د. أحمد الشريف يكتب.. لماذا تتقدم الدول؟

الإنسان والمؤسسة وصناعة الدولة المتقدمة. . . . ليست الدول متقدمة لأنها تمتلك ثروات أكثر من غيرها ولا لأنها تمتلك مساحات أكبر أو موارد طبيعية أكثر وإنما تتقدم الدول عندما تستطيع تحويل ما تملكه من موارد وإمكانات إلى قيمة حقيقية تعود بالنفع على المواطن والمجتمع والدولة. وقد تمتلك دولتان موارد متقاربة ومع ذلك نجد فارقًا كبيرًا في مستوى التنمية والاستقرار وجودة الحياة بينهما. وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
ما الذي يجعل دولة تتقدم وأخرى تتعثر؟ في رأيي المتواضع هناك مجموعة من العوامل المرتبطة بالمواطن من ناحية وبالقائمين على المؤسسات من ناحية أخرى وهي التي تصنع الفارق الحقيقي بين الدول. فالدولة المتقدمة هي التي تنجح في بناء مواطن يشعر بالولاء والانتماء ويحترم القانون ويلتزم به ويحافظ على هوية وطنه ويمتلك وعيًا يمكنه من التمييز بين الحقائق والشائعات ويؤمن بأن دوره في بناء وطنه لا يقل أهمية عن دور مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى مؤسسات قوية وفعالة يديرها أشخاص يمتلكون الكفاءة والنزاهة والرؤية ويعملون وفق القانون ويضعون المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية. ومن هنا يمكن القول:
إن تقدم الدولة يبدأ بالإنسان ويتحول إلى واقع من خلال المؤسسة ويستمر بالقانون والوعي وحسن استثمار الموارد. —
أولًا: المواطن هو نقطة البداية
لا يمكن بناء دولة قوية بمؤسسات قوية فقط إذا كان المواطن بعيدًا عن الإحساس بالمسؤولية. فالمواطن ليس متلقيًا للخدمات فقط وإنما هو شريك في صناعة المستقبل. ويظهر ذلك في مجموعة من القيم الأساسية، أهمها:
– الولاء للوطن. – الانتماء الحقيقي وليس مجرد الشعارات. – احترام القانون. – الالتزام بالواجبات إلى جانب المطالبة بالحقوق. – المحافظة على الممتلكات العامة. – احترام الآخرين. – العمل والإنتاج. – استثمار الوقت. – الإبداع والابتكار. – المشاركة الإيجابية في المجتمع. فكل سلوك إيجابي يقوم به المواطن يمثل لبنة في بناء الدولة، وكل سلوك سلبي متكرر قد يتحول إلى مشكلة عامة تستنزف موارد المجتمع. ثانيًا: الولاء والانتماء
الولاء والانتماء ليسا كلمات تردد في المناسبات الوطنية وإنما هما سلوك يومي. المواطن المنتمي هو الذي يرى أن نجاح وطنه جزء من نجاحه وأن الحفاظ على مقدرات الدولة مسؤولية مشتركة. والانتماء الحقيقي يظهر عندما:
نحافظ على وطننا عندما لا يرانا أحد ونلتزم بالقانون حتى عندما نستطيع مخالفته ونؤدي عملنا بإخلاص حتى عندما لا توجد رقابة. وهنا يتحول الانتماء من مشاعر إلى ممارسة. ثالثًا: سيادة القانون
لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة دون قانون. لكن الأهم من وجود القوانين هو احترامها وتطبيقها بعدالة وفاعلية. فسيادة القانون تعني أن القانون هو المرجعية التي تحكم علاقة المواطن بالمؤسسات وأن الحقوق والواجبات لا تتغير وفق الأشخاص أو المصالح. كما أن تنفيذ القانون بصورة عادلة يعزز الثقة في الدولة ويقلل الفوضى ويحمي الحقوق ويخلق بيئة أكثر استقرارًا للعمل والاستثمار والإبداع. ولهذا فإن:
القانون الذي لا يُحترم يفقد أثره والقانون الذي لا يُنفذ يفقد هيبته والقانون الذي يطبق بعدالة يصبح أحد أهم أدوات بناء الدولة. رابعًا: المؤسسة هي عقل الدولة التنفيذي
إذا كان المواطن هو نقطة البداية فإن المؤسسة هي الأداة التي تحول الأفكار والسياسات إلى واقع. والمؤسسة الناجحة تحتاج إلى:
1. قيادة واعية. 2. كوادر مؤهلة. 3. وضوح في الاختصاصات. 4. نظم عمل واضحة. 5. محاسبة حقيقية. 6. سرعة في اتخاذ القرار. 7. استخدام التكنولوجيا. 8. إدارة رشيدة للموارد. 9. القدرة على الابتكار. 10. تقييم مستمر للنتائج. ولا يكفي أن يكون لدينا موظفون يؤدون أعمالهم بصورة روتينية وإنما نحتاج إلى مؤسسات تتعلم وتتطور وتستشرف المستقبل. خامسًا: الضمير. . الرقابة التي لا تحتاج إلى حارس
هناك قوانين ولوائح ورقابة لكن أعظم أشكال الرقابة هو الضمير. فالضمير الوطني يجعل الإنسان يؤدي واجبه حتى في غياب الرقابة ويحافظ على المال العام كما يحافظ على ماله الخاص ويرفض استغلال موقعه لتحقيق منفعة شخصية على حساب المجتمع. ومن هنا فإن بناء الدولة لا يحتاج فقط إلى بناء مؤسسات وإنما يحتاج أيضًا إلى بناء الإنسان من الداخل. سادسًا: الحفاظ على الهوية
الدولة التي تريد أن تتقدم لا ينبغي أن تتخلى عن هويتها. التقدم لا يعني تقليد الآخرين في كل شيء وإنما يعني الاستفادة من تجارب العالم مع الحفاظ على الشخصية الوطنية والقيم والعادات والتقاليد الإيجابية. والهوية ليست عائقًا أمام التطور بل يمكن أن تكون مصدرًا للقوة والثقة والتميز. ولهذا يجب أن نربي الأجيال الجديدة على معادلة متوازنة:
نأخذ من العالم أفضل ما لديه ونحتفظ من هويتنا بأفضل ما لدينا، ونصنع من الاثنين مستقبلنا الخاص. سابعًا: الاستثمار الإبداعي في الثروات
قد تمتلك الدولة ثروات طبيعية وبشرية وموقعًا جغرافيًا متميزًا ولكن السؤال الأهم:
كيف نستثمر هذه الثروات؟ الثروة التي لا تُستثمر بصورة صحيحة قد تتحول إلى فرصة ضائعة. أما الاستثمار الإبداعي فيعني البحث عن طرق جديدة لتحويل الموارد إلى مشروعات ومنتجات وخدمات وفرص عمل وقيمة مضافة. وهنا يجب ألا ننظر إلى الثروة باعتبارها فقط:
بترولًا أو غازًا أو ذهبًا أو أرضًا أو أموالًا. فالثروة تشمل أيضًا:
– الإنسان. – الشباب. – العقول. – المعرفة. – التكنولوجيا. – الموقع الجغرافي. – التراث. – الثقافة. – السياحة. – البيانات. – الأفكار والابتكارات. – القدرة على الإنتاج. وأحيانًا يكون أعظم مورد تمتلكه الدولة هو العقل القادر على اكتشاف موارد جديدة لم تكن ظاهرة من قبل. ثامنًا: الشباب والثروة البشرية
الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية وإنما هم ثروة وطنية وقوة إنتاجية وقادة المستقبل. ولهذا فإن الاستثمار في الشباب يجب ألا يتوقف عند التعليم التقليدي وإنما يجب أن يشمل:
التدريب + الوعي + اكتشاف الموهبة + تنمية المهارات + القيادة + الابتكار + ريادة الأعمال + المشاركة المجتمعية. فالشاب الذي ننجح في بناء وعيه وقدراته اليوم قد يصبح بعد سنوات قائدًا أو عالمًا أو مستثمرًا أو مخترعًا أو مسؤولًا يصنع فارقًا في مستقبل الدولة. تاسعًا: العلاقة بين المواطن والمؤسسة
لا يمكن أن تنجح الدولة إذا كانت العلاقة بين المواطن والمؤسسة قائمة على الصراع أو عدم الثقة. المطلوب هو بناء علاقة تقوم على:
الاحترام المتبادل + القانون + الشفافية + المسؤولية + التواصل + المشاركة. المواطن يحتاج إلى مؤسسة تسمعه وتحترم حقوقه والمؤسسة تحتاج إلى مواطن واعٍ يحترم القانون ويدرك مسؤولياته. ومن هنا تأتي أهمية التواصل المستمر بين الدولة والمجتمع. عاشرًا: الدولة المتقدمة ليست دولة بلا مشكلات
لا توجد دولة في العالم بلا تحديات. والفارق الحقيقي ليس في غياب المشكلات وإنما في قدرة الدولة والمجتمع على اكتشاف المشكلات والتعامل معها وتحويل الأزمات إلى فرص للتطوير. الدولة القوية هي التي:
– تتعلم من أخطائها. – تستفيد من تجاربها. – تستشرف المستقبل. – تستثمر في الإنسان. – تطور مؤسساتها. – تحافظ على هويتها. – تحسن إدارة مواردها. – تشجع الإبداع. – تجعل القانون فوق الجميع. المعادلة المقترحة للدولة المتقدمة
يمكن تلخيص الفكرة في معادلة بسيطة:
مواطن واعٍ
+
مؤسسة كفؤة
+
سيادة القانون
+
هوية راسخة
+
ضمير وطني
+
إدارة رشيدة
+
استثمار إبداعي للثروات
+
علم وتكنولوجيا وابتكار
دولة قوية ومتقدمة ومستدامة
الخاتمة
إن بناء الدولة المتقدمة ليس مشروع حكومة وحدها ولا مسؤولية مؤسسة بعينها وإنما هو مشروع مجتمع كامل. الحكومة تضع السياسات والمؤسسات تنفذ والمواطن يشارك والشباب يجددون والعلماء يبتكرون والمستثمرون يحولون الأفكار إلى مشروعات والقانون ينظم العلاقة بين الجميع. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس:
ماذا تمتلك الدولة؟ وإنما:
ماذا تفعل الدولة بما تمتلكه؟ وكيف تستثمر الإنسان والموارد والمعرفة لصناعة المستقبل؟ فقد تبدأ نهضة الدولة من مورد طبيعي ولكن استمرارها يعتمد على الإنسان. وقد تبدأ التنمية بمشروع ولكن استدامتها تعتمد على المؤسسة. وقد تضع الدولة القوانين ولكن نجاحها يعتمد على احترام المواطن والمؤسسة لها. وفي النهاية:
الدول لا تتقدم فقط بما تملكه من ثروات وإنما بما تملكه من إنسان واعٍ ومؤسسات قوية وقانون نافذ وضمير حي وقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات. وهذه هي صناعة الدولة المتقدمة.



