تقارير ومنوعات

عودة محارب قصة قصيرة لـ”هبة مسعود”

كان التصفيق يتصاعد كالموج، والمذيع يتقدّم نحوه بخطوات حماسية. لم يكن يبتسم من أجل الكاميرات فقط؛ بل كان يبتسم لطفلٍ ما داخله، ما زال يذكر رائحة الماء في حوض السباحة في أول يومٍ دخل فيه النادي، ويد أمه تمسك بكفه الصغيرة.
أشار له المذيع أن يبدأ وطفق يتحدث مسترجعا شريط حياته.
قال:
– كنتُ صغيرًا، لا أجيد سوى أن أطفو، وكانت أمي… هي التي تدفعني للأمام، من بعيد، دون أن أراها أحيانًا، لكني دائمًا كنت أشعر بها.
في صالة التدريب، كان الماء يحتضنه، لكنه كان يشعر بالبرد. لا من الماء… بل من العيون.
كانت هناك نظرات لا تسبح معه، بل تحاول أن تُغرقه.
يتذكر جيدًا ذلك اليوم؛ حين خرج من حوض السباحة ووجد حقيبته خالية. ثيابه اختفت، والماء على جسده صار شتاءً قاسيًا. جلس على المقعد الحديدي، يرتجف، محاولًا أن يخفي دمعة انحدرت فجأة. اتصل بها و جاء صوتها، كعادته، دافئًا رغم العجلة:
– أنا قادمة ، انتظرني
لم تسأل كثيرًا، ولم تصرخ، فقط سارت نحو المدرب وأشارت بإصبعها إلى قسوة لا تليق برياضة.
في ذلك اليوم، لم يفز بالميدالية. بل فاز لأنه بقي.
مرت الأعوام، وتحوّل الطفل الهادئ إلى منافس صلب. لكن الغصة لم تفارقه، ولا الظلال التي تحيط بالناجحين.
في أول بطولة دولية، كان اسمه وحيدًا بين الأعلام.
لكن في الجولة الثانية، سمع صرخة خافتة في كتفه، وسقط الماء عليه.
لم يبكِ. فقط جلس على كرسي جانبي، يحاول أن يلف كتفه بمنشفة… إلى أن وجد رأسها إلى جواره.
قالت له ببساطة:
– لا يجب أن تفوز حتي تصبح عظيما.
أسند رأسه على كتفها ، وقال همسًا:
– لكني وددت أن أفرّحك.
ضحكت وهي تمسح شعره، كأنه ما زال صغيرًا:
– لقد فرّحت قلبي بمجرد أني علمت أن أحملك في أحشائي.
سنوات تلتها، كان يسبح بصمت. لا يغضب من خصم، ولا يلتفت لصوت.
لكن هناك شيء في أعماقه، كان أقوى من أي شيء
وفي النهاية، عاد.
بميدالية فضية، وكتف متعافٍ، وقلب ممتلئ.
رفع المذيع المايكروفون مجددًا، وسأله:
– أتحب أن توجّه رسالة لأحد؟
رفع عينيه نحو الكاميرا، ثم قال بصوت مفعم بالفرحة والفخر:
– أنا أعلم أنك تشاهدينني الآن يا أمي…
كل مرة كنت أسبح فيها ، كنتِ النفس الذي أتنفسه.
.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى