رامي زُهدي يكتب.. «من النيل إلى الخليج… نداء: هل ما زال هناك أمل؟»
"قمة الدوحة: بين امتحان الإرادة وخريطة الطريق نحو أمة أقوى"
من القاهرة، العاصمة التي طالما حملت على عاتقها مسؤولية الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية، تتجه الأنظار إلى الدوحة حيث تنعقد يومي 15 و16 سبتمبر الجاري القمة العربية–الإسلامية في لحظة تاريخية فارقة لا تشبه ما سبقها من اجتماعات أو لقاءات. فالقمة هذه المرة لا تأتي في إطار دبلوماسي بروتوكولي عابر، وإنما تنعقد تحت وطأة اختبار مصيري فرضه العدوان الإسرائيلي الأخير على العاصمة القطرية، في مشهد يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخطر لم يعد مقصورًا على فلسطين وحدها، بل تمدد ليطرق أبواب العواصم ويهدد الأمن القومي العربي والإسلامي في عمقه.
نعم، هاهو العدوان يعود ليطل علينا من قضية حدود إلى قضية وجود. لنعد بالذاكرة إلى فصول من التاريخ حيث كان الاستعمار يتخذ وجوهاً متعددة من الحروب الصليبية إلى احتلالات وممارسات ما بعد الحربين وصولًا إلى عدوان 1967 ثم اليوم موجة جديدة من الاحتلال والفوضى والعربدة السياسية والعسكرية في غياب القانون والشرعية الدولية، مع موت إكلينيكي لمؤسسات الأمم المتحدة الدولية.
الآن لم يعد العدوان الإسرائيلي مجرد صراع على خطوط مرسومة على الخرائط، بل تحوّل إلى معركة وجود تختبر بها إرادة أمة كاملة. فلسطين التي تنزف منذ أكثر من سبعة عقود ما زالت تدفع وحدها ثمن صمت المجتمع الدولي وتردد المواقف العربية. تشير الإحصاءات إلى أن عام 2024 وحده شهد استشهاد ما يزيد على 18 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، إضافة إلى نحو 700 ألف نازح، في أكبر عملية تهجير قسري بالمنطقة منذ عقود. وعلى مشارف ختام 2025، لا تزال المأساة مستمرة بل تزداد قسوة واتساعًا.
ما حدث في الدوحة مؤخرًا من اعتداءٍ مباشرٍ يُعلن أن الخطر تجاوز جغرافيا فلسطين إلى قلب العواصم، وأن معادلة الأمن القومي باتت تستوجب مقاربة جديدة تُحوِّل عناصر القوة الكامنة لدى العرب والمسلمين الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية والديمغرافية إلى أدوات ردعٍ حقيقية، بدل أن تبقى أرقامًا جامدة في تقارير الإحصاء.
الشعوب العربية والإسلامية والمسيحية العربية كذلك لم تعد تنتظر من قممها خطاباتٍ إنشائية أو بياناتٍ تُطوى مع أول نشرة أخبار، بل قرارات عملية تعيد الثقة وتبعث الأمل. ما تطالب به هذه الشعوب اليوم يتقاطع في مسارات واضحة: وقف شامل وفوري للعدوان الإسرائيلي، مع اعتبار الاعتداء على الدوحة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي والإسلامي؛ تحرك دبلوماسي منسق تقوده الدول العربية والإسلامية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لفرض آليات حماية دولية للشعب الفلسطيني والدفع نحو الاعتراف الكامل بدولة فلسطين؛ إطلاق جبهة اقتصادية عربية–إسلامية تبدأ بالمقاطعة الشاملة للكيان المعتدي وحلفائه، وتمتد إلى برامج إنمائية تعزز صمود الفلسطينيين؛ إعادة النظر في منظومة الدفاع العربي والإسلامي المشترك بحيث لا تُترك أي دولة أو عاصمة بمفردها أمام عدوان جديد؛ وتوحيد الخطاب الإعلامي والسياسي عبر منصة عربية–إسلامية تكشف جرائم الاحتلال وتفكك سرديته المزيفة وتعيد تشكيل الرأي العام الدولي لصالح الحق.
التحدي الحقيقي أمام القادة في الدوحة لا يكمن في مجرّد إصدار بيان مدوّن، بل في تحويل هذا البيان إلى خريطة طريق ملزمة وواقعية قابلة للتنفيذ. هناك حاجة ملحّة إلى إنشاء لجنة وزارية دائمة سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية لمتابعة الاعتداءات والرد عليها سياسياً ودبلوماسياً ولتعامل مُوحد في مواجهة الكيان وداعميه، وإلى إطلاق صندوق إنمائي عربي–إسلامي مخصّص لإعادة إعمار غزة وتعزيز صمود القدس، وإلى تحديد جدول زمني ملزم لتنفيذ القرارات بحيث لا تبقى القرارات حبيسة البيانات الختامية.
ويبقى دور مصر محوريًا لا يمكن تجاوزه في قراءة مشهد القمة. مصر التي حملت تاريخيًا عبء القضية الفلسطينية وقادت جهود الوساطة مراتٍ عديدة، تظل حجر الزاوية في أي مسعى جماعي عربي–إسلامي. تمتلك القاهرة ثقلًا ديموغرافيًا يمثل ربع الأمة العربية، وموقعًا جغرافيًا يجعلها قلب التوازن الإقليمي، إضافة إلى خبرة تراكمية في إدارة الملفات الصعبة والتفاوض. في هذه القمة يُنتظر من مصر دفع مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي دولي يضمن عدم ترك الساحة خالية للسردية الإسرائيلية في المؤسسات الأممية، ومسار عملي عربي–إسلامي يدعم صمود الشعب الفلسطيني بمبادرات اقتصادية وإنمائية ملموسة تكون القاهرة حاضرة في صياغتها وتطبيقها. مصر، بعلاقاتها المتوازنة وعمقها العربي–إفريقي، مؤهلة لتكون الجسر الذي يعيد ربط المواقف، ويحوّل القمة من مناسبة طارئة إلى نقطة تحول استراتيجية.
قمة الدوحة مطالَبَة بأن تكون قمة فاصلة لا فاترة مُكررة منزوعة الأهمية والتأثير، وأن تُسجَّل في ذاكرة الشعوب كبداية لمسار جديد لا فرصة ضائعة أخرى تُضاف إلى سجل طويل من الفرص المهدورة. إن القدس وفلسطين ظلَّتا دائمًا معيار شرف الأمة وبوصلتها الأخلاقية. الاعتداء على الدوحة أيقظ وعياً جديدًا بمدى خطورة المشروع التوسعي على مستقبل المنطقة بأسرها. وحدة الدم والمصير بين المسلمين والمسيحيين العرب، التي تجلّت بوضوح في أماكن مثل القاهرة حيث تتعانق المآذن مع الأجراس، هي الصخرة التي تتحطم عليها أطماع المعتدين، وهي الضمانة أن الأمة رغم جراحها قادرة على استعادة زمام المبادرة متى توافرت الإرادة.
التاريخ لا يُكتب بالحبر على الورق، بل بدماء الشهداء وقرارات القادة. وإذا كانت الشعوب قد أثبتت صمودها رغم سبعة عقود من المعاناة، فإن الكرة الآن في ملعب القادة ليختاروا بضمير إما صناعة التاريخ بقرارات شجاعة، أو الارتهان لصمت سيُسجَّل في ذاكرة الأجيال كوصمة عجز. لقد آن الأوان أن تتحول القمم العربية والإسلامية من منصات للتعبير عن الألم إلى منصات لصناعة الأمل، ومن منابر احتجاج إلى معاول ردع وهدم لكل كيان غاصب وطامع وداعميه كذلك.
بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب



