
القاهرة – عبد الغني دياب
تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر من كل عام، بيومها الوطني، وهو مناسبة تستحضر فيها الدولة قصة اتحادٍ فريد بدأ عام 1971، ليضع الأساس لأحد أنجح نماذج التنمية في المنطقة والعالم. يمثل هذا اليوم محطة وطنية يعتز بها المواطن والمقيم، ليس فقط لارتباطه بالإعلان الرسمي للاتحاد؛ بل لأنه مناسبة تُجدد فيها الدولة التزامها بقيم العمل المشترك، والتسامح، والاستثمار في الإنسان، وهي المبادئ التي وضعها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والآباء المؤسسون.

منذ اللحظة الأولى لتأسيس الاتحاد، تجسدت رؤية الدولة في بناء نموذج يقوم على قوة الإنسان قبل البنيان، فجعلت التعليم والصحة والأمن والتنمية الاجتماعية في صدارة الأولويات، ونجحت خلال أكثر من خمسة عقود في التحول من دولة ناشئة تعتمد على الموارد الطبيعية، إلى قوة اقتصادية قائمة على المعرفة والابتكار، تمتلك تأثيرًا سياسيًا وإنسانيًا يمتد خارج حدودها.
الاتحاد.. مرتكز القوة وبداية الحلم
يأتي الثاني من ديسمبر كتذكير بالمشروع الوطني الذي انطلق قبل 54 عامًا بقيادة الشيخ زايد، وإيمان راسخ بأن التعاون بين الإمارات السبع هو الطريق للمستقبل. وبانضمام رأس الخيمة في فبراير 1972 اكتمل عقد الاتحاد، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة العصرية التي أصبحت اليوم نموذجًا للاستقرار والتنمية.
اعتمدت الدولة منذ بداياتها على رؤية تتجاوز الاحتياجات الآنية، وتُخطط للأجيال القادمة. لذلك، ارتبط اليوم الوطني دائمًا بذكريات التضحية والعمل الجاد، واستحضار قيم المؤسسين، وفي مقدمتها الوحدة والعدالة وتقدير الإنسان.
اقتصاد متنوع.. وريادة عالمية
تمكنت الإمارات خلال العقود الماضية، من بناء اقتصاد يعدّ اليوم من الأكثر تنافسية في الشرق الأوسط، ويمتلك بنية تحتية تُضاهي أكبر الاقتصادات العالمية. اعتمدت الدولة نهج التنويع الاقتصادي، وقللت اعتمادها على النفط، وركزت على قطاعات استراتيجية؛ مثل التجارة والتقنية والمال والسياحة والطاقة المتجددة.
وأصبحت دبي وأبوظبي من أكبر المراكز الاقتصادية إقليميًا ودوليًا، مستندتين إلى شبكات نقل وموانئ ومطارات عالمية المستوى، فمطار دبي الدولي أحد أكثر المطارات ازدحامًا في العالم، وميناء جبل علي من أكبر الموانئ في الشرق الأوسط.
كما عززت الإمارات موقعها كوجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية عبر قوانين مرنة، وبيئة أعمال متطورة، وتسهيلات حكومية جعلتها مركزًا للأعمال والشركات العالمية.

الفضاء.. قفزة إماراتية إلى المستقبل
لم تتوقف طموحات الدولة عند حدود الأرض، بل امتدت إلى الفضاء؛ فقد شكل إطلاق «مسبار الأمل» ووصوله إلى مدار المريخ، نقلة نوعية جعلت الإمارات أول دولة عربية تصل إلى الكوكب الأحمر. ونجح برنامج الإمارات لرواد الفضاء في إرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ثم أطلقت المهمة التاريخية لسلطان النيادي التي استمرت أطول مدة لرائد فضاء عربي.
هذه النجاحات ليست مجرد إنجازات علمية، بل هي جزء من مشروع وطني يرمي إلى إعداد جيل عربي قادر على الإبداع والمنافسة عالميًا في العلوم والتكنولوجيا.
دولة التسامح.. مجتمع يجمع العالم
التنوع الاجتماعي الذي يضم أكثر من 200 جنسية يعيشون في الإمارات يشكل واحدًا من معالم قوتها الناعمة؛ فالدولة تبني نموذجًا قائمًا على احترام التنوع، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعلاء قيمة التعايش. وقد تجسدت هذه المبادئ في مبادرات عالمية؛ مثل «عام التسامح»، وإنشاء «بيت العائلة الإبراهيمية» الذي يضم دور عبادة للأديان الثلاثة في صرح واحد، في رسالة عالمية لتعزيز التفاهم بين الشعوب.
السياسة الخارجية.. حضور فاعل وتأثير دولي
تتبنى الإمارات سياسة خارجية قائمة على الدبلوماسية الهادئة، وتعزيز الاستقرار في المنطقة، ودعم التنمية في الدول الشقيقة والصديقة. وتعد الدولة اليوم من أكبر المانحين الدوليين في مجالات الإغاثة والعمل الإنساني، وتدير عشرات المشاريع الإنمائية في قارات مختلفة.
وفي السنوات الأخيرة، توسع دور الإمارات في ملفات المناخ، والطاقة، والاستدامة، والتسوية السياسية، لتعزز مكانتها كطرف محوري في صناعة الحلول العالمية.
الخمسون المقبلة.. رؤية مستقبلية تقود الطريق
تتطلع الإمارات اليوم إلى مستقبل أكثر تقدمًا ضمن خطة «مئوية الإمارات 2071» و«رؤية الإمارات 2031». وتركز هذه الخطط على رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الصناعات القائمة على المعرفة، وتطوير منظومات التعليم، وتحويل الدولة إلى أحد أكثر الاقتصادات ابتكارًا في العالم.
كما تمثل الاستدامة محورًا أساسيًا في رؤية المستقبل، وهو ما تجسد باستضافة مؤتمر المناخ «COP28»، وإطلاق مشاريع عملاقة في الطاقة الشمسية والطاقة النووية السلمية.
المجتمع والإنسان.. قلب المشروع الوطني
تركز الإمارات بشكل كبير على تمكين الشباب والمرأة، وإعداد كوادر قادرة على قيادة الدولة في المستقبل، فالمرأة الإماراتية اليوم تتبوأ مناصب وزارية وقيادية في مختلف القطاعات، ولها حضور بارز في الدبلوماسية والقضاء والعلوم والفضاء.
كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتعزيز جودة الحياة، وتطوير القطاعات الصحية والتعليمية، وتوفير بيئة اجتماعية آمنة ومستقرة تحفز الإبداع.
الثقافة والهوية.. قوة ناعمة تتجدد
تسعى الإمارات إلى تعزيز قوتها الثقافية من خلال دعم الصناعات الإبداعية، وإنشاء المتاحف العالمية مثل «اللوفر أبوظبي»، وإقامة الفعاليات الثقافية والمهرجانات السينمائية والأدبية. كما تبرز الجهود المبذولة للحفاظ على التراث والهوية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الدولة وتراثها.
مظاهر الاحتفال.. فرحة وطنية تعم الإمارات
في اليوم الوطني، تتزين شوارع الدولة بالأعلام والرسومات والإنارات، وتُقام عروض عسكرية، واحتفالات شعبية، وفعاليات ثقافية وتراثية. كما تنظم عروض الألعاب النارية التي أصبحت جزءًا من هوية الاحتفال، وتشهد الإمارات تدفقًا كبيرًا للزوار الذين يشاركون المواطنين فرحتهم.
هذه الاحتفالات تؤكد التلاحم بين القيادة والشعب، وتعكس روح الولاء والانتماء، وتعيد التأكيد على قيم الاتحاد التي بُنيت عليها الدولة.
ويمثل اليوم الوطني الإماراتي رمزًا لمسيرة وطن صنع نفسه بإرادة صادقة ورؤية استشرافية. وبعد أكثر من خمسة عقود على تأسيس الاتحاد، تظل الإمارات مثالًا على قدرة الدول الصغيرة في الجغرافيا، الكبيرة في الطموح، على الوصول إلى العالمية من خلال تخطيط، وقيادة، وعمل مشترك.
إن الثاني من ديسمبر ليس مجرد احتفال؛ بل شهادة متجددة على أن الاتحاد هو القاعدة التي انطلقت منها الدولة، وهو ذاته الركيزة التي ستستمر بها نحو المستقبل. ومع كل عام يمر، تثبت الإمارات أن التنمية حين تقترن برؤية وقيم، يمكن أن تصنع نموذجًا يُحتذى به عالميًا.



