د. راندة فخر الدين تكتب.. هل نُربي رجالاً أم مجرد ذكور؟

هل يكفي أن يُولد الإنسان ذكراً ليُعتبر رجلاً؟ أم أن الرجولة أعمق من مجرد صفات بيولوجية تُحددها الطبيعة؟ هذا السؤال يفتح باباً واسعاً للنقاش في ظل تربية اجتماعية تُكرّس منذ الطفولة صورة مشوّهة للرجولة، تُعرف اليوم بـ الذكورة السامة.
فمنذ سنواتهم الأولى، يُلقَّن الأولاد أن “الرجال لا يبكون”، وأن القوة تعني الصمت والعنف، وأن المشاركة في الأعمال المنزلية أو التعبير عن المشاعر يُضعف مكانتهم. وبينما يظن المجتمع أنه يُنشئ رجالاً، فإنه في الحقيقة يُعيد إنتاج ذكور مقيدين بقوالب ضيقة تُضر بهم وبشريكاتهم في الحياة.
في مجتمعاتنا العربية
تتداخل كثير من المفاهيم المرتبطة بالذكورة والرجولة، حتى أصبحت الصورة مشوشة لدى كثير من الرجال والنساء. فالذكورة تُفهم غالباً باعتبارها صفة بيولوجية مرتبطة بالجنس الذكري، بينما تُقدَّم الرجولة أحياناً في قالب القوة الجسدية أو السيطرة أو الحزم المبالغ فيه. لكن الحقيقة أن الرجولة مفهوم أوسع بكثير، يتجاوز حدود الجسد إلى فضاء القيم الإنسانية والسلوكيات الناضجة التي تخلق توازناً في العلاقات، وخصوصاً في العلاقة الزوجية.
المرأة، في علاقتها بالرجل، لا تبحث عن مجرد “ذكر”، بل عن رجل حقيقي قادر على أن يمنحها الأمان النفسي، ويعاملها باحترام، ويشاركها تفاصيل الحياة اليومية. وهنا يبرز سؤال أساسي: ما الذي تحتاجه المرأة حقاً من الرجل؟ وهل تستطيع الذكورة وحدها أن تلبي هذه الاحتياجات، أم أن الأمر يتطلب نموذجاً أكثر نضجاً للرجولة؟
التربية وصناعة “الذكورة السامة”
تتجذر مظاهر “الذكورة السامة” منذ سنوات الطفولة المبكرة، حيث يبدأ المجتمع بتشكيل وعي الأولاد من خلال قوالب جامدة لما يجب أن يكون عليه “الرجل”. وغالباً ما يتعرض الطفل للضغط من الأسرة والأقران لتبني سلوكيات قد تبدو طبيعية في ظاهرها، لكنها تحمل آثاراً نفسية واجتماعية خطيرة على المدى البعيد.
• في الطفولة:
يُمنع الأولاد من اللعب بالألعاب التي تُعتبر “أنثوية” مثل الدمى أو أدوات المطبخ، ويُدفعون للعب بالمسدسات والسيارات باعتبارها “مناسبة للرجال”. وعندما يُظهر الطفل حزنه أو بكاءه، يُقابل باللوم وربما العقاب الجسدي مع عبارة مألوفة: “الرجال لا يبكون”. أما الفنون، مثل الشعر أو الرسم، فتُوصم بأنها للفتيات فقط. هذه التربية تقمع المشاعر الطبيعية للطفل وتزرع بداخله شعوراً بالخجل من عواطفه.
• في مرحلة المراهقة:
يتعرض المراهقون للتنمر إذا لم يمتلكوا جسداً قوياً أو صوتاً غليظاً، أو إذا لم يمارسوا الرياضات “الرجولية” كالكرة أو المصارعة. من يخرج عن هذا النمط يُوصم بالضعف أو يُنعت بألقاب تقلل من رجولته. وهنا يُعاد إنتاج نفس النموذج: الرجولة = قوة جسدية + صلابة عاطفية.
• في مرحلة النضج:
حتى بعد الزواج، تستمر هذه القوالب في مطاردة الرجل. فمن يساعد زوجته في الأعمال المنزلية يتعرض للسخرية، ومن يترك لزوجته حرية القرار يُتهم بأنه “ضعيف”، ومن يتزوج امرأة أكبر منه سناً يُعامل وكأنه فقد شيئاً من رجولته. بهذا الشكل، يُسجن الرجل في صورة ضيقة تفرض عليه أن يكون دائماً المسيطر، المتحكم، والبعيد عن التعبير عن مشاعره.
اقرأ أيضا: فلسطين في أسبوع.. تأييد دولي ساحق لحل الدولتين وإسرائيل تستعد لاجتياح مدينة غزة
هذه التربية لا تؤذي الرجل فقط، بل تخلق علاقة غير متوازنة مع المرأة، حيث يتحول الزواج من شراكة قائمة على الثقة والاحترام، إلى ساحة لإثبات السيطرة أو تجنب “الإحراج الاجتماعي”.
احتياجات المرأة من الرجل: ما وراء المظاهر
المرأة، مثلها مثل الرجل، تحمل احتياجات إنسانية أساسية في علاقتها الزوجية، تتجاوز المظاهر السطحية أو الأدوار النمطية. ومن أبرز هذه الاحتياجات:
1. الأمان النفسي: لا يكفي أن يوفر الرجل سقفاً أو مصدراً مالياً، فالأمان الذي تبحث عنه المرأة هو أن تشعر أن مشاعرها وأحلامها في مأمن من الخيانة أو الاستهزاء أو التقليل.
2. الثقة المتبادلة: تُبنى بالأفعال الصغيرة المتكررة، مثل الالتزام بالوعود أو الاعتراف بالخطأ. غيابها يحول العلاقة إلى فراغ عاطفي.
3. التقدير والاحترام: تحتاج المرأة إلى رجل يقدّرها كإنسانة كاملة، لا كجزء ثانوي في حياته.
4. المودة والرحمة: الحب الحقيقي لا يظهر فقط في المواقف الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة: كلمة طيبة، لمسة حنان، أو حتى ابتسامة صادقة.
5. الشراكة الحقيقية: المشاركة في المسؤوليات، سواء داخل المنزل أو خارجه، لا تقلل من رجولة الرجل، بل تؤكد وعيه بإنسانيته وبأن العلاقة قائمة على العدالة والإنصاف.
آثار الذكورة السامة على الرجال والنساء معاً
القوالب التربوية التي تُفرض على الذكور منذ الطفولة لا تختفي مع النضج، بل تتحول إلى سلوكيات يومية لها آثار نفسية واجتماعية عميقة:
• على الرجل:
شعور متزايد بالوحدة، ضعف في القدرة على التعبير عن العاطفة، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وحتى الانتحار. كما تدفع كثيرين إلى اللجوء للعنف أو المخدرات للهروب من صراع داخلي مع مفهوم “الرجولة المثالية”.
• على المرأة:
تجد نفسها في علاقة غير متوازنة، حيث تُقصى عن اتخاذ القرار، وتُحمَّل أعباءً إضافية في المنزل، وتُحرم من الدعم العاطفي. وفي بعض الحالات يتطور الأمر إلى العنف الأسري أو السيطرة المفرطة.
نحو نموذج صحي للرجولة
المطلوب اليوم ليس إلغاء الرجولة أو التنصل منها، بل إعادة تعريفها في إطار صحي يحرر الرجل والمرأة معاً. الرجولة لا تعني القسوة أو السيطرة، بل تعني المسؤولية، المودة، والقدرة على منح الأمان النفسي.
الرجل الذي يعترف بمشاعره، ويحترم شريكته، ويتحمل المسؤولية بوعي، هو الرجل الذي تحتاجه المرأة فعلاً. أما الذي يحصر رجولته في القوة الجسدية أو السلطة المطلقة، فإنه يخسر إنسانيته وعلاقته في آن واحد.
ختاما فإن الذكورة السامة ليست قدراً، بل نتاج تربية وموروث اجتماعي يمكن تغييره. تبدأ الحلول من الأسرة والمدرسة والإعلام، بفتح المجال أمام الأولاد للتعبير عن مشاعرهم، وتربية البنات والأولاد على المساواة والشراكة لا على الصراع.
إن المرأة تحتاج إلى رجل لا يختبئ خلف قناع الرجولة الزائفة، بل رجل حقيقي يعيش معها بصدق، ويعاملها كشريكة، ويمنحها الأمان النفسي والثقة.
إن أكبر خديعة يواجهها الرجل هي اعتقاده أن رجولته تُقاس بمدى قسوته أو قدرته على السيطرة، بينما الحقيقة أن الرجولة تُقاس بقدرته على الحب، والصدق، وتحمل المسؤولية.
المرأة لا تحتاج إلى ذكر يفرض سلطته، بل إلى رجل يشاركها إنسانيته ويمنحها الثقة والأمان. عندها فقط تتحقق السعادة الزوجية بوصفها علاقة متوازنة قائمة على الاحترام والمودة.
وربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا بجرأة: هل نريد أن نُربي جيلاً جديداً من الذكور، أم جيلاً جديداً من الرجال الحقيقيين؟
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



