الرئيسيةمجلة العرب

مصر تكتب فصلاً جديدًا من الخلود.. افتتاح مبهر للمتحف المصري الكبير بحضور قادة العالم

القاهرة –  عبد الغني دياب

في أمسية تفيض فخرًا وحضارة، وعلى مرمى البصر من الأهرامات الخالدة، شهدت مصر والعالم حدثًا استثنائيًا، حيث افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مساء السبت 1 نوفمبر 2025 المتحف المصري الكبير، أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، في احتفالية أسطورية جمعت بين عبقرية الماضي وإبداع الحاضر وسط حضور مهيب لقادة وزعماء العالم.

السيسي: المتحف شهادة على عبقرية المصري

في كلمته التي جاءت محمّلة بروح التاريخ وإشراقة المستقبل، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي:”اليوم نكتب فصلاً جديدًا من تاريخ الحاضر والمستقبل في قضية هذا الوطن العريق… فهذا الصرح العظيم ليس مجرد مكان لحفظ الآثار النفيسة، بل هو شهادة حيّة على عبقرية الإنسان المصري، الذي شيد الأهرام ونقش على الجدران سيرة الخلود”.

وأضاف الرئيس أن المتحف يمثل ثمرة تعاون دولي واسع، مقدّمًا شكره العميق لدولة اليابان على دعمها الكبير لهذا المشروع الحضاري العملاق، كما ثمّن جهود المصريين من مسؤولين ومهندسين وأثريين وعمال “الذين نحتوا هذا الإنجاز بأيديهم وإصرارهم على مدى أكثر من عشرين عامًا”.

وختم السيسي كلمته برسالة إنسانية جامعة: “ليكن هذا المتحف منبرًا للحوار ومقصدًا للمعرفة ومنارة لكل من يحب الحياة ويؤمن بقيمة الإنسان… تحيا مصر، وتحيا الإنسانية”.

حضور عالمي غير مسبوق

عكست قائمة الحضور للمتحف المصري الكبير مكانة مصر الفريدة في العالم، إذ شهد الحفل مشاركة 79 وفدًا رسميًا، من بينهم 39 وفدًا برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، في مشهد لم تعرفه القاهرة من قبل.

وضمت قائمة الحضور ملوك وأمراء من بلجيكا، وإسبانيا، والدنمارك، والأردن، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات، والسعودية، واليابان، وتايلاند، ولوكسمبورج، وموناكو، إلى جانب رؤساء دول من ألمانيا، والبرتغال، وكرواتيا، وقبرص، وألبانيا، وفلسطين، وليبيا، واليمن، وجيبوتي، والصومال، وإريتريا، وغانا، والكونغو الديمقراطية، وفرسان مالطا.
كما شارك رؤساء وزراء من اليونان، والمجر، وبلجيكا، وهولندا، والكويت، ولبنان، وأوغندا، فضلًا عن تمثيل وزاري وبرلماني واسع من أكثر من خمسين دولة حول العالم.

وشارك أيضًا ممثلو المنظمات الإقليمية والدولية، من بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، والممثل السامي لتحالف الحضارات بالأمم المتحدة، في حضور دولي يعكس الاحترام الكبير لمكانة مصر الحضارية ودورها الثقافي الإنساني المتجذر.

لحظة الوصول: “أنا المصري” تتردد بين أرجاء المجد

في لحظة مهيبة، وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته السيدة انتصار السيسي إلى موقع الاحتفال، على وقع عزف أوركسترا عالمي لمقطوعة “أنا المصري” للموسيقار سيد درويش، في أداء أوركسترالي ضخم قاده المايسترو ناير ناجي، بينما أبدع الموسيقار هشام نزيه في تأليف موسيقى الافتتاح التي امتزجت بصوت التاريخ في خلفية أهرامات الجيزة.

وقد أضاءت عروض الصوت والضوء سماء القاهرة في مشهد وُصف بأنه “معجزة فنية وهندسية”، صممها الفنان محمد عطية، لتجسد رحلة مصر من فجر الحضارة حتى حاضرها المشرق.

متحف على أرض الأساطير

يقع المتحف المصري الكبير على مساحة 500 ألف متر مربع، أي ضعف مساحة متحف اللوفر الفرنسي، ويضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمتد على مدى 7,000 عام من التاريخ المصري، بينها 20 ألف قطعة تُعرض لأول مرة.

يتصدر واجهة المتحف تمثال رمسيس الثاني بارتفاع 12 مترًا ووزن 83 طنًا، في بهو فخم يتجه نحو أهرامات الجيزة، بينما تحتضن القاعات الكبرى مراكب الشمس، والمسلة المعلقة، والدرج العظيم الممتد على مساحة 6,000 متر مربع.

ويضم المتحف أكبر مركز ترميم في الشرق الأوسط، مقامًا على مساحة 12,300 متر مربع على عمق 10 أمتار تحت الأرض، إضافة إلى مخازن أثرية تتسع لـ50 ألف قطعة.

ولادة الحلم: من فكرة فاروق حسني إلى صرح العالم

في شهادة تاريخية، استعاد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني بدايات الحلم، قائلًا:”ولدت فكرة المتحف من إحساس شخصي بعدم الرضا عن المتحف المصري في التحرير… أردت أن يكون لمصر متحف يليق بعظمتها، فقلت: سنبني أكبر متحف في العالم قرب الهرم، وهكذا بدأ الحلم”.

وأشار إلى أن اليابان كانت أول من دعم المشروع عبر منحة كبيرة، وأن المسابقة المعمارية لتصميم المتحف شارك فيها أكثر من 1557 مكتبًا معماريًا عالميًا، وفاز التصميم الذي جعل الأهرامات جزءًا من المشهد البصري للمتحف.

منبر عالمي للثقافة والسلام

وخلال الحفل، قال مدير اليونسكو الدكتور خالد العناني:”الأحلام الكبيرة لا تولد بين ليلة وضحاها… افتتاح المتحف المصري الكبير هو انتصار لقيم السلام والمعرفة والعدالة، ودعوة مفتوحة لأطفال وشعوب العالم لاكتشاف روح حضارة لا تزال تلهم الإنسانية”.

من جهته، أكد الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، أن الافتتاح يمثل “تتويجًا لجهود استمرت أكثر من عقدين”، مشيرًا إلى أن “فرحة مصر تمتد أصداؤها إلى العالم بأسره”.

حفل يليق بمجد مصر

لم يخلُ الحفل من لمسة الفن المصري المعاصر، حيث شارك عدد من نجوم الشباب في عروض استعراضية مستوحاة من روح الفراعنة، أبرزهم أحمد مالك، وسلمى أبو ضيف، وتارا عماد، وهدى المفتي، الذين ظهروا بالزي الفرعوني في لوحات فنية تم تصويرها عند الأهرامات لتعرض على الشاشات العملاقة أمام الحضور.

كما شهد الحفل عروضًا جوية لطائرات شراعية حملت لافتات كتب عليها “أهلاً بكم في أرض السلام”، في رسالة ترحيب بالعالم من قلب أرض الحضارة.

العالم يشاهد مصر

حظي الحدث بتغطية إعلامية عالمية ضخمة، إذ بث متحف جامعة جونز هوبكنز الأمريكية للآثار الافتتاح مباشرة، كما وصفته وكالة أسوشيتد برس بأنه “أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة قديمة، ومشروع ضخم يعيد مصر إلى واجهة السياحة والثقافة العالمية”.

من الماضي إلى الأبد

في تلك الليلة التي أضاءت سماء الجيزة، بدت مصر كأنها تستعيد صوتها الأزلي من قلب الأهرامات إلى العالم، مؤكدة أن الحضارة لا تُورث فقط، بل تُبنى من جديد.

فالمتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يعرض آثارًا، بل رسالة مفتوحة من مصر إلى الإنسانية تقول فيها:”ها نحن هنا، كما كنا دائمًا… نبني، نبدع، ونكتب فصول الخلود.”

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى