السعودية في أسبوع.. الاقتصاد يقود قاطرة النمو الهيكلي والتنافسية العالمية في مرحلة ما بعد الأزمات

الرياض- مركز العرب
تثبت المملكة العربية السعودية يوماً بعد يوم ريادتها الاقتصادية والسياسية على الساحتين الإقليمية والدولية، مستندة إلى إستراتيجية تنموية شاملة وصيغت بحرفية عالية لتنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد معرفي مستدام. وانطلاقاً من هذه الرؤية الراسخة التي تقودها القيادة الرشيدة للمملكة، يقدم مركز العرب للأبحاث والدراسات تقريراً إخبارياً شاملاً وتحليلاً رصيناً يسلط الضوء على الأداء الاستثنائي للاقتصاد السعودي خلال الربع الأول من عام ألفين وستة وعشرين، مستعرضاً طفرات النمو في القطاعات غير النفطية، والقفزات التنافسية العالمية، والمبادرات اللوجستية والإستراتيجية المبتكرة التي عززت مرونة المملكة وقدرتها على امتصاص الصدمات الجيوسياسية الإقليمية بحكمة واقتدار.

نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من 2026
أظهرت التقديرات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية تحقيق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً إيجابياً بنسبة ثلاثة بالمئة خلال الربع الأول من عام ألفين وستة وعشرين، وذلك عند مقارنته بالربع المماثل من العام الماضي، متجاوزاً التقديرات السريعة السابقة للهيئة التي كانت قد أشارت إلى نمو مقدر باثنين وثمانية بالعشرة بالمئة. ويعود هذا الصعود المتميز إلى الانتعاش المتزامن في جميع الأنشطة الاقتصادية الرئيسية في البلاد، حيث سجلت كل من الأنشطة النفطية والأنشطة غير النفطية ارتفاعاً متماثلاً بنسبة اثنين وتسعة بالعشرة بالمئة لكل منهما على أساس سنوي، في حين حققت الأنشطة الحكومية نمواً مقدراً بواحد ونصف بالمئة، مما يبرهن على تكامل منظومة الإنتاج المحرك للاقتصاد الوطني الكلي.
وعلى صعيد التحليل الربع سنوي والمساهمات القطاعية، أرجعت الهيئة الفضل الأكبر في دعم معدل النمو السنوي إلى الأنشطة غير النفطية باعتبارها المساهم الرئيسي بمقدار نقطة وسبعة بالعشرة من النقطة المئوية، تلتها الأنشطة النفطية بمقدار ثمانية أعشار النقطة المئوية، ثم الأنشطة الحكومية وصافي الضرائب بمقدار ثلاثة أعشار وعُشري النقطة المئوية على التوالي. وفي المقابل، أظهرت التعديلات الموسمية انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة واحد واثنين بالعشرة بالمئة مقارنة بالربع الرابع من عام ألفين وخمسة وعشرين، مدفوعاً بالتراجع المؤقت في الأنشطة النفطية بنسبة ستة وثمانية بالعشرة بالمئة على خلفية تحديات سلاسل الإمداد، بينما حافظت الأنشطة غير النفطية والحكومية على مسارها الإيجابي بنمو ربعي بلغ ثلاثة أعشار وواحد وأربعة بالعشرة بالمئة على التوالي.

مرونة الاقتصاد غير النفطي
حظيت هذه المؤشرات الإحصائية بتحليل عميق من كبار الخبراء الاقتصاديين، حيث أكد الخبير الاقتصادي محمد العنقري أن هذا النمو الحالي ليس مجرد طفرة مؤقتة أو عابرة، بل هو نتاج حتمي ومباشر للاستثمارات الضخمة والمدروسة التي ضُخت على مدار السنوات الماضية لتلبية مستهدفات رؤية المملكة ألفين وثلاثين. وتوقع العنقري أن يواصل الاقتصاد غير النفطي الحفاظ على زخم صاعد قوي ليتراوح معدل نموه بين خمسة بالمئة وخمسة ونصف بالمئة على أقل تقدير خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن التدابير الهيكلية والمشاريع العملاقة التي جرى تنفيذها بنجاح قد أهلت المملكة لتكون لاعباً عالمياً محورياً في قطاع الخدمات اللوجستية، مع الحفاظ على دورها التاريخي كمورد موثوق لأسواق الطاقة العالمية رغم الصدمة الجيوسياسية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز.
ومن جانبه أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور بندر الجعيد، في تحليل للمشهد، أن الزخم الإيجابي الذي شهده الاقتصاد السعودي في ظل الظروف الإقليمية الضاغطة يعود للتحول الهيكلي الحقيقي الذي جعل من القطاع غير النفطي محركاً ذاتياً ومستقلاً للاقتصاد وليس مجرد هدف فرعي. وأضاف الجعيد أن تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة نحو قطاعات التعدين والصناعة المتقدمة والنقل، قد أسهمت بشكل جماعي في تخفيف الآثار السلبية الناتجة عن تعطل حركة الملاحة البحرية وارتفاع تكلفة التمويل العالمية، مما يؤكد أن الاقتصاد السعودي يسير على المسار الصحيح وبأقل معدلات تأثر بالتداعيات الجيوسياسية الإقليمية مقارنة بغيره من اقتصادات المنطقة.

آفاق التوقعات الدولية والمحلية لنمو الاقتصاد
تتطابق الرؤى التحليلية المحلية مع النظرة التفاؤلية للمؤسسات المالية الدولية التي تتوقع تصاعد وتيرة النمو الاقتصادي في المملكة خلال العامين الحالي والمقبل تعبيراً عن ثقتها بالخطط التنفيذية المتبعة. ويشير صندوق النقد الدولي في أحدث تقديراته إلى أن الاقتصاد السعودي سينمو بنسبة ثلاثة وواحد بالعشرة بالمئة خلال عام ألفين وستة وعشرين، على أن يتسارع هذا النمو بشكل ملحوظ ليصل إلى أربعة ونصف بالمئة في عام ألفين وسبعة وعشرين مع التوسع المستمر للأنشطة غير النفطية. وفي سياق متصل، تبنى البنك الدولي نظرة أكثر تفاؤلاً بتوقعه نمواً قدره أربعة وثلاثة أعشار بالمئة للعام الحالي وأربعة وأربعة أعشار بالمئة للعام المقبل، مدفوعاً بتحسن بيئة الاستثمار.
وتدعم هذه التقديرات قراءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي وضعت توقعاتها لنمو الاقتصاد السعودي عند مستوى أربعة بالمئة في عام ألفين وستة وعشرين وثلاثة وستة بالعشرة بالمئة في عام ألفين وسبعة وعشرين بناءً على وتيرة الأداء العالمي ومعدلات الاستهلاك والطلب. وعلى الصعيد المحلي، تعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية السعودية في بيان الميزانية العامة توافقاً كبيراً مع هذه التوجهات، حيث تشير التقديرات الحكومية إلى تحقيق نمو اقتصادي مستهدف بنسبة أربعة وستة بالعشرة بالمئة في عام ألفين وستة وعشرين، ليعود ويستقر عند ثلاثة وسبعة بالعشرة بالمئة في عام ألفين وسبعة وعشرين، مما يبرهن على البناء الهيكلي المتوازن والتوجه الراسخ نحو تحقيق تنمية مستدامة طويلة الأجل وسهلة التنبؤ بها.

طفرة التنافسية العالمية والقفزة التاريخية
امتدت نجاحات المملكة التشريعية والإدارية لتنعكس بقوة في التقارير الدولية الصادرة عن أعرق المؤسسات الأكاديمية والبحثية، حيث حققت السعودية تقدماً استثنائياً بقفزها إلى المرتبة التاسعة عالمياً في مؤشر ممارسات المراجعة والمحاسبة ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام ألفين وستة وعشرين، الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا. وأوضح الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، أحمد بن عبدالله المغامس، أن هذا الانتقال التاريخي من المرتبة الثانية والعشرين إلى المرتبة التاسعة عالمياً جاء ثمرة مسيرة إصلاح وتطوير مستمرة شملت تبني المعايير الدولية الكاملة، وتطوير الأطر التنظيمية، ورفع تأهيل الكوادر الوطنية، مما عزز شفافية القوائم المالية ورفع مستوى الثقة في قطاع الأعمال السعودي.
وجاء هذا الإنجاز المهني ليدعم الموقع العام للمملكة العربية السعودية في الترتيب الكلي لتقرير التنافسية العالمية، حيث تقدمت لتتبوأ المركز الثالث عشر على مستوى العالم، وتستقر في المرتبة الثالثة بين دول مجموعة العشرين الكبرى، وهو ما يعد دليلاً قاطعاً على نجاح مسيرة التحول التنموي الشامل التي تقودها الرؤية الوطنية، وتكامل الجهود الحكومية والخاصة لبناء بيئة جاذبة للاستثمارات تتمتع بأعلى معايير الحوكمة والنزاهة المؤسسية.

منجزات القطاع السياحي لعام 2025
شكل قطاع السياحة واحداً من أهم الركائز التنموية الواعدة التي عكست نجاح التنويع الاقتصادي بالتزامن مع الذكرى العاشرة لإطلاق الرؤية، حيث كشف التقرير الإحصائي السنوي لوزارة السياحة السعودية لعام ألفين وخمسة وعشرين عن تحقيق أرقام قياسية وتاريخية غير مسبوقة في تدفقات الزوار والإنفاق الكلي. وأكد وكيل وزارة السياحة للبيانات ودعم القرار، حسن جنه، أن إجمالي عدد السياح في المملكة تجاوز حاجز المئة واثنين وعشرين مليوناً وستمئة ألف سائح بنمو بلغ خمسة وثمانية بالعشرة بالمئة مقارنة بالعام السابق، في حين قفز الإنفاق السياحي الإجمالي بنسبة سبعة بالمئة ليصل إلى ثلاثمئة وثلاثة مليارات وسبعمئة مليون ريال، لتتجاوز مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي حاجز الخمسة واثنين بالعشرة بالمئة وتتخطى القوى العاملة فيه المليون موظف.
وأظهرت البيانات التفصيلية للتقرير أن السياحة المحلية حظيت بالنصيب الأكبر بتسجيل ثلاثة وتسعين مليوناً وثلاثمئة ألف سائح من المواطنين والمقيمين بزيادة قدرها ثمانية وثلاثة أعشار بالمئة وإنفاق بلغ مئة وسبعة وعشرين مليار ريال، مما أسهم بقوة في امتصاص وتخفيف آثار الأزمات الجيوسياسية الخارجية. وفي المقابل استقبلت المملكة تسعة وعشرين مليوناً وثلاثمئة ألف سائح وافد من مئة وست وسبعين دولة حول العالم بإنفاق قارب المئة وستة وسبعين ملياراً وستمئة مليون ريال، حيث شكلت السياحة لأغراض غير دينية مثل الترفيه والأعمال والوجهات الحديثة كالعلا والبحر الأحمر نسبة اثنين وخمسين بالمئة من مجمل السياحة الوافدة، متفوقة على السياحة الدينية التي سجلت ثمانية وأربعين بالمئة، مع تسجيل نمو استثنائي في الزوار القادمين من الأسواق الأوروبية والسوق الصينية التي قفزت بمعدل ثمانية وأربعين بالمئة.

أمن الطاقة المستدام
وفي سياق متصل أعادت الأزمة الجيوسياسية الأخيرة المتمثلة في تعطل الملاحة بمضيق هرمز تسليط الضوء على الأهمية القصوى لأمن الإمدادات والمخزونات الإستراتيجية، وهو التحدي الذي واجهته المملكة بذكاء إستراتيجي عبر توسيع شراكاتها اللوجستية في قطاع الطاقة مع كبار المستهلكين في قارة آسيا. وفي هذا الإطار، وقع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان ونظيره الكوري الجنوبي كيم جونغ كوان مذكرة تفاهم شاملة في الرياض، تركز في بندها الأبرز على توسيع سعات تخزين النفط الخام السعودي داخل المنشآت والاحتياطيات البترولية الإستراتيجية لكوريا الجنوبية، مما يمنح الرياض فرصة التواجد المستمر قرب مراكز الطلب الآسيوية الحيوية ويضمن لسيؤول وصولاً فورياً وبديلًا لإمدادات الطاقة في حالات الطوارئ القصوى.
ويأتي هذا الاتفاق ليعزز شبكة لوجستية أرسخ بنتها شركة أرامكو السعودية عبر اتفاقيات تخزين مماثلة شملت اليابان في منشآت أوكيناوا منذ عام ألفين وعشرة، والهند في منشآت بادور ومانغالور، وهي منشآت تخزينية حيوية تنسق مباشرة مع منظومة الوكالة الدولية للطاقة. وقد أثبت هذا النموذج اللوجستي نجاعته المطلقة خلال أزمة الإغلاق الأخيرة لشريان هرمز، حيث نجحت المخزونات الإستراتيجية والتجارية التي كدستها المملكة والدول المستوردة، إلى جانب خطوط الأنابيب البديلة وزيادة الإنتاج والإفراج المنسق عن أربعمئة مليون برميل من قِبل الوكالة الدولية، في امتصاص الصدمة وحماية الاقتصاد العالمي من اشتعال الأسعار ومنع برميل برنت من تخطي عتبة المئة وثلاثين دولاراً وصولاً للمستويات الكارثية التي حذر منها المحللون.



