هرمز.. معركة السيطرة على شريان العالم مناوراتٌ جديدة تعيد المضيق إلى قلب الصراع الأمريكي الإيراني

هرمز.. معركة السيطرة على شريان العالم
رضا عبدالعزيز – وحدة الدراسات السياسية
لم تكن المشاورات الغربية الأخيرة بشأن تعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز، ولا التحذيرات الإيرانية المتلاحقة من أي وجودٍ عسكري إضافي في الممر المائي، مجرد حلقةٍ جديدة من السجال السياسي بين طهران والعواصم الغربية، بل كشفت عن انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر عمقًا؛ حيث لم يعد الخلاف يدور حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية وحدهما، وإنما حول من يملك حق إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ورسم قواعد العبور فيه، والتحكم في شريانٍ يربط أمن الطاقة باستقرار الاقتصاد العالمي.
إيران تصر على أن أمن المضيق مسؤوليةٌ حصرية بينها وبين سلطنة عُمان، وترى أن أي انتشارٍ عسكري أجنبي يمثل انتقاصًا من سيادتها وتهديدًا لاستقرار المنطقة. وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بأن حرية الملاحة في هرمز ليست شأنًا إقليميًا، بل مصلحةٌ دولية لا يجوز أن تخضع لإرادة دولةٍ واحدة أو لتوازنات القوة في الخليج.
ومن هذا التناقض تتشكل اليوم واحدةٌ من أكثر المواجهات الإستراتيجية حساسية؛ إذ لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ لنقل النفط، بل أصبح نقطة تقاطعٍ بين اعتبارات الأمن القومي، والنفوذ الإقليمي، والقانون الدولي، واستقرار التجارة العالمية. ولذلك، فإن كل تحركٍ عسكري، أو تصريحٍ سياسي، أو إجراءٍ تنظيمي داخل هذا الشريط البحري الضيق، يمتد أثره سريعًا إلى أسواق الطاقة، وحركة الشحن، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الدولي بأسره.
ومنذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، اكتسبت هذه المواجهة بُعدًا جديدًا. فلم تعد طهران تكتفي باستخدام المضيق كورقة ردعٍ تلجأ إليها في أوقات الأزمات، بل بدأت تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي لإعادة صياغة قواعد التعامل مع هذا الممر الإستراتيجي، بينما تعتبر واشنطن أن أي تغيير في تلك القواعد يمس أحد الثوابت التي قامت عليها حركة التجارة العالمية منذ عقود.
أكثر من ممرٍ لنقل النفط
ترتبط شهرة مضيق هرمز عالميًا بكونه المنفذ الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، غير أن قيمته الإستراتيجية تتجاوز كثيرًا هذا الوصف التقليدي؛ فهذا الممر، الذي يصل الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، يشكل أحد أكثر طرق الملاحة ازدحامًا في العالم؛ إذ تعبره يوميًا مئات السفن التجارية وناقلات الطاقة، ليغدو حلقةً رئيسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ولا تعتمد عليه الدول الخليجية المصدرة للطاقة وحدها، بل ترتبط به أيضًا الاقتصادات الصناعية الكبرى التي يقوم أمنها الطاقوي على استمرار تدفق النفط والغاز دون انقطاع. ولهذا، فإن أي اضطرابٍ في الملاحة داخله ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل البحري، وأقساط التأمين، وسلاسل الإمداد، بل وعلى معدلات التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى.
ومن هنا، تحول ضمان بقاء المضيق مفتوحًا إلى أحد المرتكزات الثابتة للإستراتيجية الأمريكية في الخليج، بغض النظر عن هوية الإدارة الحاكمة في واشنطن.
أما إيران، فتنظر إلى هرمز باعتباره الامتداد الطبيعي لأمنها القومي، وأهم أوراق الردع التي تملكها في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي. ولذلك، لم يعد المضيق بالنسبة إليها مجرد موقعٍ جغرافي، بل رصيدًا سياسيًا وإستراتيجيًا تستخدمه كلما تصاعدت الضغوط الخارجية أو شعرت بأن مصالحها الحيوية أصبحت مهددة.
من التهديد بالإغلاق إلى محاولة إعادة صياغة أنظمة العبور
وعلى مدى سنوات، أدركت طهران أن قدرتها على مجاراة الولايات المتحدة في مواجهةٍ عسكرية مباشرة تظل محدودة، لكنها تمتلك في المقابل ميزةً جغرافية يصعب تجاوزها؛ فالساحل الإيراني الطويل المطل على المضيق، وما ينتشر قبالته من جزرٍ وقواعدٍ بحرية وصاروخية، يمنحها قدرةً على التأثير في حركة الملاحة عبر الزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والألغام البحرية، وهي منظومة صُممت لتكريس الردع أكثر من خوض حربٍ بحرية تقليدية.
لكن اللافت أن إيران، رغم تكرار تهديداتها، تجنبت دائمًا الإغلاق الكامل للمضيق؛ إدراكًا منها أن مثل هذه الخطوة قد تستدعي تدخلًا عسكريًا واسعًا يصعب احتواء تداعياته. لذلك، اعتمدت سياسةً أكثر فاعلية، يمكن وصفها بـ “الضغط دون الإغلاق”؛ أي إبقاء المضيق مفتوحًا شكليًا، مع رفع كلفة العبور عبر المناورات العسكرية، والإنذارات الأمنية، واحتجاز بعض السفن، وخلق حالةٍ دائمة من عدم اليقين تؤثر في الأسواق العالمية من دون بلوغ نقطة الانفجار.
وقد أثبتت هذه السياسة فاعليتها مرارًا؛ إذ لم تكن طهران بحاجة إلى إغلاق المضيق حتى ترتفع أسعار النفط، أو تقفز تكاليف التأمين، أو تعيد شركات الشحن الدولية حساباتها.
غير أن التطورات التي أعقبت الحرب الأخيرة دفعت إيران إلى خطوةٍ أبعد. فبدل الاكتفاء باستخدام المضيق كورقة تهديد، بدأت تتحدث بصورةٍ أكثر وضوحًا عن حقها في تنظيم حركة العبور، وإلزام السفن بمساراتٍ محددة، وفرض إجراءاتٍ أمنية ورسومٍ مرتبطة بما تسميه “الخدمات اللوجستية”.
وهنا دخلت الأزمة مرحلةً مختلفة؛ إذ لم يعد الخلاف يتعلق بردود فعلٍ ظرفية، بل بمحاولة إعادة تعريف القواعد القانونية والسياسية التي تحكم أحد أهم المضائق الدولية؛ فواشنطن ترى في هذه الخطوات مسعىً لفرض أمرٍ واقع يمنح إيران سلطةً فعلية على حركة التجارة العالمية، بينما تؤكد طهران أنها لا تمارس سوى حقوقها السيادية في حماية أمنها الإقليمي.
وهكذا، لم يعد السؤال المطروح: هل ستغلق إيران مضيق هرمز؟ بل أصبح: هل تستطيع فرض قواعدٍ جديدة لإدارته دون أن تطلق رصاصةً واحدة؟
من يكتب قواعد المرور في هرمز؟
إذا كان التهديد بإغلاق مضيق هرمز قد شكّل لعقودٍ الورقة الأكثر حضورًا في الخطاب الإيراني، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال طهران إلى مرحلةٍ أكثر طموحًا؛ فهي لم تعد تلوّح فقط بقدرتها على تعطيل الملاحة، بل تسعى إلى تكريس معادلةٍ جديدة تجعل العبور الآمن عبر المضيق مرهونًا بقواعدٍ تضعها هي، أو تكون شريكًا رئيسيًا في صياغتها.
ومن هنا، لم تكن التصريحات الإيرانية التي ألزمت السفن باستخدام المسارات التي تحددها السلطات المختصة، والالتزام بإجراءاتٍ أمنية مستحدثة، مجرد تعليماتٍ ملاحية، بل رسالةً سياسية تؤكد أن إيران تنظر إلى المضيق باعتباره مجالًا لأمنها القومي، لا مجرد ممرٍ دولي. وزادت حساسية هذه الرسالة مع طرح فكرة تحصيل مقابلٍ لبعض الخدمات البحرية واللوجستية، وهو ما اعتبرته العواصم الغربية مساسًا مباشرًا بمبدأ حرية الملاحة، ومحاولةً لفرض واقعٍ قانوني جديد لا يستند إلى قواعد القانون الدولي.
ومن ثم، لم يعد الخلاف تقنيًا حول تنظيم المرور، بل أصبح نزاعًا على مفهوم السيادة وحدودها؛ فإلى أي مدى يحق للدولة المشاطئة توسيع صلاحياتها الأمنية داخل مضيقٍ دولي؟ وأين تنتهي حقوقها المشروعة، وأين تبدأ حقوق المجتمع الدولي في حرية العبور؟
هذا السؤال أصبح اليوم جوهر المواجهة بين طهران وواشنطن.
واشنطن… الدفاع عن “القاعدة” قبل المضيق
تنظر الولايات المتحدة إلى مضيق هرمز من زاويةٍ أوسع كثيرًا من أمن إمدادات النفط؛ فالقضية بالنسبة إليها تتعلق بالحفاظ على أحد المبادئ التي قامت عليها هيكلية التجارة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو عدم السماح لأي قوةٍ إقليمية بالانفراد بالتحكم في الممرات البحرية الدولية أو فرض شروطها الخاصة على حركة التجارة.
ولهذا، لم تتعامل واشنطن مع الخطوات الإيرانية باعتبارها إجراءاتٍ ظرفية فرضتها التوترات الأمنية، بل رأت فيها اختبارًا لقدرتها على حماية النظام البحري الدولي، وقياسًا لمدى استعدادها للدفاع عن قواعده عندما تتعرض للتحدي.
ومن هذا المنطلق، جاءت التحركات الأمريكية والغربية متوازيةً على المستويين العسكري والدبلوماسي. فقد عززت الولايات المتحدة انتشارها البحري في المنطقة، بالتزامن مع مشاوراتٍ مكثفة مع حلفائها الأوروبيين ودول الخليج، ليس فقط لضمان استمرار حركة العبور، بل لتأكيد أن المجتمع الدولي لن يعترف بأي ترتيباتٍ أحادية تمس حرية الملاحة أو تغير قواعدها المستقرة.
ويفسر ذلك تمسك واشنطن برفض أي رسومٍ أو قيودٍ جديدة، لأن القضية لا تتعلق بقيمتها المالية، بل بالمبدأ ذاته؛ فالقبول باستثناءٍ في هرمز قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة في مضائق دولية أخرى، بما يهدد أحد أهم أسس النظام التجاري العالمي.
أوروبا… بين ضرورات الأمن وحسابات الاقتصاد
ورغم اتفاق العواصم الأوروبية مع الولايات المتحدة في رفضها لأي تغييرٍ أحادي في قواعد الملاحة، فإن دوافعها تحمل بعدًا اقتصاديًا أكثر وضوحًا؛ فالقارة الأوروبية، التي لا تزال تعتمد بدرجاتٍ متفاوتة على واردات الطاقة القادمة من الخليج، تدرك أن أي اضطرابٍ في هرمز ينعكس مباشرةً على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وأداء اقتصاداتها التي لم تتعافَ بالكامل من الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة (مثل كورونا، والحرب الروسية- الأوكرانية، ورسوم ترامب التجارية).
ولذلك، جاء الموقف البريطاني الفرنسي ليجمع بين الحزم والاحتواء؛ إذ أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداد بلديهما للمشاركة في قوةٍ متعددة الجنسيات لحماية الملاحة، مع التأكيد في الوقت نفسه على احترام القانون الدولي، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين.
ويعكس هذا الخطاب إدراكًا أوروبيًا بأن حماية حرية الملاحة لا تستلزم بالضرورة الذهاب إلى مواجهةٍ مباشرة مع إيران، بقدر ما تتطلب بناء مظلة ردعٍ تمنع تغيير قواعد اللعبة، مع الإبقاء على قنوات الاتصال السياسي مفتوحة لتجنب الانزلاق إلى صدامٍ واسع ستكون كلفته الاقتصادية باهظة على الجميع.
عُمان… الجغرافيا تفرض دور الوسيط
وسط هذا الاستقطاب الحاد، تبرز سلطنة عُمان بوصفها الحلقة الأكثر حساسية في معادلة هرمز؛ فالمضيق لا يقع ضمن السيادة الإيرانية وحدها، بل تتقاسم عُمان وإيران الإشراف على جانبيه، وهو ما يجعل أي تغييرٍ في ترتيبات الملاحة أو الأمن البحري يمس المصالح العُمانية بصورةٍ مباشرة.
ومن هنا، تتمسك مسقط بسياسةٍ متوازنة حافظت عليها لعقود؛ فهي ترتبط بعلاقاتٍ مستقرة مع طهران، وفي الوقت نفسه تحتفظ بشراكاتٍ وثيقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وهو ما منحها دورًا فريدًا كوسيطٍ موثوق في كثيرٍ من أزمات المنطقة.
ولا تنبع أهمية هذا الدور من الاعتبارات السياسية وحدها، بل من حقيقة أن استقرار المضيق يمثل مصلحةً وطنية عُمانية قبل أن يكون قضيةً دولية؛ فأي اضطرابٍ طويل الأمد سيؤثر في حركة التجارة، وفي موقع السلطنة الجغرافي، وفي دورها كجسرٍ للحوار بين القوى المتنافسة.
الخليج… بين الاعتماد على هرمز والبحث عن بدائل
أما دول مجلس التعاون الخليجي، فتتعامل مع الأزمة بمنطقٍ أكثر تعقيدًا؛ فهي من جهة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المضيق في تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ومن جهةٍ أخرى تدرك أن تحويله إلى ساحة مواجهةٍ مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها واقتصاداتها.
ولذلك، سعت خلال السنوات الأخيرة إلى العمل على مسارين متوازيين؛ أولهما، تطوير بدائل جزئية عبر خطوط الأنابيب والموانئ المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر، لتخفيف الاعتماد على المضيق، وثانيهما، دعم الجهود الدولية الرامية إلى ضمان بقاء هرمز مفتوحًا أمام الملاحة، مع تجنب أي تصعيدٍ قد يدفع المنطقة إلى مواجهةٍ عسكرية واسعة.
غير أن هذه البدائل، على أهميتها، لا تستطيع في المستقبل المنظور أن تحل محل هرمز؛ إذ لا تزال النسبة الأكبر من صادرات الطاقة الخليجية تمر عبره، وهو ما يجعل أمنه جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي لدول المنطقة.
ومن هنا، بدأ يتبلور داخل الأوساط الإستراتيجية الخليجية إدراكٌ متزايد بأن أمن المضيق لا ينبغي أن يبقى رهينًا للتجاذبات الدولية وحدها، بل يحتاج إلى دورٍ خليجي أكثر فاعلية، يقوم على حماية حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي، ويحول دون احتكار هذا الملف من أي طرف، أو توظيفه كورقة ضغطٍ في الصراعات الإقليمية.
ثنائية القانون والقوة… لماذا أصبح هرمز ساحةً للصراع على النظام البحري؟
إذا كانت الأزمة تبدو، في ظاهرها، خلافًا بين إيران والولايات المتحدة حول إجراءاتٍ ملاحية أو ترتيباتٍ أمنية، فإن جوهرها أعمق من ذلك بكثير. فما يجري اليوم هو صراعٌ على من يملك حق صياغة القواعد التي تحكم أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبالتالي على جزءٍ من النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
إيران تنطلق من قناعةٍ بأن البيئة الإستراتيجية في الخليج تغيرت جذريًا بعد الحرب الأخيرة، وأن أمنها القومي لم يعد يسمح بالتعامل مع مضيق هرمز بوصفه مجرد ممرٍ دولي منفصل عن التهديدات العسكرية التي تواجهها. ومن ثم، ترى أن من حقها تشديد الرقابة على الملاحة، وإعادة تنظيم بعض مساراتها، وفرض إجراءاتٍ أمنية تراها ضرورية لحماية سواحلها ومنشآتها الحيوية.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع هذه الرؤية باعتبارها محاولةً لإعادة تعريف قواعد النظام البحري الدولي، وليس مجرد استجابةٍ لظروفٍ أمنية طارئة. ولذلك، فإن اعتراضها لا يستهدف إيران بوصفها دولة، بقدر ما يستهدف المبدأ الذي تسعى إلى ترسيخه؛ لأن القبول بحق دولةٍ واحدة في فرض ترتيباتٍ أحادية على مضيقٍ دولي قد يفتح الباب أمام سوابق مشابهة في ممرات بحرية أخرى، بما يقوض أحد أهم مرتكزات التجارة العالمية.
ومن هنا، فإن المواجهة الدائرة في هرمز لا تختبر ميزان القوى العسكري فحسب، وإنما تختبر أيضًا قدرة النظام الدولي على الحفاظ على قواعده في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
القانون الدولي… ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن البحر
ولهذا السبب، لم يعد القانون الدولي عنصرًا هامشيًا في الأزمة، بل أصبح أحد ميادينها الرئيسية؛ فالملاحة في المضائق الدولية تحكمها قواعد مستقرة، يأتي في مقدمتها حق “العبور العابر”، الذي يضمن للسفن والطائرات المرور المستمر وغير المعطل عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. وتسمح هذه القواعد للدول المشاطئة بتنظيم الحركة بما يحقق السلامة البحرية وحماية البيئة، لكنها لا تمنحها حق تعطيل المرور أو فرض قيودٍ أو رسومٍ أحادية لا تستند إلى اتفاقاتٍ دولية.
ولهذا تستند الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى هذه المبادئ في رفضها لأي إجراءاتٍ إيرانية ترى أنها تتجاوز حدود التنظيم المشروع إلى محاولة فرض سيطرةٍ فعلية على حركة الملاحة.
لكن المفارقة أن إيران والولايات المتحدة لم تصادقا أصلًا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومع ذلك يستند كل طرفٍ إلى ما يؤيد موقفه من أحكامها ومبادئها. ورغم هذه المفارقة، فإن أغلب فقهاء القانون الدولي يرون أن قواعد حرية الملاحة في المضائق الدولية أصبحت جزءًا من القانون الدولي العرفي، بما يجعلها ملزمةً حتى للدول غير المنضمة إلى الاتفاقية.
وهكذا، بات الخلاف يدور حول تفسير القانون بقدر ما يدور حول موازين القوة، وهو ما يفسر إصرار كل طرف على إضفاء مشروعيةٍ قانونية على مواقفه وتحركاته.
الأسواق… أول من يدفع ثمن التوتر
غير أن التأثير الأكثر سرعةً لا يظهر في المحاكم الدولية ولا في البيانات السياسية، بل في الأسواق العالمية؛ فمجرد ارتفاع مستوى التوتر في مضيق هرمز يدفع شركات التأمين البحري إلى إعادة تقييم المخاطر، فتقفز أقساط التأمين على السفن وناقلات النفط، وتعيد شركات الشحن حساباتها بشأن خطوط السير، بينما يضيف المستوردون والمصدرون كلفة المخاطر إلى أسعار السلع والطاقة.
ولذلك، فإن الاقتصاد العالمي لا ينتظر اندلاع الحرب حتى يتأثر بها؛ فمجرد احتمال وقوعها يكفي لإرباك الأسواق.
ورغم أن حركة الملاحة بدأت تستعيد جزءًا من نشاطها بعد انحسار العمليات العسكرية المباشرة، فإن هذا التعافي لا يزال هشًا. فشركات الشحن الدولية تتحرك بحذر، وشركات التأمين لا تزال تتعامل مع المنطقة باعتبارها واحدةً من أكثر المناطق البحرية حساسيةً في العالم، وهو ما يرفع كلفة التجارة حتى في غياب أي تعطيلٍ فعلي للملاحة.
ومن هنا، تبدو الحرب النفسية جزءًا لا يتجزأ من معادلة الردع؛ إذ يكفي تصريحٌ إيراني حاد، أو إعلانٌ أمريكي عن مناوراتٍ بحرية، أو حادثٌ محدود لسفينةٍ تجارية، حتى تتفاعل الأسواق بصورةٍ فورية، بما يمنح الطرفين وسيلة ضغطٍ تتجاوز حدود القوة العسكرية المباشرة.
ما بعد النفط… لماذا ازدادت أهمية هرمز؟
ورغم أن النفط يظل العنوان الأكثر ارتباطًا بالمضيق، فإن أهميته لم تعد تقتصر على الطاقة وحدها؛ فالخليج أصبح أحد أكبر مراكز التجارة وإعادة التصدير في العالم، وتحوّلت موانئه إلى عقدٍ رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية، بينما ازداد الاعتماد الدولي على صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من المنطقة، ولا سيما إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
ولهذا، فإن أي اضطرابٍ في هرمز لم يعد يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يمتد أثره إلى الصناعات التحويلية، وأسواق الغذاء، والنقل البحري، وسلاسل الإنتاج العالمية، وهو ما يفسر اتساع دائرة الدول المعنية باستقرار المضيق، حتى تلك التي لا تستورد النفط الخليجي بصورةٍ مباشرة.
وبذلك، أصبح أمن هرمز قضيةً عالمية بمعنى الكلمة؛ إذ تتقاطع عنده مصالح المنتجين والمستهلكين، والدول الصناعية والاقتصادات الصاعدة، وشركات الطاقة والنقل والتأمين، في شبكةٍ معقدة تجعل أي اضطرابٍ فيه يتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة إلى الاقتصاد الدولي بأسره.
ورقة ضغط.. لكن بشروط
ورغم لهجتها التصعيدية، تدرك طهران أن هذه الورقة لها حدود؛ فالإغلاق الكامل للمضيق لن يضر بالاقتصاد العالمي وحده؛ فالولايات المتحدة تقرن غلق هرمز بالحصار البحري على إيران، مما يصيب بقوة اقتصادها أيضًا؛ كما يمنح خصومها مبررًا قويًا لتشكيل تحالفٍ دولي واسع قد يتجاوز في تأثيره العقوبات الحالية.
ولهذا، تبدو الإستراتيجية الإيرانية أقرب إلى إدارة مستوى التوتر منها إلى دفعه نحو الانفجار؛ فهي تحرص على إبقاء العالم مقتنعًا بأنها قادرة على التأثير في حركة الملاحة متى شاءت، لكنها تتجنب في الوقت نفسه الخطوة التي قد تفقدها هذه الورقة أو تحولها إلى ذريعةٍ لمواجهةٍ عسكرية شاملة.
ومن هنا، يمكن فهم التصعيد المتكرر في الخطاب السياسي، والتشدد في الإجراءات الأمنية، بالتوازي مع الحرص على إبقاء هامشٍ يسمح بالعودة إلى التفاوض متى توافرت الظروف المناسبة.
وهذه هي المفارقة التي تحكم المشهد برمته؛ فكل طرفٍ يسعى إلى تعزيز أوراقه التفاوضية، لكن كليهما يدرك أن تكلفة الحرب الشاملة ستكون أكبر بكثير من أي مكسبٍ يمكن تحقيقه على ضفاف مضيق هرمز.
بين الردع والتسوية… إلى أين تتجه المعركة؟
تكشف التطورات المتلاحقة أن ما يدور في مضيق هرمز لم يعد مجرد أزمةٍ بحرية عابرة، ولا جولةً جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، بل يمثل فصلًا من صراعٍ أوسع على شكل النظام الإقليمي في الخليج، وعلى قواعد إدارة واحدٍ من أهم الممرات البحرية في العالم. فبعد أن ظل الملف النووي والعقوبات الاقتصادية العنوانين الأبرز للمواجهة طوال العقدين الماضيين، عادت الجغرافيا لتفرض نفسها مجددًا، وأصبح هرمز النقطة التي تتقاطع عندها اعتبارات الأمن، والطاقة، والتجارة، والنفوذ، والقانون الدولي.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو التحركات الإيرانية مجرد ردود فعلٍ على الضغوط الغربية، بقدر ما تعكس محاولةً لتحويل الموقع الجغرافي إلى رصيدٍ سياسي دائم؛ فطهران تدرك أن العقوبات قد تتغير، وأن موازين القوى العسكرية قد تتبدل، لكن الجغرافيا تبقى العامل الأكثر ثباتًا في معادلات القوة. ولذلك، تسعى إلى توظيف هذا الامتياز الطبيعي في تعزيز موقعها التفاوضي، وفرض الاعتراف بدورها في أي ترتيباتٍ أمنية تخص الخليج.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى المسألة بمنطقٍ مختلف تمامًا. فهي لا ترى أن الخطر يكمن في امتلاك إيران وسائل ضغطٍ على الملاحة، وإنما في قبول المجتمع الدولي بإعادة تعريف المبادئ التي حكمت الممرات البحرية لعقود. ولذلك، فإن تمسك واشنطن بحرية الملاحة لا يعكس فقط دفاعًا عن مصالحها أو عن تدفق الطاقة، بل عن نموذجٍ دولي تعتبره أساس استقرار الاقتصاد العالمي، وترى أن التراجع عنه في هرمز قد ينعكس على مضائق بحرية أخرى تمتد من البحر الأسود إلى بحر الصين الجنوبي.
أربعة سيناريوهات… واحتمال خامس
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو الأزمة مفتوحة على أربعة مسارات رئيسية.
أولها، استمرار سياسة الضغط المحسوب، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب؛ فإيران ستواصل استخدام المضيق كورقة ضغطٍ سياسية عبر المناورات العسكرية، والتشدد في الإجراءات الأمنية، وإبقاء الأسواق في حالة ترقب، بينما تحافظ الولايات المتحدة وحلفاؤها على وجودهم البحري ورسائلهم الرادعة، من دون تجاوز الخط الذي يقود إلى مواجهةٍ مباشرة شاملة. ويتيح هذا المسار للطرفين الحفاظ على أوراق الضغط، من غير تحمل كلفة الحرب.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح المسار الدبلوماسي في إعادة فتح نافذة تفاهمٍ أوسع بين واشنطن وطهران، بحيث يصبح ملف هرمز جزءًا من تسويةٍ تشمل البرنامج النووي، والعقوبات، والترتيبات الأمنية في الخليج. غير أن هذا الاحتمال يظل رهينًا بقدرة الطرفين على تجاوز تراكماتٍ طويلة من انعدام الثقة، وهي مهمة لا تبدو سهلة في الظروف الحالية.
ويتمثل السيناريو الثالث في وقوع احتكاكٍ عسكري محدود نتيجة خطأ في الحسابات، أو اعتراض سفينة، أو حادثٍ بحري غير مقصود، يتحول تدريجيًا إلى مواجهةٍ أوسع. ورغم أن جميع الأطراف تؤكد أنها لا ترغب في الحرب، فإن التجارب الدولية تثبت أن كثيرًا من الأزمات الكبرى بدأت بحوادثٍ لم يكن أحد يخطط لها.
أما السيناريو الرابع، فيقوم على استمرار حالة “اللا حسم”؛ فلا حربٌ شاملة، ولا تسويةٌ مستقرة، وإنما أزمةٌ مزمنة تتخللها موجات متعاقبة من التصعيد والتهدئة، بما يجعل هرمز ورقة ضغطٍ دائمة في العلاقات الإيرانية الأمريكية، ويُبقي الاقتصاد العالمي رهينةً لحالةٍ مستمرة من عدم اليقين.
غير أن هناك احتمالًا خامسًا، لا يزال حضوره محدودًا في النقاشات السياسية، لكنه قد يصبح أكثر إلحاحًا مع مرور الوقت، ويتمثل في بلورة مقاربةٍ إقليمية جديدة تتولى فيها دول الخليج العربية دورًا أكبر في حماية أمن المضيق، انطلاقًا من أن استقراره يمثل مصلحةً مباشرة لها قبل أي طرفٍ آخر.
الحاجة إلى مقاربةٍ خليجية جديدة
لقد أظهرت الأزمات المتكررة أن ترك أمن مضيق هرمز رهينًا للتجاذب بين واشنطن وطهران يضع المنطقة أمام معادلةٍ شديدة الهشاشة؛ إذ يصبح الممر البحري الأهم في الخليج معرضًا في كل أزمةٍ لأن يتحول إلى ورقة تفاوض أو أداة ردع أو ساحة استعراضٍ عسكري.
ولذلك، تبدو الحاجة متزايدة إلى رؤيةٍ خليجية أكثر فاعلية، لا تقوم على الحلول الأمنية وحدها، بل على الجمع بين الأمن والدبلوماسية والقانون الدولي؛ فدول الخليج هي صاحبة المصلحة الأولى في بقاء المضيق مفتوحًا، وهي الأكثر تضررًا من أي اضطرابٍ طويل الأمد في حركة الملاحة، سواء من حيث صادرات الطاقة، أو التجارة، أو الاستثمارات، أو خطط التنمية.
ولا يعني ذلك إنشاء ترتيباتٍ بديلة عن المنظومة الدولية، أو الاستغناء عن الشراكات القائمة، وإنما بناء دورٍ خليجي أكثر حضورًا داخلها، بحيث تصبح دول المنطقة شريكًا في صياغة ترتيبات الأمن البحري، لا مجرد ساحةٍ تُدار فوقها صراعات الآخرين.
كما يقتضي هذا التوجه تطوير آلياتٍ أوسع للتنسيق العربي والخليجي في مجالات الأمن البحري، وتبادل المعلومات، والاستجابة السريعة للأزمات، وتعزيز قدرات حماية الممرات المائية، بما يرسخ مبدأ أن أمن الخليج مسؤوليةٌ مشتركة، وأن حماية حرية الملاحة ومجانيتها تمثل مصلحةً جماعية لا يجوز أن تخضع لموازين القوة أو لتقلبات الأزمات السياسية.
هرمز… اختبارٍ لقدرة النظام الدولي
ولعل أكثر ما تكشفه الأزمة الراهنة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد معبرٍ تعبر منه ناقلات النفط، بل تحول إلى اختبارٍ لقدرة النظام الدولي على الحفاظ على قواعده في عالمٍ تتغير فيه موازين القوى بوتيرةٍ متسارعة؛ فهنا تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية، ويتداخل القانون مع الردع العسكري، وتلتقي الجغرافيا بالاقتصاد، بحيث يصبح كل تحركٍ في هذا الممر الضيق قادرًا على إحداث ارتداداتٍ تمتد من أسواق الطاقة إلى أسواق المال، ومن غرف العمليات العسكرية إلى مراكز صنع القرار الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.
ولهذا، فإن معركة هرمز ليست معركةً على بضعة أميال من المياه، بقدر ما هي معركةٌ على من يملك حق صياغة قواعد الحركة في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وقد تنجح المفاوضات في احتواء التوتر، أو تنجح ترتيبات الردع في منع الانفجار، لكن السؤال الجوهري سيظل قائمًا: هل يبقى مضيق هرمز رهينةً للأزمات المتكررة، أم تنجح دول المنطقة، بدعم المجتمع الدولي، في بناء منظومةٍ أكثر استقرارًا، تضمن أمن هذا الممر الحيوي، وتحافظ على حرية الملاحة ومجانيتها باعتبارهما مصلحةً خليجية وعربية ودولية لا تحتمل المساومة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



