صبري الديب يكتب.. هلاوس حريم المحروسة

أجزم أن مصطلحات “القهر، والاضطهاد، والعنف” تحولت إلى هلاوس نفسيه، لدى قطاع عريض من السيدات، لدرجة أنها باتت تستدعي تدخلًا طبيًا لعلاجهن من عقد لا وجود لها في الواقع، لا سيما بعد أن اختفى نموذج “سي السيد” من المجتمع المصري، ووصلت المرأة عمليًا إلى قمة المناصب القيادية في مختلف قطاعات البلاد.
غير أنه يبدو أن المرأة ستظل هي المرأة تطاردها الهلاوس التي تدعمها ناشطات وجمعيات ومنظمات نسوية، تفسير أغلب القضايا التي تتعلق بالمرأة بمنطق المؤامرة وعقدة الاضطهاد.
بدليل الهجوم الحاد الذي شنته ناشطات في حقوق المرأة على أحد سائقي وسائل النقل الذكي، لمجرد أنه تجرأ وأقدم على منع فتاة من تناول مشروب كحلي داخل سيارته، وهو ما اعتبرته الناشطات “حرية شخصية”، وأن ما قام به السائق نابع من عقدة أزلية يعاني منها الرجال في مصر، تجعلهم يجدون متعة في اضطهاد المرأة، وأن رد فعل السائق كان سيختلف لو أقدم شاب على تناول البيرة داخل السيارة.
ورغم تقديري لكل الآراء – غير المنطقية – التي طرحتها السيدات والناشطات الموقرات، إلا أنني أؤكد أن شعارات الاضطهاد والاستعباد، باتت مجرد “هلاوس نفسيه” لا وجود لها على أرض الواقع منذ سنوات، بحكم الرقي والتطور الذي شهدته المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، مع الاعتراف بوجود استثناءات محدودة في مجتمعات بعينها.
ورغم كل ما سبق، ولأنني أنشد الخلاص لكل اللاتي يشعرن بالاضطهاد والقهر من نساء مصر الفاضلات، فإنني أدعوهن للخلاص، وتكرار ذات النموذج “قرية بلا رجال” التي أقامتها مجموعة من المطلقات، والأرامل، ومن لديهن مشاكل اجتماعية في منطقة “سري كانيه” التابعة لمدينة “درباسية” في شمال سوريا.
وهي القرية المخالفة للطبيعة، التي كان لي شرف زيارتها قبل نحو 5 سنوات، والاطلاع على دستورها العبقري، الذي يقضي بأنه لا مكان لرجل بالقرية، وأن مجرد إقامة علاقة حب أو زواج تعد بمثابة جريمة تستوجب الطرد من القرية، والعيش في عذاب والاستعباد والاضطهاد، برفقه رجل من الأشرار.
ولأن راحة سيدات مصر تهمنا جميعًا، فإنني أؤكد أن الفكرة التي وجدت كل ترحاب ودعم من المسؤولين في شمال سوريا، ستجد كل دعم وترحاب من الساسة في مصر، لا سيما وأن تكلفة إقامته القرية بسيط للغاية، حيث تم تشييدها على شكل مثلث مكون من 30 منزلًا من الطوب اللبن، إلى جانب مستودع لتخزين المواد الغذائية، ومدرسة، وأكاديمية للعلوم النسائية، ومستشفى للطب البديل، ومتحف يضم كل ما يتعلق بالمرأة.
ولأن الفكرة غريبة، وتم إقامتها على ذات “الهلاوس النفسية” التي تدعي الاضطهاد والاستعباد واستغلال الرجال، فإن فلسفة القرية – طبقا لما قالت لي المسؤولة الأولى عنها – تقوم على ضرورة موافقة امرأة أو فتاة على أنه لا مكان للرجال أو السلطة الذكورية بالقرية، وإذا رغبت أي منهن في الحب أو الارتباط، فعليها الخروج من القرية على الفور”.
للأسف، هكذا صار حال الأغلبية العظمى من النساء العرب، وهكذا صارت “عقدة الاضطهاد” الأزلية لديهن، رغم ما وصلن إليه من سيطرة ونفوذ وتجبر داخل المنازل وخارجها، وكأنهن أدمنَّ لذة هلاوس الاضطهاد والاستعباد من رجال مساكين لا يمتلكون من أمرهم سوى التضرع إلى الله والدعاء على كل ظالم.. وكفى.



