الإمارات في أسبوع.. من غزة إلى لبنان أبوظبي ترسم خريطة الأمل في العالم بالدبلوماسية الإنسانية

حين تصبح الإنسانية سياسة دولة
في عالم تتكاثر فيه الحروب وتتسع رقعة الكوارث الإنسانية، بينما تعجز كثير من المؤسسات الدولية عن سد فجوات الاحتياجات المتزايدة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة باعتبارها أحد أبرز الفاعلين في منظومة العمل الإنساني العالمي، مقدمة نموذجًا مختلفًا يقوم على سرعة الاستجابة، واستدامة الدعم، والانتقال من الإغاثة العاجلة إلى إعادة الإعمار والتنمية.
ولم يعد الدور الإماراتي يقتصر على إرسال قوافل الغذاء والدواء إلى مناطق الأزمات، بل تطور إلى فلسفة متكاملة للعمل الإنساني، تجعل الإنسان محورًا لكل تحرك، وتربط بين الإغاثة الفورية، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، ودعم المجتمعات حتى تستعيد قدرتها على الحياة والإنتاج.
ومن غزة إلى لبنان، ومن السودان إلى اليمن، مرورًا بأوكرانيا وإفريقيا وآسيا، تحولت الإمارات إلى عنوان دائم لكل مبادرة إنسانية كبرى، مستندة إلى نهج راسخ يؤكد أن المساعدات الخارجية ليست مجرد التزام دولي، وإنما جزء أصيل من رسالة الدولة الحضارية وقيمها الإنسانية التي لا تفرق بين شعب وآخر أو بين دين وعرق وثقافة.
وتنسجم هذه السياسة مع المبدأ التاسع من مبادئ الخمسين لدولة الإمارات، الذي ينص على أن المساعدات الإنسانية الخارجية تمثل جزءًا لا يتجزأ من مسيرة الدولة والتزاماتها الأخلاقية تجاه الشعوب الأقل حظًا، وأن الخلافات السياسية لا يمكن أن تكون سببًا لحرمان الشعوب من حقها في الإغاثة والنجاة وقت الكوارث والأزمات.

غزة.. أكبر عملية إغاثة في تاريخ الدعم الإماراتي للفلسطينيين
إذا كانت الأزمات تكشف معادن الدول، فإن الحرب في قطاع غزة جسدت واحدة من أكبر صور الحضور الإنساني الإماراتي في المنطقة، حيث تحولت الإمارات إلى أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، مؤكدة أن الوقوف إلى جانب المدنيين مسؤولية إنسانية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.
وعبر عملية «الفارس الشهم 3»، أطلقت الإمارات واحدة من أضخم العمليات الإغاثية في تاريخها، تجاوزت قيمة مساعداتها 9.4 مليارات درهم إماراتي، فيما بلغت قيمة الدعم الإنساني المقدم لغزة أكثر من 1.8 مليار دولار أمريكي، لتشكل المساعدات الإماراتية نحو 44% من إجمالي المساعدات الدولية التي وصلت إلى القطاع وفقًا للتقارير الأممية.
ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل ترجمت إلى مساعدات ملموسة وصلت إلى مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية، حيث نقلت الإمارات أكثر من 100 ألف طن من المواد الغذائية والطبية والإغاثية، إضافة إلى مليوني غالون من المياه الصالحة للشرب، في وقت كانت فيه البنية التحتية للمياه والخدمات الأساسية تتعرض لانهيار غير مسبوق.
كما سيرت الإمارات أكثر من 8700 شاحنة مساعدات ضمن ما يزيد على 250 قافلة إنسانية، حملت أكثر من 1.6 مليون طرد إغاثي تنوع بين الغذاء والدواء والمواد الإيوائية وكسوة الشتاء واحتياجات النساء والأطفال، في رسالة أكدت أن الدعم الإماراتي يستهدف مختلف الفئات الأكثر احتياجًا داخل القطاع.

المستشفيات الميدانية.. عندما تتحول المساعدة إلى إنقاذ للحياة
ولم يتوقف الدور الإماراتي عند توفير الغذاء والمأوى، بل امتد إلى إنشاء منظومة طبية متكاملة داخل محيط الأزمة، حيث أقامت الإمارات المستشفى الميداني داخل قطاع غزة، الذي استقبل ما يقرب من 54 ألف حالة مرضية ومصاب، بينما واصل المستشفى الإماراتي العائم بمدينة العريش تقديم خدماته الطبية لأكثر من 21 ألف مريض.
وفي الوقت نفسه، تكفلت الإمارات بإجلاء نحو 3000 مريض ومرافقيهم لتلقي العلاج داخل مستشفياتها، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الطبي الإنساني التي شهدتها الأزمة.
كما دعمت القطاع بـ 33 سيارة إسعاف، وخيام ومستشفيات ميدانية، وصهاريج مياه، ومخابز متنقلة، ومعدات لإصلاح شبكات المياه والبنية التحتية، في تأكيد على أن فلسفة الإغاثة الإماراتية لا تقتصر على التعامل مع آثار الحرب، وإنما تسعى إلى الحفاظ على مقومات الحياة الأساسية للسكان.
ولعل أحدث صور هذا الالتزام تمثلت في وصول سفينة “أم الإمارات الإنسانية” إلى غزة، محملة بآلاف الأطنان من المساعدات، لتصبح امتدادًا لسلسلة السفن الإنسانية التي سيرتها الإمارات ضمن عملية “الفارس الشهم 3″، وتجسيدًا لنهج ثابت يقوم على استمرار الدعم مهما تعقدت الظروف الميدانية.

من الإغاثة إلى إعادة الإعمار
ولا تنظر الإمارات إلى قطاع غزة باعتباره مجرد ساحة لتقديم المساعدات الطارئة، بل باعتباره مجتمعًا يحتاج إلى إعادة بناء شاملة بعد انتهاء الحرب.
وفي هذا الإطار أعلنت عن مشروع لإنشاء أول مجمع سكني مخطط له في جنوب القطاع، يضم خدمات التعليم والرعاية الصحية والمياه والبنية الأساسية، بما يعكس انتقال السياسة الإماراتية من مرحلة الإغاثة الإنسانية إلى مرحلة إعادة الإعمار وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.
كما دعمت الإمارات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في وقت واجهت فيه الوكالة أزمة تمويل غير مسبوقة، مؤكدة استمرار التزامها بدعم المؤسسات الإنسانية الدولية العاملة في خدمة الشعب الفلسطيني.
وبين الغذاء والدواء، والمستشفيات والمياه، والقوافل البرية والسفن الإنسانية، والمشروعات المستقبلية لإعادة الإعمار، رسمت الإمارات في غزة نموذجًا متكاملًا للدبلوماسية الإنسانية، يقوم على أن إنقاذ الإنسان لا يتوقف عند إزالة آثار الأزمة، بل يبدأ من إعادة الأمل إليه، وتمكينه من استعادة حياته وكرامته، وهو النهج الذي أصبح السمة الأبرز للحضور الإماراتي في مختلف مناطق الصراع حول العالم.

الإمارات.. من الإغاثة العاجلة إلى صناعة الاستقرار
لم تعد المساعدات الإنسانية الإماراتية تقاس فقط بحجم الأموال أو أعداد القوافل والطائرات، وإنما أصبحت تقاس بقدرتها على صناعة الاستقرار في المجتمعات المنكوبة. فالفلسفة التي تتبناها دولة الإمارات تقوم على أن الإغاثة الطارئة تمثل الخطوة الأولى فقط، بينما تبدأ المهمة الحقيقية مع إعادة بناء الإنسان، وتأهيل المؤسسات، وتمكين المجتمعات من استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.
ولهذا، اتجهت المبادرات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة إلى الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والطاقة والبنية التحتية، باعتبارها الركائز الأساسية لأي عملية تعافٍ حقيقية بعد الحروب والكوارث. فالدولة لا تكتفي بإرسال الغذاء والدواء، وإنما تسهم في بناء المستشفيات، وإنشاء المدارس، وتوفير الكهرباء والمياه، وإعادة تأهيل المرافق العامة، بما يضمن انتقال المجتمعات من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التنمية المستدامة.

لبنان.. سبعة عقود من الوفاء الإنساني
ويجسد الملف اللبناني أحد أكثر النماذج وضوحًا لاستمرارية النهج الإماراتي، إذ لم يرتبط الدعم الإماراتي بظرف سياسي أو أزمة طارئة، بل امتد لعقود طويلة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما دعم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مشروع الليطاني، ثم تواصلت المبادرات بعد الحرب الأهلية، مرورًا بإزالة الألغام في جنوب لبنان، ودعم الخزينة اللبنانية، وتمويل مشروعات إعادة الإعمار، وصولًا إلى إنشاء المستشفيات الميدانية وتقديم المساعدات الطبية عقب انفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا.
ومع اندلاع المواجهات الأخيرة، سارعت الإمارات إلى إطلاق حزمة مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة 100 مليون دولار لدعم الشعب اللبناني، إلى جانب 30 مليون دولار إضافية لدعم النازحين اللبنانيين في سوريا، كما سيرت عشرات الطائرات وباخرتين حملتا آلاف الأطنان من المساعدات الإغاثية، في رسالة أكدت أن العلاقات بين البلدين لا تحكمها الظروف الطارئة، بل تستند إلى تاريخ طويل من التضامن الأخوي.

السودان واليمن.. دعم الإنسان قبل الجغرافيا
وفي السودان، حيث يعيش ملايين المدنيين واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، واصلت الإمارات حضورها الإغاثي عبر دعم برامج الأمم المتحدة، وتمويل صندوق السودان الإنساني، وتقديم عشرات الملايين من الدولارات لبرامج الغذاء والحماية والرعاية الصحية والتعليم، فضلًا عن استمرار قوافل المساعدات إلى النازحين داخل السودان وفي دول الجوار، مثل تشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا.
أما في اليمن، فقد تجاوز الدور الإماراتي مفهوم الإغاثة التقليدية، ليتحول إلى شراكة تنموية شاملة، شملت بناء المدارس والمستشفيات، ودعم الأمن الغذائي، وإنشاء محطات الكهرباء والطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المطارات، وتنفيذ برامج مكافحة سوء التغذية، خاصة في جزيرة سقطرى، إلى جانب توفير الدعم المباشر للأسر المتضررة من السيول والكوارث الطبيعية، بما يعكس رؤية تنموية تستهدف بناء مستقبل أكثر استقرارًا للمجتمعات المحلية.

من إفريقيا إلى آسيا.. الإنسانية بلا حدود
ولم يقتصر الحضور الإماراتي على العالم العربي، بل امتدت مبادراته إلى مختلف القارات، حيث سارعت الدولة إلى دعم المتضررين من الفيضانات في الصومال وتشاد والكونغو الديمقراطية، وأرسلت مئات الأطنان من المواد الغذائية والإغاثية إلى ميانمار عقب الزلزال المدمر، وأسهمت في جهود الإغاثة بأفغانستان، وقدمت الدعم الصحي والتعليمي في أوغندا وتشاد، إلى جانب برامجها المستمرة لمكافحة شلل الأطفال في باكستان، التي أسهمت في حماية ملايين الأطفال.
كما برز الدور الإماراتي في الحرب الأوكرانية من خلال الوساطة الإنسانية في عمليات تبادل الأسرى، وتقديم المساعدات الطبية والغذائية، ودعم الأيتام والأسر المتضررة، في تأكيد على أن السياسة الإنسانية الإماراتية لا ترتبط بجغرافيا أو تحالفات سياسية، وإنما تنطلق من مبدأ حماية الإنسان أينما كان.

الدبلوماسية الإنسانية.. قوة ناعمة تعزز الحضور العالمي
وباتت المساعدات الإنسانية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة الإماراتية، إذ استطاعت الدولة أن تجمع بين العمل الخيري التقليدي والدبلوماسية الدولية، وأن تبني شبكة واسعة من الشراكات مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحكومات، بما جعلها شريكًا رئيسيًا في إدارة الاستجابة للكوارث والأزمات حول العالم.
ولعل احتضان الإمارات لأكبر مركز إنساني عالمي، واستضافة أكثر من ثمانين منظمة إنسانية دولية، إلى جانب عمل أكثر من أربعين مؤسسة إماراتية متخصصة في العمل الإغاثي والتنموي، يعكس حجم التحول الذي شهدته الدولة، من مانح للمساعدات إلى مركز عالمي لتنسيق العمل الإنساني، يربط بين التمويل والخبرة وسرعة الاستجابة، ويؤسس لنموذج متكامل يجعل من التضامن الإنساني ركيزة أساسية في سياستها الخارجية ورسالتها الحضارية.



