة إقليمية مكتملة الأركان، تتقاطع فيها تدخلات علنية وأخرى غير مباشرة لقوى دولية كإسرائيل وتركيا. وقد أعادت هذه التحركات تشكيل معادلات النفوذ في الجنوب السوري، عبر أدوات محلية تنتمي للمكونات الطائفية والاجتماعية ذات الثقل في الإقليم.

برز في هذا السياق تحوّل السويداء إلى ساحة نزاع إقليمي بين طرفين؛ الأول تدعمه إسرائيل بشكل غير مباشر، متمثلًا في الزعامة الدرزية بقيادة الشيخ حكمت الهجري، الذي عززت سلطته المحلية نتيجة انسحاب المركز وتردده، فيما يقف الطرف الثاني متمثلًا بالحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، باعتبارها الجهة التي تسعى إلى بسط نفوذ مركزي معترف به دوليًا. هذا التموضع المتضاد أدى إلى خلق حالة استقطاب حادّ، زاد من هشاشة الوضع الميداني، وعزّز من إمكانية انزلاق الأزمة إلى صراع إقليمي علني.

وفي سياق آليات التدخل، أظهرت إسرائيل استعدادًا مباشرًا لتعميق وجودها السياسي والرمزي في الجنوب السوري، حيث قدّمت مساعدات إنسانية عاجلة للطائفة الدرزيةviii، شملت شحنات طبية نُقلت ليلًا إلى المستشفى الرئيسي في السويداء، والذي تعرّض للتدمير جراء الاشتباكات. وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية نيتها إرسال دفعات إضافية، تحت عنوان “التضامن مع الإخوة الدروز”.

هذا التحرك لم يكن محصورًا في الجانب الإنساني، بل تمثل هذه التحركات جملة من المصالح التي تدفع إسرائيل للتدخل في الجنوب السوري، وعلى رأسها كسب دعم الشريحة الدرزية في السويداء، بما يمنحها موطئ قدم استراتيجي داخل سوريا. كما تسعى لضمان حضور سياسي وعسكري يدعم مشروع ممر داود، الهادف إلى فصل مناطق النفوذ بين الجنوب (السويداء) والشرق (الرقة والحسكة). يرتبط هذا أيضاً بسعي إسرائيل لتوظيف علاقتها مع دروز فلسطين لدفع دروز سوريا نحو الحياد أو القبول بأمر واقع جديد، في ظل تراجع علاقتهم مع النظام. وضمن رؤيتها الأوسع، تعمل إسرائيل على إضعاف الدولة المركزية السورية، وتسهيل نشوء مناطق حكم ذاتي تُستخدم كوسيط جيوسياسي يبعد إيران وحزب الله عن حدودها.

بالمقابل، سعت الحكومة الانتقالية إلى فرض حضورها كممثل شرعي للدولة السورية الجديدة، من خلال الترويج لدورها في ضبط الأمن وإرسال قوافل إغاثة، إلا أن تلك القوافل تم منعها من الوصول إلى داخل المدينة، رغم التنسيق الرسمي مع بعض الجهات المحلية، ما يعكس مدى ضعف السلطة المركزية في فرض قراراتها داخل مناطق الأطراف. وتشير التقارير إلى أن التباين بين الرؤية المركزية والنخب المحلية عزّز من شعور الانفصال السياسي والاجتماعي في السويداء.

من جهة أخرىix، أبدت تركيا، رغم عدم تدخلها العسكري المباشر في السويداء، قلقًا بالغًا من تطورات الأزمة. تخشى أنقرة أن تتحول هذه التجربة إلى نموذج مُلهِم للقوى الكردية في شرق الفرات، ما يشكل تهديدًا لأمنها القومي. وقد عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن هذا القلق صراحة بقولهx: “أي جماعة تحاول تقسيم سوريا سنعتبرها تهديدًا مباشرًا وسنتدخل” .وقد تُفتح عدة سيناريوهات في هذا السياق، تتراوح بين دعم سياسي ولوجستي للحكومة الانتقالية، أو تنسيق أمني غير معلن مع دمشق في حال ازداد تهديد الفدرلةللجنوب، وصولًا إلى احتمال التدخل العسكريxi المباشر إذا تطورت الأمور إلى إقامة حكم محلي منفصل يكرّس التقسيم الجغرافي والسياسي..

ملاحظات ختامية

تُظهر أزمة السويداء تراكبًا معقّدًا لمستويات متعددة من الصراع، يبدأ من المستوى المحلي كاشتباكٍ بين طوائف متجاورة – الدروز والبدو – في سياق من التهميش والتوترات المتراكمة، ويمتد إلى مستوى وطني/سيادي، يتمثل في مواجهة مفتوحة بين المكوّن الدرزي المحلي والحكومة الانتقالية بقيادة الشرع، والتي فشلت في فرض سلطة مركزية مقبولة، وانكشفت محدودية قدرتها القتالية والتنظيمية خلال الأحداث.

أما على المستوى الإقليمي، فتتبلور ملامح صراع غير مباشر بين أطراف فاعلة إقليمية، حيث تميل تركيا إلى دعم مشروع استعادة المركزية عبر النظام، بينما تسعى إسرائيل، بشكل غير مباشر، إلى ضرب هذا المشروع عبر تغذية النزعات الانفصالية. هذه الأبعاد المتشابكة تُعقّد الأزمة، وتفتح الباب أمام احتمالات صراع بالوكالة تتجاوز السياق السوري الداخلي.وهنا يبرز تساؤل محوري هل ستنجح تركيا في إعادة إنتاج الحكم المركزي وتفكيك مشاريع الانفصال؟ أم تحقق إسرائيل هدفها في تقويض النظام الجديد بضربات استباقية؟

وفي كل الأحوال، فإن أي مبادرة جدية لحل النزاع يجب أن تنطلق من إدراك أن السويداء ليست مجرد هامش جغرافي، بل مركز أزمة دولة. فلا تسوية قابلة للحياة دون تفكيك بنية التمييز الطائفي واحتواء الموقف الوطني بدلاً من الانحياز، وردم فجوات العدالة والانقسام الجغرافي، وبناء دولة عادلة لكل مكوناتها..

i Syrian Network for Human Rights. “Update of Latest Toll: At Least 814 Syrians Have Been Killed and More than 903 Others Injured in Suwayda Governorate since July 13.” SNHR, July 24, 2025. https://snhr.org/blog/2025/07/24/update-of-latest-toll-at-least-814-syrians-have-been-killed-and-more-than-903-others-injured-in-suwayda-governorate-since-july-13/.

iiHeras, Nicholas. “Insight into Suwayda’s Position in the Syrian Situation.” The Washington Institute for Near East Policy. July 22, 2024. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/insight-suwaydas-position-syrian-situation.

iii Sheikh Hikmat alHijri, statement on facing a war of extermination,” North Press Agency, July 15, 2025, https://npasyria.com/en/127218/

ivAl-Assad, Rayan. “The Departure of Bedouin Families from Sweida Is ‘Temporary Displacement’.” Akhbar Alyawm News Agency, July 25, 2025. https://share.google/6IPlqAXU9I5XSeP7d.

v Al-Assad, Rayan. “The Departure of Bedouin Families from Sweida Is ‘Temporary Displacement’.” Akhbar Alyawm News Agency, July 25, 2025. https://share.google/6IPlqAXU9I5XSeP7d.

vi Syrian Observatory for Human Rights. “Suwayda Death Toll Climbs to 179 amid Continued Clashes.” Syrian Observatory for Human Rights, July 24, 2025. https://www.syriahr.com/en/366023/.

vii “Druze Leaders Divided over Suwayda Ceasefire as Rift Emerges after Bloody Clashes.” Kurdistan24, July 16, 2025. https://www.kurdistan24.net/en/story/852217/druze-leaders-divided-over-suwayda-ceasefire-as-rift-emerges-after-bloody-clashes.

viii JNS. “Israel Sends Aid to Syria’s Druze amid Tenuous Ceasefire.” Jewish News Syndicate (JNS), July 28, 2025. https://www.jns.org/israel-sends-aid-to-syrias-druze-amid-tenuous-ceasefire/.

ix الجزيرة نت. “تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا | سياسة.” الجزيرة نت, July 28, 2025. https://share.google/nIxc194pcViMYmEGM.

x Reuters. “Turkey says it will intervene against any attempt to divide Syria.” Reuters, July 22 2025. https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-says-it-will-intervene-against-any-attempt-divide-syria-2025-07-22/.

xiTRT عربي. “تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا.” TRT عربي, July 28, 2025. https://trt.global/arabi/article/963ba226b8c6.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى