فلسطين في أسبوع.. سلام غزة أمام اختبار الإرادة الدولية وفاتورة الإعمار تتجاوز 70 مليار دولار

ثائر نوفل أبو عطيوى
يتنفس سكان قطاع غزة الصعداء مؤقتًا بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حرباً استمرت عامين، خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودماراً شاملاً في المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية. هذا الكم الهائل من الركام والتحطّم جعل التطرق إلى إعادة إعمار غزة أمراً ملحّاً، واحتل صدارة جدول أولويات القمة التي انعقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أيام، حيث تم توقيع وثيقة دعم الاتفاق. دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الأميركي إلى رعاية مؤتمر دولي في القاهرة لإعادة الإعمار. من جانبه وصف الرئيس الأميركي مجمل الدمار بأنه «موقع هدم»، وأكد أن إزالة الأنقاض ستبدأ “فعلياً على الفور تقريباً”، مشيراً إلى تدفّق كبير للأموال من دول وصلت بها النية للمساهمة.
وفي داخل قطاع غزة يسود واقع إنساني مأساوي، يعيش فيه السكان تحت حصار شبه تام، وفي ظل انسداد الممرات الرئيسية لإدخال الغذاء والدواء والمساعدات. وفق بيانات تحليلية، أكثر من نصف السكان مهددون بمجاعة مؤكدة، مع تفاقم حالات سوء التغذية لدى الأطفال. البنية التحتية الصحية في حالة انهيار: عدد كبير من المستشفيات إما خارج الخدمة أو تعمل بحدودها الدنيا، مع نقص حاد في الوقود والمعدات الطبية. المدارس تضرّرت أو دُمرت، وشبكات المياه والصرف الصحي تواجه عجزاً كبيراً في التشغيل، مما يزيد من مخاطر تفشي الأمراض. ومهمات الإغاثة تتعرّض لعراقيل لوجستية وأمنية تجعل وصولها إلى المناطق المنكوبة شبه مستحيل في كثير من الأوقات. يعيش الكثيرون في حالة نزوح متواصل ويضطرون للبحث عن مأوى مؤقت أو البقاء في خيام، في حين تبدّد فكرة العودة إلى ما كان عليه الحال قبل الحرب.

قمة شرم الشيخ ومؤتمر القاهرة المنتظر
في قمة السلام التي انعقدت بمدينة شرم الشيخ المصرية، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الأميركي دونالد ترامب إلى رعاية ودعم المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة المقرر عقده في القاهرة خلال نوفمبر المقبل. وأكد السيسي أن السلام لا يكتمل إلا بإعادة بناء ما تهدم وإعادة الأمل لسكان القطاع.
من جانبه وصف الرئيس الأميركي غزة بأنها “موقع هدم”، مؤكداً أن عمليات إزالة الركام ستبدأ “على الفور تقريباً”، مشيراً إلى “تدفق كبير للأموال من دول غنية وقوية” للمشاركة في عملية الإعمار.

أرقام الدمار والاحتياجات
تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى تدمير أكثر من 300 ألف وحدة سكنية كلياً و200 ألف جزئياً، إلى جانب خروج 25 مستشفى و103 مراكز صحية أولية عن الخدمة، وتضرر 95% من المدارس، وتعطل 85% من شبكات المياه والصرف الصحي.
ويقول جاكو سيلييرس، المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن حجم الأنقاض يقدَّر بنحو 55 مليون طن، أُزيل منها حتى الآن 81 ألف طن فقط. ويضيف أن تكلفة الإعمار قد تصل إلى سبعين مليار دولار وأن العملية قد تستغرق عقوداً.
تقديرات البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تتحدث عن احتياجات عاجلة بنحو 20 مليار دولار في السنوات الثلاث الأولى، ترتفع إلى 53 ملياراً على مدى عشر سنوات، مع 19 مليار دولار إضافية لتعويض الخسائر الاجتماعية والاقتصادية.

حراك دولي وتمويل متنوع
إلى جانب قمة شرم الشيخ، شهدت بريطانيا مؤتمراً في مقاطعة ويست سوسكس لبحث آليات التمويل المبتكرة لإعمار غزة، بمشاركة مسؤولين من مصر والسعودية والأردن وألمانيا وإيطاليا والسلطة الفلسطينية ومؤسسات مالية كبرى. وأكد وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر ضرورة التحرك الفوري لإزالة الركام وإعادة بناء البنى التحتية.
وتوقعت صحيفة “التايمز” البريطانية أن تضخ قطر والإمارات استثمارات كبيرة في مشاريع الإعمار، بينما يتوقع أن تشارك بريطانيا والولايات المتحدة وتركيا بخبراتها في إعادة البناء.
الاستقرار شرط للإعمار
يرى أستاذ العلوم السياسية خيري عمر أن تنفيذ أي خطة إعمار حقيقية مرهون بتحقيق الاستقرار السياسي في غزة وضمان الترتيبات الانتقالية للإدارة. وأوضح أن الخلافات بين واشنطن وبعض الوسطاء العرب وتركيا تتمحور حول شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، مشيراً إلى أن إنجاح الإعمار يتطلب تقدماً في مسار الدولة الفلسطينية وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك قضية اللاجئين والقدس.
ويحذر عمر من أن فشل ضمان الأمن سيطيح بكل جهود الإعمار، مشبهاً التجربة المحتملة بـ”مشروع مارشال” الذي أعاد بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن في ظروف سياسية أكثر تعقيداً.

من يدفع الثمن؟
يقول أستاذ الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف إن “المنصف أن يتحمل الطرف المسؤول عن الهدم تكلفة البناء”، لكنه يستدرك بأن دول الخليج ستتحمل العبء الأكبر بفعل ضغوط أميركية. ويتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من الإعمار بنحو عشرة مليارات دولار لإعادة الخدمات الأساسية، فيما تتطلب المراحل اللاحقة نحو خمسين ملياراً.
ويشير يوسف إلى أن واشنطن قد تمنح شركات أميركية عقود البناء كما فعلت في العراق، بينما ستسعى قطر وتركيا لضمان الشفافية. ويرجح أن تضخ مصر والأردن العمالة اللازمة للمشاريع، معتبراً أن إشراك دول ساهمت في الحرب، مثل ألمانيا، أمر يثير الاستغراب.

الخطة الأميركية والحوكمة المقترحة
تقوم الرؤية الأميركية – المعروفة إعلامياً بـ”خطة ترامب” – على ربط الإعمار بالأمن والحَوكمة، وتتضمن إنشاء هيئة دولية لإدارة الملف بمشاركة فلسطينية انتقالية، وتأسيس منطقة اقتصادية خاصة داخل غزة لجذب الاستثمارات. كما تشتمل الخطة على ترتيبات أمنية متدرجة لنزع سلاح الفصائل، وتوفير قوة استقرار دولية تحل محل القوات الإسرائيلية تدريجياً.
غير أن الخطة ما زالت تفتقر إلى تفاصيل ملزمة للتمويل أو الجدولة الزمنية، كما لا توجد التزامات رسمية محددة من المانحين حتى الآن.
التحديات والمخاطر
يواجه مشروع الإعمار مخاطر عديدة أبرزها غياب الأمن وضمان الولوج للمواد والمعدات، وضعف الحوكمة المحلية، وتعدد أجندات المانحين، فضلاً عن تعقيدات ملكية الأراضي وصيانة المنشآت بعد بنائها. وتوصي التقارير بإنشاء صندوق ائتماني موحد لإدارة التمويل، وبرامج “النقد مقابل العمل” لتوليد فرص عمل فورية، واعتماد آليات شفافة للمشتريات والعقود.
خارطة طريق عملية
تقترح الخطة الدولية خارطة من 12 خطوة تشمل تشكيل مجلس توجيهي مشترك، وتأسيس صندوق ائتماني لدى البنك الدولي، وتنفيذ مشاريع عاجلة للكهرباء والمياه والنفايات والمستشفيات الميدانية، وبناء وحدات سكنية معيارية قابلة للتوسع، وتطوير مشروعات الشراكة في الطاقة والنفايات، وإطلاق بوابة بيانات عامة لشفافية الإنفاق، إلى جانب تمويل مختلط يجمع بين المنح والقروض والضمانات.
رغم ضخامة الأرقام وتعقيد المشهد، يرى الخبراء أن نجاح الإعمار سيُقاس بما يصل فعلاً إلى الناس، لا بما يُعلن من وعود. فكل ساعة كهرباء إضافية، وكل نقطة ماء آمنة، وكل وظيفة تُستحدث في غزة، هي المعيار الحقيقي لنجاح السلام بعد الحرب. الإعمار ليس مجرد مشروع هندسي، بل اختبار لإرادة العالم في منح غزة حق الحياة من جديد.



