دراساتسياسية

مروة عبد الرؤوف سلطان: الاقتصاد الرقمي في أفريقيا: هل يصبح بوابة جديدة لتمكين ‏المرأة؟

الكاتبة حاصلة على درجة الماجستير في العلوم السياسية الأفريقية

يشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو الاقتصاد الرقمي، الذي أصبح أحد أبرز محركات النمو والتنمية في القرن ‏الحادي والعشرين، ولم تعد القارة الأفريقية بمنأى عن هذه التحولات. فمع التوسع في استخدام الهواتف ‏الذكية، وانتشار خدمات الإنترنت، ونمو حلول التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية، بدأت ملامح اقتصاد ‏رقمي جديد تتشكل في العديد من الدول الأفريقية، حاملةً معها فرصًا غير مسبوقة لتعزيز الشمول المالي، ‏وخلق فرص العمل، ودعم ريادة الأعمال.‏

وفي خضم هذا التحول، برزت المرأة الأفريقية بوصفها أحد الأطراف الأكثر تأثرًا بهذه المتغيرات، سواء من ‏خلال الاستفادة من الأدوات الرقمية لتوسيع مشاركتها الاقتصادية، أو من خلال مواجهة تحديات تتعلق ‏بالفجوة الرقمية، وضعف المهارات التقنية، ومحدودية الوصول إلى التمويل والبنية التحتية الرقمية. ومن ‏ثم، لم يعد تمكين المرأة في أفريقيا مرتبطًا بالسياسات التقليدية وحدها، بل أصبح يتأثر بصورة متزايدة بقدرة ‏الدول على بناء اقتصاد رقمي أكثر شمولًا وعدالة.‏

ومن هذا المنطلق، يطرح هذا المقال تساؤلًا جوهريًا: هل أصبح الاقتصاد الرقمي بالفعل بوابة جديدة ‏لتمكين المرأة في أفريقيا، أم أن التحديات البنيوية والرقمية لا تزال تحد من الاستفادة الكاملة من الفرص ‏التي يتيحها هذا التحول؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، يتناول المقال أبرز الفرص التي يوفرها الاقتصاد ‏الرقمي للمرأة الأفريقية، إلى جانب التحديات التي تعيق تحقيق تمكين اقتصادي رقمي مستدام، وصولًا إلى ‏استشراف السبل الكفيلة بتعظيم الاستفادة من هذا التحول في خدمة التنمية والمساواة.‏

أولاً: كيف يسهم الاقتصاد الرقمي قي تمكين المرأة الأفريقية؟
لم يعد الاقتصاد الرقمي مجرد توجه اقتصادي حديث، بل أصبح أحد أهم الأدوات التي تعيد تشكيل أسواق ‏العمل وأنماط الإنتاج وسبل الوصول إلى الخدمات المالية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك القارة ‏الأفريقية. ومع التوسع في استخدام الهواتف المحمولة، وانتشار خدمات الإنترنت، وتنامي الابتكارات في ‏مجال التكنولوجيا المالية، أتيحت أمام المرأة الأفريقية فرص جديدة للمشاركة في النشاط الاقتصادي بصورة ‏أكثر استقلالًا ومرونة، متجاوزةً العديد من القيود التقليدية التي حدّت لعقود من اندماجها في الاقتصاد ‏الرسمي.‏
ويبرز الشمول المالي الرقمي باعتباره أحد أهم مجالات هذا التمكين، إذ أسهمت المحافظ الإلكترونية ‏وخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في تمكين ملايين النساء من فتح حسابات مالية، وإجراء المعاملات، ‏والادخار، والحصول على خدمات ائتمانية دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع المؤسسات المصرفية ‏التقليدية. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة في عدد من الدول الأفريقية، وفي مقدمتها كينيا، التي شكلت ‏تجربة خدمة‎ M-Pesa ‎نموذجًا رائدًا في توسيع نطاق الخدمات المالية الرقمية، بما أتاح للعديد من ‏النساء، لا سيما في المناطق الريفية، إدارة مشروعاتهن الصغيرة وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال ‏الاقتصادي.‏

كما وفر الاقتصاد الرقمي بيئة أكثر ملاءمة لريادة الأعمال النسائية، حيث أتاحت منصات التجارة ‏الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي للنساء تسويق المنتجات والخدمات والوصول إلى أسواق جديدة ‏داخل بلدانهن وخارجها، دون الحاجة إلى استثمارات كبيرة أو مقار تجارية تقليدية. وأسهم ذلك في ظهور ‏جيل جديد من رائدات الأعمال الأفريقيات اللاتي استطعن توظيف الأدوات الرقمية في إنشاء مشروعات ‏صغيرة ومتوسطة، وتعزيز مساهمتهن في التنمية الاقتصادية المحلية.‏‎ ‎

وإلى جانب ذلك، فتح التحول الرقمي آفاقًا جديدة أمام المرأة في مجالات العمل عن بُعد، والتعليم ‏الإلكتروني، واكتساب المهارات الرقمية، وهو ما ساعد على تجاوز بعض العوائق المرتبطة بالموقع ‏الجغرافي أو الالتزامات الأسرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل فرصة حقيقية لتعزيز مشاركة المرأة ‏في سوق العمل، وزيادة قدرتها على تحقيق الاستقلال الاقتصادي، بما يدعم جهود التنمية الشاملة ويعزز ‏مسار تمكين المرأة في القارة الأفريقية.‏

ثانيًا: ما التحديات التي تعيق استفادة المرأة الأفريقية من الاقتصاد الرقمي؟
على الرغم من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي، فإن الاستفادة منها لا تزال غير متكافئة بين النساء ‏والرجال في العديد من الدول الأفريقية، نتيجة استمرار عدد من التحديات الهيكلية والتقنية والاجتماعية التي ‏تحد من مشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي بصورة كاملة.‏
وتأتي الفجوة الرقمية بين الجنسين في مقدمة هذه التحديات، إذ لا تزال نسبة كبيرة من النساء، خاصة في ‏المناطق الريفية، تعاني محدودية الوصول إلى الإنترنت أو امتلاك الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية، فضلًا ‏عن ارتفاع تكلفة خدمات الاتصال في بعض الدول. ويؤدي ذلك إلى حرمان شريحة واسعة من النساء من ‏الاستفادة من الخدمات المالية الرقمية، والتعليم الإلكتروني، وفرص العمل التي يتيحها الاقتصاد الرقمي.‏

كما تمثل محدودية المهارات الرقمية تحديًا آخر، إذ إن التحول الرقمي لا يعتمد فقط على توافر ‏التكنولوجيا، وإنما يتطلب امتلاك المعرفة والمهارات اللازمة لاستخدامها بكفاءة. ولا تزال فرص التدريب ‏الرقمي الموجهة للنساء في العديد من الدول الأفريقية أقل من المطلوب، وهو ما يحد من قدرتهن على ‏المنافسة في سوق العمل الرقمي أو تأسيس مشروعات قائمة على التكنولوجيا.‏

ومن ناحية أخرى، تواجه رائدات الأعمال تحديات تتعلق بالحصول على التمويل والاستثمار، حيث لا تزال ‏العديد من المشروعات النسائية الصغيرة تعاني صعوبة الوصول إلى التمويل اللازم للتوسع أو تطوير ‏الحلول الرقمية، فضلًا عن استمرار بعض القيود الاجتماعية والثقافية التي تحد من مشاركة المرأة في ‏الأنشطة الاقتصادية، خاصة في المجتمعات الريفية والمحافظة.‏

ويضاف إلى ذلك تنامي المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، مثل الاحتيال الإلكتروني، وانتهاك ‏الخصوصية، والعنف الإلكتروني القائم على النوع الاجتماعي، وهي ممارسات قد تقلل من ثقة النساء في ‏استخدام المنصات الرقمية، وتحد من مشاركتهن الفاعلة في الاقتصاد الرقمي، ما لم تدعم بسياسات ‏وتشريعات توفر الحماية والأمان الرقمي.‏

ومن ثم، فإن نجاح الاقتصاد الرقمي في تمكين المرأة الأفريقية لا يرتبط بالتطور التكنولوجي وحده، بل ‏يتطلب سياسات شاملة تستهدف تقليص الفجوة الرقمية، وتطوير المهارات، وتوسيع فرص التمويل، وتعزيز ‏الحماية القانونية، بما يضمن استفادة النساء من التحول الرقمي على قدم المساواة مع الرجال.‏

ثالثاً: كيف يمكن تحويل الاقتصاد الرقمي إلى أداة حقيقية لتمكين المرأة في أفريقيا؟
إن تحويل الاقتصاد الرقمي إلى أداة فاعلة لتمكين المرأة في أفريقيا يتطلب تبني رؤية شاملة تتجاوز مجرد ‏توسيع استخدام التكنولوجيا، لتشمل بناء بيئة رقمية عادلة تتيح للنساء فرصًا متكافئة للمشاركة والإبداع ‏والابتكار. فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد المستخدمين أو سرعة انتشار الخدمات الرقمية فحسب، ‏وإنما بمدى قدرته على تقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التنمية الشاملة.‏

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، من خلال توسيع شبكات الإنترنت ‏وتحسين جودة خدمات الاتصال، لا سيما في المناطق الريفية والنائية التي لا تزال تعاني ضعف الوصول ‏إلى الخدمات الرقمية. كما ينبغي أن تترافق هذه الجهود مع برامج وطنية تستهدف تنمية المهارات الرقمية ‏للفتيات والنساء، بما يمكنهن من الاستفادة من فرص التعليم الإلكتروني، والعمل عن بُعد، وريادة الأعمال ‏القائمة على التكنولوجيا.‏

ولا يقل عن ذلك أهمية توفير بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة لريادة الأعمال النسائية، عبر تسهيل حصول ‏النساء على التمويل، وتشجيع المشروعات الرقمية الناشئة، وتقديم حوافز للمؤسسات التي تستثمر في ‏الابتكار وريادة الأعمال النسائية. كما يتطلب الأمر تعزيز الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص ‏والمؤسسات الإقليمية والدولية من أجل توسيع نطاق المبادرات الرقمية الموجهة للمرأة، وضمان استدامتها.‏

وفي ظل تنامي الاعتماد على المنصات الرقمية، يصبح من الضروري أيضًا تطوير الأطر القانونية التي ‏تكفل حماية النساء من الجرائم الإلكترونية والعنف الرقمي وانتهاك الخصوصية، بما يعزز الثقة في البيئة ‏الرقمية ويشجع على المشاركة الآمنة والفاعلة في الأنشطة الاقتصادية عبر الإنترنت.‏

وفي هذا الإطار، تمثل أجندة أفريقيا 2063 فرصة مهمة لدمج تمكين المرأة في مسار التحول الرقمي الذي ‏تتبناه القارة، بما ينسجم مع أهدافها الرامية إلى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة قائمة على الابتكار والمعرفة. ‏ومن ثم، فإن بناء اقتصاد رقمي أكثر شمولًا لا يسهم فقط في تعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، ‏بل يعد استثمارًا في مستقبل التنمية الأفريقية، باعتبار أن تمكين المرأة رقميًا أصبح ركيزة أساسية لتحقيق ‏النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ التنمية المستدامة في القارة.‏

خاتمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الاقتصاد الرقمي خيارًا تنمويًا، بل أصبح أحد ‏المحددات الرئيسة لمستقبل الاقتصادات والمجتمعات. وفي أفريقيا، يفتح هذا التحول آفاقًا واسعة أمام المرأة ‏لتعزيز مشاركتها الاقتصادية، وتوسيع فرصها في ريادة الأعمال، والوصول إلى الخدمات المالية، بما يسهم ‏في تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والاندماج في مسيرة التنمية.‏
غير أن تحقيق هذه الغاية يظل مرهونًا بقدرة الدول الأفريقية على معالجة التحديات التي لا تزال تعيق ‏مشاركة المرأة في الاقتصاد الرقمي، من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير المهارات، ‏وتوفير بيئة تشريعية داعمة، وتعزيز الحماية من المخاطر الإلكترونية. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة ‏تطورها، لا تحقق التمكين تلقائيًا، وإنما تصبح أداة للتغيير عندما تقترن بسياسات شاملة تضمن العدالة ‏وتكافؤ الفرص.‏
ومن ثم، فإن مستقبل الاقتصاد الرقمي في أفريقيا لن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المستخدمين، ‏بل بقدرته على توسيع دائرة المشاركة الاقتصادية، وتمكين جميع الفئات من الاستفادة من فرصه، وفي ‏مقدمتها المرأة. فكل خطوة نحو تضييق الفجوة الرقمية بين الجنسين تمثل استثمارًا في مستقبل أكثر ازدهارًا ‏وعدالة، وتجعل من الاقتصاد الرقمي ركيزة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة في القارة الأفريقية.‏


مصادر الدراسة
United Nations Economic Commission for Africa (UNECA), African ‎Women’s Report 2021: Digital Finance Ecosystems: Pathways to ‎Women’s Economic Empowerment in Africa
https://www.uneca.org/african-women%E2%80%99s-report-2021-digital-‎finance-ecosystems-pathways-to-women%E2%80%99s-economic-‎empowerment-in
‎ ⁠‎
World Bank, Digital Economy for Africa (DE4A): Digital Economy Country ‎Diagnostics for Africa⁠‎
https://www.worldbank.org/en/programs/all-africa-digital-‎transformation/country-diagnostics
United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Digital ‎Economy Report 2024: Shaping an Environmentally Sustainable and ‎Inclusive Digital Future⁠‎
https://unctad.org/publication/digital-economy-report-2024‎
World Bank, Regulating the Digital Economy in Africa: Managing Old and ‎New Risks to Economic Governance for Inclusive Opportunities (2024) ‎
https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-‎reports/documentdetail/099051924165027814‎
World Bank, Digital Transformation Drives Development in Africa⁠‎
https://www.worldbank.org/en/results/2024/01/18/digital-transformation-‎drives-development-in-afe-afw-africa

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى