ماذا تريد إفريقيا من مصر… وماذا تريد مصر من إفريقيا في عام 2026؟ قراءة في منطق المصالح وصياغة المستقبل»

رامي زهدي – نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، ورئيس وحدة الدراسات الإفريقية بالمركز
مع دخول عام 2026، تبدو العلاقة بين مصر والقارة الإفريقية وقد بلغت مرحلة مختلفة نوعيا عن كل ما سبقها، مرحلة لم تعد فيها الشعارات العامة كافية، ولا المجاملات الدبلوماسية قادرة على حمل أعباء واقع إفريقي شديد التعقيد، ولا طموحات مصر الإقليمية قابلة للتحقق دون إعادة تعريف دقيقة لمعنى الشراكة، وحدود المصالح، وأدوات الفعل.
نحن أمام لحظة اختبار مزدوجة، اختبار لإفريقيا في قدرتها على الانتقال من خطاب المظلومية التاريخية إلى منطق الشراكات الذكية، واختبار لمصر في قدرتها على التحول من دور الدولة الحاضرة سياسيا إلى الدولة المؤثرة اقتصاديا وتنمويا ومعرفيا داخل القارة.
اقرأ أيضا: إهداء مؤلفات المفكر علي الشرفاء الحمادي إلى مكتبة الجمعية الفلسفية المصرية
إفريقيا في 2026 لا تبحث عن وسيط خطابي، ولا عن داعم رمزي في المحافل الدولية فقط، بل تبحث عن شريك دولة يمتلك خبرة الدولة، وقدرة التنفيذ، وفهما لتناقضات القارة من الداخل.
القارة التي يقترب عدد سكانها من 1.5 مليار نسمة، ويتوقع أن يصل إلى نحو 1.7 مليار بحلول 2030، والتي تضم ستة من أسرع عشرة اقتصادات نموا في العالم خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تعاني من فجوة تمويل سنوية للبنية التحتية تقدر بنحو 100 مليار دولار، ومن معدلات بطالة شبابية تتجاوز 30 في المئة في عدد كبير من دولها، ومن اعتماد مفرط على تصدير المواد الخام التي تمثل في المتوسط أكثر من 70 في المئة من صادرات العديد من الاقتصادات الإفريقية.
في هذا السياق، ما تريده إفريقيا من مصر في 2026 يمكن تلخيصه في ثلاث دوائر متداخلة، دون الحاجة إلى عناوين فرعية، أولها الخبرة القابلة للنقل، فإفريقيا تنظر إلى مصر بوصفها دولة خاضت خلال عقد واحد تجربة تنموية كثيفة، شملت بناء مدن جديدة، وتطوير بنية تحتية قومية، وإصلاحات اقتصادية قاسية لكنها منظمة، وتوسعا في شبكات الطاقة والطرق والموانئ، القارة تريد نماذج تنفيذية، شركات، تحالفات، أدوات تمويل، ومهندسين وإداريين قادرين على العمل في بيئات صعبة ومعقدة، التجربة المصرية في إنشاء مناطق لوجستية، ومجمعات صناعية، ومدن إدارية، تمثل بالنسبة لكثير من الدول الإفريقية ما يشبه المختبر التطبيقي الذي يمكن استنساخه وتكييفه محليا.
الدائرة الثانية التي تنتظرها إفريقيا من مصر هي دور الوسيط العاقل داخل النظام الدولي، فالقارة التي تمثل اليوم نحو 28 في المئة من أصوات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا تزال ضعيفة التأثير في دوائر صنع القرار الاقتصادي العالمي، إفريقيا تريد من مصر أن تكون جسرا، وأن تستخدم علاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية، والمؤسسات المالية الكبرى، لتسهيل تدفقات الاستثمار، وإعادة هيكلة الديون، وفتح مسارات تمويل أكثر عدالة لمشروعات التنمية.
في 2026، ومع تصاعد أعباء الديون السيادية في أكثر من 20 دولة إفريقية، حيث تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي في بعضها حاجز 70 في المئة، يصبح الدور المصري المطلوب هو دور الدولة التي تفهم لغة المؤسسات الدولية دون أن تنفصل عن أولويات الجنوب.
أما الدائرة الثالثة فهي الأمن بمعناه الشامل، وليس العسكري فقط، إفريقيا تريد من مصر فهما عميقا لمعادلة الاستقرار، التي تربط بين الأمن الغذائي، والأمن المائي، والطاقة، وفرص العمل، القارة تواجه في 2026 تحديات مركبة، من تمدد الجماعات المسلحة في الساحل والقرن الإفريقي، إلى النزاعات الداخلية المرتبطة بالموارد والهوية، إلى تأثيرات التغير المناخي التي تهدد أكثر من 250 مليون إفريقي بانعدام الأمن الغذائي، ومصر، بخبرتها التاريخية في إدارة التوازنات، وبموقعها الجغرافي، مطالبة بأن تكون جزءا من مقاربة إفريقية جماعية للأمن.
وفي المقابل، فإن السؤال الأكثر حساسية هو ماذا تريد مصر من إفريقيا في عام 2026، وهو سؤال لا يقل تعقيدا، لأنه يمس جوهر التحول في الرؤية المصرية للقارة، فمصر لم تعد تنظر إلى إفريقيا كساحة نفوذ سياسي فقط، بل كسوق، وعمق استراتيجي، ومجال حيوي لإعادة تموضعها الاقتصادي عالميا.
مصر في 2026 تريد من إفريقيا أولا شراكة اقتصادية حقيقية، تتجاوز الأرقام المتواضعة للتجارة البينية التي لا تزال، رغم التحسن، تدور حول 10 إلى 12 في المئة من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 في المئة داخل الاتحاد الأوروبي. مصر تدرك أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تضم سوقا موحدة بناتج إجمالي يتجاوز 3.4 تريليون دولار، تمثل فرصة تاريخية، لكنها لن تتحول إلى واقع دون استثمارات في سلاسل القيمة، والنقل، واللوجستيات، والتصنيع المشترك.
مصر تريد من إفريقيا أيضا مساحة للحركة الاستراتيجية، في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى.
القارة الإفريقية، بما تملكه من موارد طبيعية تمثل نحو 30 في المئة من الاحتياطي العالمي للمعادن، و40 في المئة من الذهب، ونسب معتبرة من الكوبالت والليثيوم الضروريين للتحول الطاقي، تشكل لمصر بوابة للدخول في معادلات الاقتصاد الأخضر والرقمي.
مصر لا تسعى فقط إلى استيراد المواد الخام، بل إلى شراكات تصنيع وتوطين تكنولوجيا، تخلق قيمة مضافة داخل القارة وتخدم المصالح المشتركة.
وعلى المستوى السياسي، تريد مصر من إفريقيا موقفا أكثر تماسكا في القضايا الوجودية، وعلى رأسها قضايا الأمن المائي، واستقرار الدولة الوطنية، ورفض سيناريوهات التفتيت، مصر لا تطلب اصطفافا أعمى، لكنها تحتاج إلى بيئة إفريقية تدرك أن استقرار مصر جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم، وأن أي اختلال في التوازنات الكبرى سينعكس سلبا على الجميع.
عام 2026، إذا، ليس عاما للمجاملات، بل عاما لإعادة صياغة العقد غير المكتوب بين مصر وإفريقيا، عقد يقوم على المصالح المتبادلة، لا العواطف، وعلى الشراكة العملية، لا الخطابة، وعلى إدراك أن المستقبل الإفريقي لن يصنعه الخارج وحده، ولن تصنعه دولة بمفردها.
مصر تملك ما تقدمه لإفريقيا من خبرة وقدرة وتنظيم، وإفريقيا تملك ما تحتاجه مصر من عمق وسوق وموارد وفرص، وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل النوايا إلى سياسات، والسياسات إلى مشروعات، والمشروعات إلى واقع يلمسه المواطن الإفريقي والمصري على حد سواء.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



