رأي

د. فرج بوخروبة يكتب.. أمةٌ اكتفت بأن تكون عظيمة!!

ثمة لحظة في حياة الأمم يصبح فيها الحديث عن الماضي نوعاً من الهروب منه، لا وفاءً له. وأخشى أننا بلغنا هذه اللحظة منذ زمن، من غير أن نجرؤ على الاعتراف بها. فما أكثر ما نستعيد بغداد وقرطبة، ونستحضر الخوارزمي وابن الهيثم وابن رشد، ونذكّر بأن علومنا عبرت إلى أوروبا وأسهمت في تشكيل نهضتها، ثم ننظر إلى حاضرنا وكأن هذه الشهادة التاريخية ما زالت تمنحنا مكاناً في العالم. لكن العالم لا يوزع مكانته على أساس ما كانت عليه الأمم، وإنما على أساس ما تملكه الآن من أسباب القوة. والتاريخ لا يمنح أحداً حقاً دائماً في المستقبل. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس ماذا قدم أجدادنا للبشرية؛ فهذا باب واسع من المعرفة، وإنما ماذا نقدم نحن للبشرية اليوم بحيث يصبح غيابنا خسارة، وحضورنا إضافة، ورأينا جزءاً من صناعة القرار؟

المفارقة أن الذين صنعوا حضارتنا لم يكونوا أسرى ماضيهم كما نحن أسرى ماضينا. حين انفتحوا على علوم اليونان والفرس والهند، لم ينشغلوا كثيراً بإثبات أن المعرفة عربية أو غير عربية؛ أخذوا ما وجدوه صالحاً، وترجموه، ونقدوه، وأضافوا إليه، ثم خرج من بين أيديهم علم جديد. كانوا ينظرون إلى المعرفة بوصفها مادة للبناء، لا قطعة أثرية للعرض. أما نحن فقد انقلبت المعادلة في أحيان كثيرة: نستورد التقنية ثم نفتخر بأننا نعيش العصر، ونستخدم منتجات المعرفة ثم نتحدث عن السيادة، ونملأ الجامعات بالشهادات ثم نتساءل لماذا لا تنتج اختراعاً، ونحتفي بالعقول العربية حين تنجح في الخارج بينما نعجز عن توفير البيئة التي تجعل نجاحها ممكناً في أوطانها. وليس الاستيراد عيباً في ذاته؛ فالحضارات تتبادل وتتعلم، وإنما الخطر أن يصبح الأخذ بديلاً عن القدرة على الإضافة، وأن نعتاد موقع المستهلك حتى يبدو لنا موقع الصانع حلماً بعيداً.

ومن هنا أظن أن مشكلتنا لم تعد في الجهل بما ينبغي فعله. لقد قيل في إصلاح التعليم والبحث العلمي والاقتصاد والتنمية ما يكفي لملء مكتبات كاملة، ونعرف أن الجامعة لا تقاس بعدد مبانيها، وأن البحث العلمي ليس ترفاً، وأن التكنولوجيا ستعيد توزيع القوة، وأن الاقتصاد الذي لا ينتج المعرفة سيبقى تابعاً لمن ينتجها. ومع ذلك لا يتحول هذا الإدراك إلى فعل بالقدر الذي يتطلبه حجم التحدي. كأننا تعلمنا كيف نصف المرض، وأصبحنا بارعين في كتابة التقارير عنه، لكننا فقدنا الإرادة التي تجعل العلاج ممكناً. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن التأخر حين يطول لا يبقى مجرد نتيجة لظروف سياسية أو اقتصادية، وإنما يتحول شيئاً فشيئاً إلى طريقة في النظر إلى العالم وإلى أنفسنا.

لقد اعتدنا أن نبرر عجزنا أكثر مما نرفضه. لا شك أن الاستعمار ترك آثاراً عميقة، وأن التدخلات الخارجية والصراعات الدولية أسهمت في إضعاف المنطقة وإعادة تشكيلها وفق مصالح الآخرين، ولا يمكن قراءة حاضرنا من دون فهم ذلك كله. لكن التاريخ يفسر ولا يعفي. والمشكلة تبدأ حين يتحول الخارج إلى إجابة نهائية عن كل سؤال، لأن الأمة التي تفسر كل عجزها بالآخر تضع، من حيث لا تدري، مفاتيح مستقبلها في يد الآخر أيضاً. نحن لا نستطيع تغيير ما فعله الاستعمار، لكننا نستطيع أن نقرر ماذا نفعل بعده؛ ولا نستطيع أن نمنع العالم من حماية مصالحه، لكننا نستطيع أن نبني مصالح تجعل لنا وزناً في حساباته. الاستقلال، في جوهره، ليس إعلاناً سياسياً فقط؛ إنه قدرة على إنتاج القرار وحمايته، وهذه القدرة تبدأ من العلم والمؤسسة والاقتصاد والتقنية قبل أن تظهر في البيانات والخطب.

ولعل السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان قبل نحو قرن، «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، لم يعد هو السؤال الأهم. السؤال الذي يطاردنا اليوم أشد قسوة: لماذا قبلنا أن يتحول التأخر من حالة مؤقتة إلى واقع نتكيف معه؟ فالذي يتأخر يوماً يستطيع أن يلحق، أما الذي يتعلم العيش خلف الآخرين فيبدأ في فقدان الرغبة في اللحاق بهم. عندها يصبح ضعف المدرسة أمراً مألوفاً، وهجرة العلماء خبراً عابراً، واستيراد التكنولوجيا قدراً، وتراجع الجامعة مسألة إدارية، وتشتت الإمكانات العربية شيئاً لا يستحق حتى الغضب. وهنا تكون الأمة قد خسرت أكثر من موقعها؛ تكون قد خسرت قدرتها على تخيل موقع آخر.

وهذا هو الجانب الذي يجب أن تدخل منه القومية العربية إلى المستقبل إن أرادت أن تستعيد معناها. فالعروبة التي تستحق الحياة ليست حنيناً إلى زمن مضى، ولا إعادة إنتاج لشعارات استنفدتها التجربة، وإنما قدرة على تحويل المشترك العربي إلى قوة مشتركة. نحن نتحدث عن فضاء بشري واسع، ولغة واحدة، وموارد متباينة يمكن أن يكمل بعضها بعضاً، وعقول عربية منتشرة في أنحاء العالم، وأسواق قادرة، لو أحسن تنظيمها، على أن تكون قاعدة لصناعة تتجاوز الحدود. فلماذا لا تكون للجامعات العربية مشاريع بحثية مشتركة؟ ولماذا لا تتكامل الاستثمارات في الماء والغذاء والطاقة والدواء والتكنولوجيا؟ ولماذا تبقى العقول العربية المهاجرة ثروة للآخرين، بينما نبحث داخل حدودنا عن أسباب ضعفنا؟ ليست هذه أسئلة رومانسية عن الوحدة؛ إنها أسئلة قوة ومصلحة، ومن لا يطرحها اليوم سيجد نفسه غداً يعيش في عالم صاغه الآخرون بما يناسب مصالحهم.

لقد تغيرت طبيعة الصراع في العالم، ولم تعد الأمة القادرة هي التي تملك أكثر الخطب ارتفاعاً، وإنما التي تملك المعرفة التي لا يستطيع غيرها الاستغناء عنها، والاقتصاد الذي يستطيع الصمود، والمؤسسات التي تنتج القرار، والعقول التي تستطيع أن ترى ما لا يراه الآخرون. ومن لا يملك هذه الأدوات سيبقى مضطراً إلى استهلاك ما ينتجه غيره، مهما كان غنياً بالتاريخ وممتلئاً بالثقة بالنفس. لذلك فإن النهضة ليست أن نستعيد ثقتنا بأننا كنا عظماء؛ النهضة أن نستعيد قدرتنا على أن نكون عظماء في زمننا.

وربما هنا تكمن المسألة كلها: لقد ورثنا من أسلافنا حضارة عظيمة، لكننا ورثنا معها، من دون أن نشعر، مسؤولية ثقيلة. فإذا كان أولئك الذين سبقونا قد أخذوا من العالم وأضافوا إليه، فليس من الوفاء لهم أن نحفظ أسماءهم ونكرر قصصهم؛ الوفاء الحقيقي أن نفعل ما فعلوه في زمانهم، لا أن نقلد ما فعلوه في زمانهم. هم واجهوا عالمهم بالمعرفة التي كانت متاحة لهم، ونحن نواجه عالماً جديداً بأدوات جديدة، فلا يجوز أن تكون عظمتهم حجة على عجزنا، بل حجة علينا.

لهذا لم يعد السؤال الذي يستحق أن نستهلك فيه قرناً آخر هو: لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا؟ السؤال الأشد إيلاماً هو: ماذا لو أننا لم نعد نتأخر لأن العالم يمنعنا من التقدم، بل لأننا ألفنا موقع المتأخر حتى صار الخروج منه أكثر كلفة من البقاء فيه؟ وماذا سيقول أبناؤنا عنا حين يقرأون تاريخنا بعد عقود؟ هل سيجدون أمة ورثت مجداً ثم اكتفت بحراسته، أم أمة أخذت من ماضيها الشجاعة لكي تبدأ من جديد؟ عندها لن تنفعنا أسماء العلماء الذين سبقونا، لأن السؤال سيكون عن أسمائنا نحن. وذلك هو الامتحان الحقيقي: ليس أن نثبت أننا كنا أمة عظيمة، وإنما أن نترك وراءنا دليلاً على أننا لم نرضَ أن تكون عظمتنا قد حدثت مرة واحدة.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى