اجتماعيةدراسات

ظاهرة التسول في مصر: تجارة أم احتياج؟

إعداد/ د. راند فخر الدين

المقدمة

التسول ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هو مرآة تعكس اختلالات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في مصر، ورغم محاولات الدولة المتكررة للتصدي لها، فإنها لا تزال تنتشر في المدن الكبرى والقرى على حد سواء. فالمتسول قد يكون شخصًا يعاني من الفقر المدقع، أو طفلًا فقد معيله، أو امرأة تستغلها شبكة منظمة. هذه التعددية في الأسباب والوجوه تجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى. إذ تجمع بين الحاجة الاقتصادية الحقيقية من جهة، وبين استغلال منظم في بعض الحالات يحولها إلى “مهنة” أو حتى “تجارة” قائمة بذاتها. لفهم أبعاد هذه الظاهرة، لا بد من الرجوع إلى أحدث الدراسات والإحصاءات الميدانية التي ترسم صورة أقرب للواقع.

أحدث التقديرات (2024–2025)

تشير الدراسات والتقارير إلى أن أعداد المتسولين في مصر تتوزع بشكل غير متوازن بين الأقاليم:

  • القاهرة الكبرى: ما بين 4,000 و14,400 متسول.
    • العاصمة دائمًا ما تكون مركز جذب، ليس فقط للباحثين عن فرص عمل، بل أيضًا للمتسولين الذين يجدون في شوارعها المزدحمة فرصًا أكبر لتحصيل المال.
  • الوجه البحري (الدلتا): بين 20,000 و40,000 متسول.
    • الإسكندرية: ~9,000، نظرًا لأنها مدينة ساحلية مزدحمة بالسياحة والتجارة.
    • الغربية: ~5,800، نتيجة التوزع بين الريف والمراكز الحضرية.
    • الدقهلية: ~3,000، حيث تنتشر الظاهرة في الأسواق والأحياء الشعبية.
  • الصعيد (الوجه القبلي): ما بين 15,000 و50,000 متسول.
    • رغم أن الصعيد يشتهر بالتماسك الأسري، إلا أن انتشار الفقر والبطالة هناك جعل الظاهرة أكثر وضوحًا، خصوصًا في المراكز الحضرية مثل أسيوط وسوهاج.
  • الإجمالي الوطني: يتجاوز 70,000 متسول، وهو رقم يُظهر أن الظاهرة ليست محلية بل قومية.

ملاحظة: هذه الأرقام تقريبية وتعتمد على مصادر متنوعة (تقارير أمنية، صحفية، وبحوث).

هل هي “حاجة” أم “تجارة”؟

تشير الدراسات الميدانية إلى أن جزءًا كبيرًا من المتسولين هم بالفعل ضحايا للفقر والبطالة وضعف التعليم. في المقابل، هناك دلائل واضحة على وجود شبكات منظمة تستغل النساء والأطفال وذوي الإعاقة في عمليات التسول، بل وتستخدم التسول الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة حديثة للتربح.

  • الحاجة الحقيقية:
    كثير من المتسولين هم بالفعل ضحايا ظروف قاسية. مثلًا:

    • رجل مسن فقد قدرته على العمل، فيلجأ إلى الجلوس أمام المساجد طلبًا للعون.
    • أم فقدت معيلها، تضطر لحمل طفلها واستعطاف المارة.
  • التجارة المنظمة:
    لا يقف الأمر عند حدود الفقر، فهناك شبكات منظمة تدير هذه العملية بدقة:

    • توزع المتسولين على إشارات المرور والمناطق الحيوية.
    • تفرض عليهم حصصًا مالية يومية يجب تسليمها.
    • أحيانًا تستخدم أطفالًا معاقين أو نساء لإثارة التعاطف.
    • ظهر شكل جديد هو التسول الإلكتروني عبر مواقع التواصل، حيث ينشر أشخاص قصصًا وهمية للحصول على تبرعات.

الأسباب الجذرية للظاهرة

  1. الفقر المدقع والبطالة التي تدفع الأفراد إلى البحث عن أي مصدر دخل. وفقًا لبيانات رسمية، ما زال أكثر من ربع السكان تحت خط الفقر. ومع ندرة فرص العمل، يتحول التسول إلى “مهنة اضطرارية”.
  2. ضعف التعليم والمهارات، ما يحد من فرص العمل. الأميّة والجهل يحصران الأفراد في دائرة ضيقة لا تسمح بفرص بديلة.
  3. الهشاشة الأسرية مثل فقدان أحد الوالدين، الطلاق أو الإدمان، مما يزيد من عرضة الأطفال والنساء للاستغلال.
  4. ضعف الحماية الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى خدمات الرعاية. رغم وجود برامج مثل “تكافل وكرامة”، إلا أن كثيرين لا تصلهم المساعدات.
  5. وجود شبكات منظمة في بعض المدن تدير نشاط التسول وتتعامل مع التسول كعمل تجاري مربح، يدر أرباحًا يومية أكبر مما يتوقعه الناس.
  6. ظهور أساليب تسول حديثة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. مثل ظهور حملات وهمية على فيسبوك أو تيك توك تستجدي المال بحجج المرض أو الحاجة.
التأثيرات السلبية للظاهرة

اقتصاديًا:

  • صورة سلبية أمام السياح والمستثمرين.
  • تحويل الأموال من الإنتاجية إلى الإعالة غير الرسمية.

اجتماعيًا:

  • تعزيز ثقافة الكسل والاتكال على الآخرين.
  • تهديد قيم العمل والاجتهاد.

نفسيًا:

  • الأطفال المتسولون يتعرضون لإذلال يومي يفقدهم الإحساس بالكرامة.
  • يترسخ لديهم شعور بالدونية، ما ينعكس على مستقبلهم التعليمي والاجتماعي.

أمنيًا:

  • بعض الشبكات تستغل الأطفال والنساء في أنشطة قد تتصل بجرائم أخرى او كغطاء للاتجار بالبشر أو تهريب المخدرات.
الموقف القانوني والسياسات الحديثة
  • لا يزال قانون 49 لسنة 1933 هو الإطار الأساسي لمكافحة الظاهرة، إلا أن البرلمان والحكومة يناقشان تحديث التشريعات لتشمل صور التسول المستحدثة كالتسول الإلكتروني واستغلال الأطفال.
  • هناك حملات أمنية متكررة أدت إلى اعتقال أفراد وجماعات تستغل الأطفال في التسول (2024-2025).
  • تعمل الحكومة على تحويل الدعم السلعي إلى دعم نقدي مباشر بحلول منتصف 2025.
  • تستمر منظمات المجتمع المدني في إطلاق مبادرات لإنشاء مراكز إيواء وتقديم الدعم النفسي والتعليمي للأطفال المشردين.

الحلول المقترحة

  1. تجريم كل صور التسول الحديثة وتحديث القانون.
  2. توسيع مظلة الدعم النقدي حتى لا يُترك الفقراء بلا بدائل.
  3. التعليم والتدريب المهني كأداة أساسية لمكافحة الفقر.
  4. تعزيز دور المجتمع المدني في إعادة دمج الأطفال والأسر.
  5. إطلاق حملات توعية إعلامية تكشف أساليب الشبكات المنظمة وتوجه التبرعات نحو قنوات رسمية.

الخلاصة

ظاهرة التسول في مصر ليست ذات وجه واحد بل تعكس ازدواجية الواقع؛ فمعظمها •      وجه إنساني نابع من الحاجة الحقيقية الناتجة عن الفقر والبطالة، لكن جزءًا منها له وجه استغلالي قائم على التجارة المنظمة التي تستغل الثغرات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية. ولذا، فإن التصدي للظاهرة ليس في المنع الأمني وحده، بل في حزمة متكاملة من الإجراءات ويتطلب مزيجًا من التشريعات الصارمة، والسياسات الاجتماعية العادلة، والتدخل المجتمعي الواعي.

بهذا فقط يمكن تقليل الظاهرة وحماية المجتمع من آثارها.

 

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى