رأي

صبري الديب يكتب.. تخطيت كل الحواجز الأمنية والتقيت قائد حماس

في أغسطس عام 2001، تلقيت دعوة من اتحاد الكتاب والأدباء العرب لحضور فعاليات المؤتمر العام للاتحاد، الذي عُقد بالعاصمة السورية دمشق، وشاء القدر أن تقوم إسرائيل في ذات التوقيت باغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، “أبو علي مصطفى”، في مدينة البيرة بالضفة الغربية.

ونظرًا لأهمية الحدث، الذي كان يُعد الأول الذي تنفذه إسرائيل ضد أحد قيادات الصف الأول الفلسطيني في ذلك الوقت، والمكانة السياسية والعسكرية الرفيعة التي كان يتمتع بها أبو علي مصطفى، فقد انتفضت دمشق في ذلك اليوم على وقع الحدث، لا سيما أنها كانت تحتضن أسرة الفقيد ومكتب الجبهة الشعبية في الخارج.

وهو ما دعاني في ذلك الوقت إلى التحرك أيضًا، والتواجد بشكل فوري وسط أسرة القيادي الراحل، وحضور مراسم العزاء حتى النهاية، بشكل ترك أثرًا بالغًا على علاقتي بالأسرة.

وبعد شهرين تقريبًا، نجح الجناح العسكري للجبهة في الثأر لأبو علي مصطفى واغتيال وزير السياحة الإسرائيلي “رحبعام زئيفي”، في الوقت الذي شاء فيه القدر أن أعود إلى دمشق في زيارة عمل شملت “سوريا ولبنان”، بدأت بلقاء مع “فادي”، نجل القيادي الفلسطيني الراحل، الذي لم يتردد في تلبية رغبتي في الاتصال بالدكتور “ماهر الطاهر” القائد الجديد للجبهة، ونقل رغبتي إليه في إجراء أول حوار معه بعد توليه القيادة، ونجاح الضربات الموجعة التي وجهها الجناح المسلح للجبهة إلى إسرائيل.

وبالفعل، وعدني فادي بتحديد الموعد فور عودتي من بيروت، التي سافرت إليها في اليوم التالي، في زيارة استغرقت 5 أيام، شملت العديد من اللقاءات مع شخصيات سياسية وإعلامية.

وفور عودتي إلى دمشق، اتصلت بـ”فادي” عبر تليفون المنزل، وكنت محظوظًا بأن يأتي الرد من الفاضلة حرم القيادي الفلسطيني الراحل، التي أخبرتني بود الأم أن فادي قد حدد لي موعدًا مع الدكتور “الطاهر” صباح الغد، وأن عليَّ بعدها أن ألبي دعوة الأسرة على الغذاء بمنزل أبو علي مصطفى.

وفي صباح اليوم التالي، جاءني فادي واصطحبني إلى مكتب الجبهة الشعبية، حيث دار حوار شيق للغاية مع الدكتور “ماهر الطاهر”، الذي لم يتردد أيضًا في تلبية رغبتي بالتوسط لتحديد لقاء لي مع “خالد مشعل”، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي كان محاطًا في ذلك الوقت بستار أمني فوق العادة، وسياج من السرية يجعل من الصعب تحديد مكانه، نظرًا لوجوده في صدارة قائمة الاغتيالات التي تستهدفها إسرائيل.

ورغم أنني توقعت أن يُقابل طلبي بالرفض من الدكتور الطاهر، إلا أن رده جاء مفاجئًا لي، وقال على الفور: “حالًا سأحدثه”.. وبالفعل، قام بالاتصال بزعيم حماس، الذي رفض في البداية بشدة، متعللًا بأنه يرفض إجراء أي حوارات صحفية منذ سنوات.. إلا أن الطاهر رد عليه قائلًا: “إن المحاور هذه المرة عروبي قومي، من جريدة الحزب العربي الناصري المصري، وصديق لأسرة الراحل أبو علي مصطفى، ومن الصعب أن نرد له طلبًا”.. فرد مشعل: “وأين هو الآن؟”.. فقال الطاهر: “إنه معي، وسيكون على الغذاء في منزل أبو علي مصطفى بعد دقائق”.. فقال مشعل: “حسنًا، سأقوم باتخاذ اللازم”.

وبالفعل، انطلقت بصحبة فادي إلى منزل العائلة، حيث جمعني لقاء ودي طغى عليه الكرم بأسرة الشهيد أبو علي مصطفى، أخبروني في نهايته بأن سيارة من مكتب حركة حماس تنتظرني بالخارج، وبالفعل، انطلقت بي السيارة إلى مخيم اليرموك.

وعند نقطة محددة، في شارع ضيق للغاية، طلب مني السائق النزول، وأشار لي بالتوجه إلى مكتب على بُعد خطوات، محاط زجاجه بستائر تكاد تخفي معالمه، ولا يوجد به سوى عدة آلات كاتبة، وما إن تخطيت عتبات المكتب وألقيت السلام، حتى فاجأني شاب بالداخل متسائلًا: “السيد صبري؟”.. قلت: نعم.

فاصطحبني إلى الخارج مرة أخرى، وأشار إلى بوابة عمارة، قائلًا: “تفضل، اصعد هنا”.. وبمجرد وصولي، فُتح الباب أوتوماتيكيًا، فدخلت ولم أجد أحدًا بانتظاري، فصعدت إلى أن وجدت أمامي شقة مفتوحة، أمامها عدد من الأحذية، فخلعت حذائي ودخلت وألقيت السلام.

فقام شاب ملتحٍ يرتدي جلبابًا أبيض باستقبالي والترحيب بي، واصطحبني إلى غرفة صالون متواضعة، يجلس بداخلها شابان، وقال لي: “تفضل، وسيستقبلك السيد خالد خلال دقائق، لأن لديه الآن ضيفًا بالمكتب”.. وفور خروجه، انضم ثلاثة شباب آخرين إلى الغرفة، وبدأوا جميعًا في حديث شيق عن تفاصيل عمليات عسكرية قامت بها حماس في مواقع مختلفة في الأرض المحتلة، وأنا أستمع بصمت وثقة دون أدنى تعليق.

وبعد دقائق، وبذات الثقة، استأذنت أحدهم أن أذهب إلى الحمام، فقال: “تفضل”، فتركت حقيبتي الصغيرة متعمدًا وخرجت معه، غير أنه توقف فجأة قائلًا: “أستأذنك، هناك إجراء أمني لا بد أن أقوم به”.. فابتسمت، ورفعت يدي، وقلت: “تحت أمرك، تفضل”.

فابتسم ورد: “لا لا، تفضل أولًا”.. وبالفعل، دخلت الحمام وخرجت، وأعدت عليه استعدادي للخضوع لأي إجراء أمني مطلوب، إلا أنه رفض وأشار إليَّ بالدخول إلى حيث كنا نجلس.

وبعد دقائق قليلة، دخل علينا “خالد مشعل” مبتسمًا ومرحبًا بي بشدة، واصطحبني إلى مكتبه، غير أنني فوجئت بأن كل الشباب الذين كانوا معي بالغرفة قد دخلوا وجلسوا جميعًا لحضور اللقاء، وهو ما أثار دهشتي، التي سرعان ما التقطها “مشعل”، وقال ضاحكًا: “معذرة سيد صبري، فالطاقم الأمني الخاص بي صعب شوية”.

وهنا أدركت أنني كنت على صواب عندما آثرت الصمت، واستجبت بثقة وترحاب لطلب التفتيش، وتركت حقيبتي متعمدًا لمنح طاقم مشعل الأمني فرصة الاطمئنان إلى هوية ضيف تعدى كل الحواجز خلال وقت قياسي، وبات على بُعد خطوات من قمة قيادة الحركة، دون أية مؤهلات تسمح له بذلك، سوى أنه يحظى بثقة فصيل شقيق.

وهو ما جعلني أضحك بشدة، ورددت على قائد حماس قائلًا: “تشرفت بهم جميعًا بالخارج، وأعتقد أنهم قد اطمأنوا”.

ورغم حرص فريق حماس على التدقيق في كل شيء، لدرجة تسجيل الحوار عبر جهاز كاسيت خاص بهم، تم وضعه بجوار جهازي، إلا أنني أعترف أن الحديث بيني وبين السيد “خالد مشعل” دار في جو ودي وصريح للغاية، لم يتردد خلاله في التعبير عن تقديره لدور مصر التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية، والإجابة عن كل تساؤلاتي، حتى التي حملت اتهامات صريحة للحركة.

ومع نهاية اللقاء، حرص قائد حماس على الاحتفاء بي، وإهدائي عددًا من الكتب وشرائط الفيديو، واختتمها بعد أيام بمكالمة شكر، عبر تليفوني الأرضي في مصر صباح يوم نشر الحوار.. وكفى.

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى