رأي

صبري الديب يكتب.. يوم اخترت صدام حسين رئيسًا للعراق 

قبل الغزو الأمريكي للعراق بنحو 5 أشهر، وتحديدًا في أكتوبر عام 2002، تلقيت دعوة من وزارة الإعلام العراقية لتغطية أحداث الاستفتاء الرئاسي الأخير للرئيس الراحل “صدام حسين”، في رحلة امتدت 24 يومًا، شملت الأردن، والعراق، وسوريا، ولبنان، ثم سوريا مرة أخرى”، قبل العودة إلى القاهرة محملًا بكم هائل من الأحداث والأعمال الصحفية الدسمة، كان أبرزها ما دار خلال الاستفتاء على الرئيس العراقي.

وما إن حطت الطائرة في مطار الملكة علياء بالأردن، حتى استقبلني طاقم السفارة العراقية في عمّان بحفاوة، وقاموا باصطحابي إلى فندق القدس بمنطقة دوار المدينة، وهناك، علمت بأن تنسيقًا على مستوى القادة يجري بين العراق والأمم المتحدة، لتجنيب المدعوين مشقة السفر من عمّان إلى بغداد برًا، بحكم الحظر الجوي المفروض على العراق، والسماح لإحدى طائرات الخطوط الأردنية بكسر الحظر والهبوط في مطار بغداد.

وأذكر أنه قبل مغادرة عمّان بيومين، قام طاقم السفارة العراقية بمنح كل مدعو تذاكري طيران، الأولى للسفر من “عمّان إلى بغداد والعكس”، والثانية من “عمّان إلى القاهرة”. غير أنني أبلغتهم بأن وجهتي بعد الاستفتاء ستكون إلى دمشق، فتم استبدال تذكرتي الثانية بأخرى مفتوحة من “دمشق إلى القاهرة”، على أن أغادر من بغداد إلى دمشق برًا.

ورغم الكوارث الاقتصادية والعسكرية، والحصار، والعلاقات المتوترة التي كانت تغرق فيها العراق في ذلك الوقت، إلا إنني عندما وصلت بغداد، وجدتها قد انتفضت عن بكرة أبيها لتأييد الرئيس، الذي غطت صوره كل شبر في المدينة، وضجت الشوارع والميادين بالأغاني والموسيقى والمسيرات التي تهتف بحياة القائد، وتحولت جميع موجات وقنوات الإذاعة والتليفزيون الرسمية إلى أمسيات أشبه بسوق عكاظ شعرية مفتوحة، تمجد ليل نهار في مسيرة وحياة صدام.

وأذكر أنه قبل الاستفتاء بيومين، كنت أجلس في ساحة فندق “شيراتون عشتار” مع الدكتور “مظفر عبدالعال”، رئيس الإذاعة العراقية الأسبق والمستشار الإعلامي للسفارة العراقية بالقاهرة في ذلك الحين، وتطرق حديثنا بشكل عابر إلى مشقة الطريق البري الذي سأقطعه من بغداد إلى دمشق فور انتهاء الاستفتاء.

في صباح اليوم التالي، فوجئت بأمر لم أجد له تفسيرًا حتى اليوم، وتحديدا حينما طلبت الإذاعة الداخلية بالفندق ضرورة حضوري إلى الاستقبال، وهناك سلمني الموظف خطابًا وجدته من السيد “طارق عزيز”، نائب رئيس الوزراء العراقي، موجَّهًا إلى خطوط صقر الخليج، يأمر فيه باستخراج تذكرة سفر لي من بغداد إلى دمشق على الدرجة الممتازة.

ورغم العلاقة الطيبة التي كانت تربطني بالسيد طارق عزيز، بحكم اللقاءات التي جمعتنا منذ أن كان وزيرًا للخارجية، إلا إنني ما زلت أتعجب من كيفية علمه بالأمر، وهو ما دعاني حينها للتوجه مباشر إلى الدكتور عبدالعال للاستفسار عما حدث، غير أن الرجل أصيب بالدهشة أيضًا، وأكد أنه لم يتحدث في هذا الأمر على الإطلاق، ولا يعلم كيف وصل الأمر إلى السيد طارق عزيز. غير أنه أمر أحد موظفي وزارة الإعلام بمنحي نسخة من الخطاب ــ الذي لا أزال أحتفظ بها حتى اليوم ــ والتوجه إلى خطوط صقر الخليج لإحضار التذكرة.

وفجر يوم الاستفتاء، انتفضت العراق عن بكرة أبيها لتأييد صدام حسين، حيث امتلأت الشوارع بالسرادقات والأعلام، وضجت الساحات بالأغاني والهتافات، وعمت الأزياء المزينة بالعلم العراقي وصور الرئيس ملابس الشيوخ قبل الأطفال، في الوقت الذي شهدت فيه جميع لجان الاقتراع فعاليات غير طبيعية، سواء في شكل الاحتفالات أو التصويت.

لدرجة أنني رأيت مواطنًا عراقيًا في إحدى اللجان أراد أن يستعرض مدى حبه للرئيس أمام كاميرات وعدسات المصورين، فوضع زراعة على منضدة، وأمسك بساطور، وأخذ يضرب يده بهوس، إلى أن اندفع الدم من كل أجزائها بشكل مرعب، وأخذ يضع الدم على ورقة الاستفتاء، وكتب به على علم العراق “أبايعك بدمي يا صدام”، وسط تصفيق وهتافات صاخبة من الجميع.

ولأن الفوضى كانت العنوان الأمثل الذي ساد جميع لجان الاقتراع، ورغم أنني مصري ولا يحق لي المشاركة في الاستفتاء، فقد تعمدت في كل لجنة دخلتها اختبار مدى مصداقية الحدث، والتوجه إلى رئيس اللجنة وطلب المشاركة والحصول على بطاقة أو أكثر من بطاقات الاستفتاء. وقمت بالفعل بالتصويت بالرفض تارة، والقبول تارة أخرى، بل وإخفاء عدد من أوراق الاستفتاء ــ لا أزال أحتفظ ببعضها حتى اليوم ــ وهو ما كاد يتسبب لي في أزمة مع الأمن العراقي داخل إحدى اللجان، بعد أن لمحني بعض ضباط التأمين وأنا أقوم بوضع إحدى أوراق الاستفتاء في حقيبتي.

ولتدارك الأمر، توجهت بسرعة إلى منضدة في أول اللجنة، وأخرجت الورقة، وكتبت على ظهرها “مبايعة للرئيس باسم الإعلاميين العرب”، وسلمتها، وسط رصد من الضباط، إلى أحد المرافقين العراقيين، الذي ذهب بالورقة على الفور إلى مقر الإذاعة الداخلية، وتلا محتواها وسط تصفيق وتهليل من مئات العراقيين داخل اللجنة وخارجها.

وظهر اليوم التالي، كان موعدنا مع نتيجة الاستفتاء، حيث تحركنا إلى قصر المؤتمرات بمنطقة كرادة مريم، لحضور المؤتمر الصحفي الذي سيعقده نائب رئيس الجمهورية “عزة الدوري” لإعلان النتيجة، وسط حالة من الترقب والاستنفار الأمني اللذين سيطرا على الشارع العراقي منذ الصباح، بشكل أوحى بأن النتيجة قد تحمل مفاجأة تستدعي كل ذلك القلق، وما هي إلا دقائق، حتى خرج “عزة الدوري” وأعلن ما لم يتوقعه الجميع، ألا وهو “حصول الرئيس العراقي على نسبة 100% من مجموع أصوات المشاركين، الذين بلغت نسبة مشاركتهم أيضًا 100%”.

وفاز صدام حسين بالاستفتاء، وحصل على النسبة الأعلى بين رؤساء الجمهوريات في العالم على الإطلاق، بعد أن ذهبت نتائج الفرز بكل أوراقي التي وضعتها في صناديق الاقتراع بـ”عدم الموافقة”.. لأحمل حقائبي في صباح اليوم التالي إلى مطار بغداد، في طريقي إلى دمشق، لتجمعني جلسة ولا أروع داخل صالة كبار الزوار بوزير التخطيط العراقي والمطربة السورية أصالة نصري، كانت مسك ختام الزيارة.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى