الإلحاد المُوَلَّد بالذكاء الاصطناعي: دوره في تطور حروب الإدراك والصراع الأيديولوجي وأثره على الأمن القومي

إعداد – دكتور/ أحمد البدوي سالم محمد سالم
أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في كلية أصول الدين المنوفية – جامعة الأزهر، زميل كلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية.
يشهد العالم تحولًا غير مسبوق بسبب الثورة الرقمية والانتشار غير المحدود لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما تشهده من تطوير وتحسين ذاتي، واستخدام اللغات الكبيرة LLMs، بالإضافة إلى تطور استخدامات منصات التواصل الاجتماعي والتي لم تعد مجرد وسائط لنقل المعلومات، بل أصبحت بيئات لتشكيل الهويات، ومسرحًا لحروب الإدراك أو الحروب المعرفية، وتشكيل القيم وتفكيك الهوية والانتماء الديني والوطني.
لقد برزت مصطلحات جديدة مثل: الإلحاد المُوَلَّد بالذكاء الاصطناعي والإلحاد الرقمي والإلحاد الخوارزمي بوصفها ظاهرة تتجاوز مجرد عرض الأفكار الإلحادية عبر الإنترنت إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها الخوارزميات، وأنظمة التوصية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد القائم على تسليع الإنسان، وعزلته عن واقعه، فلم تعد المنصات والخوارزميات تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل أصبحت طريقة وأداة فعالة لإعادة تشكيل الهوية الدينية والانتماء، والتماسك الاجتماعي بطرق قد تكون معززة أو مُضعِفة، بحسب السياق ونوع الاستخدام والتوجيه المباشر وغير المباشر وعمليات التحكم والسيطرة على المستخدم.
ومن ثم أصبحت حروب الإدراك (Cognitive Warfare) أحد أبرز أنماط الصراع في القرن الحادي والعشرين؛ إذ تستهدف التأثير في إدراك الإنسان وقيمه وقراراته عبر المعلومات والتقنيات الرقمية، بما يجعل المجال المعرفي نفسه ميدانًا للمنافسة والتأثير، وقد تجلى ذلك فيما يعرف بالإلحاد المُوَلَّد بالذكاء الاصطناعي، والذي يعرف بأنه: مجموعة الممارسات والخطابات والأنشطة الإلحادية التي تُنتج أو تُنشر أو تُروج أو يُوصى بها داخل البيئات الرقمية باستخدام المنصات الإلكترونية والخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي يعد أخطر من الإلحاد التقليدي، فأصبح الإلحاد الرقمي يشهد رواجًا في البيئة الرقمية، وتزداد خطورته في قدرة التطبيقات الذكية في تطوير منتجها الإلحادي ذاتيًّا، واستخدام التحليل النفسي للوصول إلى المستهدف بناء على تحليل قدراته وخلفيته الدينية وجنسيته وسنه، ومن ثم يختلف الإلحاد الرقمي عن الإلحاد التقليدي في عدة جوانب منها: الانتشار العالمي، وانخفاض تكلفة إنتاج المحتوى، وسرعة التفاعل والوصول المباشر إلى الجمهور، والقدرة على التحسين الذاتي، والاستفادة من قواعد البيانات الضخمة، وسرعة تحليلها، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص والصور والمقاطع المسموعة والمرئية، بل وتوليد نصوص دينية.
كما أصبحت الخوارزميات فاعلا رئيسًا في إعادة تشكيل الوعي الديني، والذي أصبح يتأثر بعدة عوامل متداخلة، منها: الانتقال من المرجعيات التقليدية إلى المنصات الرقمية، وتنوع مصادر المعرفة، وإتاحة المحتوى الرقمي، كما أثرت التطبيقات الذكية في تنامي ظاهرة الاغتراب النفسي والشعور بالعزلة وفقدان الانتماء بما يجعل المستخدم -وهو على هذا الحال- هدفًا لقناصة حروب الإدراك، وعرضة للاستقطاب، والسخط على المجتمع، وإذا لم يكن عند الفرد المناعة الشخصية والدينية والأسرية، والوعي باستخدام تلك المنصات لصار موجهً ضد نفسه ومجتمعه، ووطنه، بما يؤثر على الأمن القومي،
كما تأثرت الأسرة بالتطور التكنولوجي بسبب اختلاف أنماط الاستهلاك للمعلومات، وتراجع الحوار المباشر، وتعمد إسقاط الرموز، وزيادة الوقت الذي يقضيه الأفراد أمام المنصات الرقمية، وانتقال النقاشات الدينية والفكرية إلى المنصات.
لقد أصبحت الخوارزميات الذكية عنصرًا مؤثرًا في تشكيل البيئة المعلوماتية التي يتعرض لها الأفراد، من خلال تحليل أنماط السلوك الرقمي وترتيب المحتوى واقتراحه وفقًا لمعدلات التفاعل والتوجيه، ومع تطور حروب الإدراك التي تستهدف التأثير في إدراك الإنسان وقيمه واتجاهاته عبر الأدوات الرقمية، باتت المنصات الإلكترونية مجالًا للتنافس على تشكيل الوعي وإعادة بناء المرجعيات الفكرية والدينية. وقد تسهم هذه البيئة – في ظل تفاعلها مع عوامل نفسية واجتماعية وثقافية متعددة- في الاغتراب النفسي، وإضعاف الإحساس بالانتماء، وتراجع الحوار الأسري إذا غابت آليات التوجيه والوعي الرقمي، الأمر الذي يستدعي ضرورة التصدي لهذا الخطر الذي أصبح يمثل تهديدًا للأفراد والمجتمعات والهوية الدينية، والقيم، وأنه لا يستهدف الإسلام فحسب بل إنه أصبح خطرًا موجهًا لجميع الأديان خصوصًا الأديان التوحيدية الإسلام والمسيحية واليهودية.



