عاطف زايد يكتب.. علي الشرفاء الحمادي.. صوت الوعي العربي في زمن التبعية

حين غاب الوعي وحضرت التبعية لم يعد الصراع العربي اليوم صراع حدود أو مصالح فقط، بل أصبح صراعًا على الوعي ذاته. والمثقف العربي، الذي كان يومًا ضمير الأمة وصوت نهضتها، بات في كثير من الأحيان جزءًا من حالة التيه، متأثرًا ببريق الغرب وثقافته، ناسياً أن الأمة التي لا تستند إلى قيمها ولا تستلهم فكرها من جذورها، تفقد روحها قبل قوتها.
لقد انجرف بعض المثقفين العرب وراء خطاب التنوير الغربي المعلّب، الذي يُقدَّم على أنه طريق الحداثة والتقدم، بينما هو في حقيقته باب للتبعية والانفصال عن الذات. تناسوا أن التنوير الحق لا يأتي من خارج الأمة، بل من داخلها، من فهم رسالة الإسلام كما أرادها الله، دين رحمة وعدل، لا سيفًا ولا صراعًا. أمثلة حية على اغتراب المثقف العربي في العقود الأخيرة، شاهدنا كيف تحوّل بعض المثقفين العرب إلى أبواق للغرب، يرددون مقولاته ويهاجمون كل ما يمتّ بصلة للهوية العربية والإسلامية. فبين من يرى أن نهضة الأمة لا تكون إلا بتقليد النموذج الغربي حرفيًا، ومن يستهزئ بموروثه الثقافي والديني أمام المحافل الأجنبية، ضاع الخط الفاصل بين الانفتاح الواعي والتبعية العمياء.
رأينا كتّابًا يهاجمون لغتهم العربية في مقالاتهم ويستبدلونها بلغة الغرب، ومفكرين يبررون تدخل القوى الأجنبية في شؤون بلدانهم تحت شعارات الحرية والديمقراطية، بينما يغضّون الطرف عن مآسي أوطانهم ودماء شعوبهم. حتى في زمن الحروب على غزة وسوريا واليمن، آثر بعض المثقفين الصمت أو الانحياز إلى رواية الآخر، وكأنهم فقدوا البوصلة التي توجههم نحو قضايا الأمة ومظالمها. الشرفاء الحمادي ومشروعه في زمن التيه وسط هذا الانقسام والانبهار بالغرب، يبرز المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي كصوت استثنائي في الفكر العربي المعاصر.
مثقف عربي أصيل جمع بين الجرأة في الطرح وعمق الإيمان برسالة الإصلاح، لم يبحث عن مجدٍ شخصي ولا سلطة فكرية، بل حمل همّ الأمة في فكره وقلبه، مؤمنًا بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الوعي لا من الشعارات. انطلق الشرفاء من قاعدة ثابتة مفادها أن الأمة لا تنهض إلا إذا استعادت وعيها برسالة الإسلام الحقيقية: رسالة سلام ورحمة وعدل.
ومن هذا المنطلق، أسس مشروع “رسالة السلام” الذي يسعى إلى تحرير الدين من أغلال التأويلات البشرية، وإعادة بناء العقل العربي على أسس الرحمة والتسامح. كان فكره بمثابة دعوة صادقة لتجديد الخطاب الديني، ونفض غبار الجمود، وفتح أبواب النهضة الفكرية أمام جيلٍ عطِشٍ إلى الحقيقة. الشرفاء الحمادي.. فكر جريء وهمّ عربي أصيل في مقابل الانبهار الأعمى بالغرب، يقدّم الشرفاء الحمادي نموذج المثقف الذي لا يخشى المواجهة الفكرية، ولا يساوم على ثوابت أمته. لقد حمل همّ القضايا العربية في قلبه، مؤمنًا أن العدو الأكبر ليس الخارج بل غياب الوعي في الداخل. دعا إلى أن تكون الثقافة رسالة إصلاح وليست أداة ترف فكري، وأن يكون المثقف لسان الأمة لا مرآة للآخر.
لقد آمن الشرفاء بأن الفكر إذا لم يحمِ هوية الأمة ويصون كرامتها، يصبح أداة في يد خصومها. ولهذا جاءت كتاباته حافلة بالتحذير من الغلوّ الديني ومن التبعية الفكرية، داعيًا إلى التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وإلى فهم الدين في ضوء مقاصده الإنسانية تحذير من الغياب والتخاذل إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس سلاح العدو، بل تراجع دور المثقف العربي الذي ترك الساحة خاوية أمام الجهل والفتنة. لقد غاب صوت الوعي، وغابت الكلمة الحرة التي كانت يومًا تُشعل نور النهضة.
وسيسأل التاريخ: أين كان المثقف العربي حين كان علي الشرفاء الحمادي يدق ناقوس الوعي؟ ماذا ستقول الأجيال القادمة عن مفكر عربي حمل همّ أمته وحده، وسعى بفكرٍ وقلبٍ شجاعين لإحياء ضمير الأمة، بينما وقف كثير من المثقفين على مقاعد المتفرجين؟ سيُكتب في صفحات التاريخ أن هناك من صمت خوفًا أو نفاقًا، وأن هناك من تكلّم صدقًا وإصلاحًا.
والفارق بينهما سيحدّد شكل مستقبل الأمة ووعي أجيالها القادمة. الخاتمة: دعوة لاستعادة الوعي المثقف العربي مدعو اليوم لأن يقف أمام مرآته، ويسأل نفسه: هل أنا أداة وعي أم صدى لغيري؟ إن الأمة العربية تحتاج إلى مشروع تنوير حقيقي ينبع من تراثها الحي، يعيد للعقل العربي توازنه، ويستعيد للثقافة دورها الرسالي في بناء الإنسان قبل الدولة. وفكر علي الشرفاء الحمادي هو أحد المفاتيح الصادقة لهذا الطريق؛ لأنه لا يدعو إلى صدام، بل إلى سلام، ولا إلى هدم، بل إلى وعي وبناء. فهل آن للمثقفين العرب أن يصغوا إلى هذا النداء قبل أن يبتلعنا الضجيج الغربي تمامًا؟



