رأي

صبرى الديب يكتب.. التوافه

للأسف، الواقع على الأرض يؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت خلال السنوات الأخيرة، بفعل فاعل، من منصات للتواصل والتعبير الحر عن الآراء والمعتقدات، إلى ميادين للسب، والقذف، والتشهير، والتشكيك، وتضليل الرأي العام، وتقديم توافه في صورة نجوم، بعد أن أصبح يتحكم في محتواها “جيوش إلكترونية” سخرتها حكومات وشركات وكيانات وشخصيات عامة، للقيام بمهام أقل ما يقال على أغلبها إنها قذرة.

غير أن ما يدعو للحزن، أن تلك الجيوش قد نجحت منذ استخدامها لأول مرة في مصر في عام 2009 وحتى اليوم، من خلال شركات تخصصت في هذا الأمر، في توجيه وتضليل الرأي العام المصري في كثير من القضايا، والتدخل بشكل سافر في تشويه وتلميع شخصيات عامة، وتقديم توافه غير ذوي حيثية في صورة نجوم، من خلال آلاف الحسابات الوهمية.

المبكي، أنه بات لتلك الجيوش سطوة غير طبيعية على الرأي العام، منذ بدأت الاستعانة بها لأول مرة قبل 15 عامًا للترويج لترشح جمال مبارك رئيسًا للجمهورية، وصلت في الوقت الحالي إلى حد أنها باتت تتولى حماية شخصيات “سياسية وفنية وإعلامية ورياضية ورجال أعمال”، لدرجة أنه لم يعد باستطاعة وسائل الإعلام الاقتراب من بعضهم ولو بالتلميح، وإلا ستواجه بسيل من الشتائم والبلاغات، لا تمتلك معها سوى الاستسلام.

وهو الأمر الذي استفز إدارة موقع “فيس بوك” ودفعها على مدار السنوات الماضية إلى إغلاق آلاف الحسابات والصفحات والمجموعات الوهمية في مصر، بعد تورط شركات تخصصت في التسويق الإلكتروني في تأسيسها، بل إعلان شركة “سوشيال بيكرز” المتخصصة في مراقبة أداء مواقع التواصل، في أكثر من مناسبة، أن مصر تعتبر من أكبر دول العالم امتلاكًا للحسابات الوهمية التي يتم استخدامها للقرصنة، وثاني أكثر الدول نشاطًا على موقع “فيس بوك”.

المؤسف، أن الكتائب الإلكترونية تحولت في مصر فعليًا إلى كارثة، استخدمها كثير من الشخصيات والكيانات كسلاح لحماية أنفسهم ومصالحهم، لدرجة أن الأمر وصل إلى حد استعانة وزيرة سابقة في حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بجيش إلكتروني للتسويق لإنجازاتها، لدرجة أنها كانت تتدخل بشكل مباشر لاختيار صورها التي يتم نشرها، كما استعان وزير سابق بحكومة الدكتور مدبولي أيضًا، بذات الكتائب، للتسويق لإنجازاته قبل التغيير الوزاري قبل الماضي، وبعد بقائه في منصبه اختلف مع قائد تلك الكتائب على قيمة المبلغ المتفق عليه كمقابل للحملة.

المثير، أن عدوى الاستعانة بالكتائب الإلكترونية وصلت منذ سنوات إلى رجال الأعمال، وتحديدًا حينما بدأها ثري مصري شهير، لتقديم نفسه للرأي العام في صورة رجل الخير المنحاز للفقراء، رغم امتلاكه في ذلك الحين لأحد أكبر القلاع الصناعية، إلى جانب الصحيفة والمواقع الإلكترونية الأشهر في مصر.

العجيب أن الكارثة طالت حتى الإعلاميين، وتحديدًا حينما استعانت إعلامية مثيرة للجدل بتلك الجيوش، للسيطرة على رد الفعل الجماهيري الغاضب من برامجها، ونجحت في تصدير نفسها للعامة حينها، في صورة سيدة الخير المريضة التي تحتاج إلى تعاطف ودعوات الملايين.

المحزن أن أمر الكتائب الإلكترونية في مصر يتسع، ووصل إلى حد استعانة اثنين من كبار المطربين بهم، لحسم الصراع على لقب “نجم الجيل”، لدرجة أنه من ترف إنفاقهما على الجيوش، بات من الصعب على أي موقع أو صحيفة الاقتراب من أحدهما، خوفًا من الحملات المضادة والعنيفة، التي لا تخلو من الشتم والسب والتشويه.

يبقى القول، إنه رغم اقتراب أحد هذين الفنانين من سن السبعين، وإصراره على الظهور في صورة “الشاب الروش”، إلا أنه بات محصنًا ضد النقد بفعل حماية الكتائب والحسابات الوهمية.. وهكذا تدار مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وهكذا يتم صناعة التوافه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى