رأي

سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. السلام ليس استسلاماً.. بل قرار الأقوياء

في عالم تمزقه الحروب وتغذيه الأحقاد، يظن كثيرون أن السلام هو لغة الضعفاء، وأن من يختار طريقه إنما يفعل ذلك هرباً من المواجهة. لكن الحقيقة أن السلام قرار لا يتخذه إلا الأقوياء؛ لأنه يحتاج إلى شجاعة أعظم من تلك التي تُطلق الرصاص، وإلى وعيٍ أعمق من ضجيج البنادق. السلام الذي يصنعه الأقوياء هو اختيارٌ واعٍ لا يُفرض عليه، وهو قدرة على أن يمد الإنسان يده إلى الآخر، دون أن تفقد كرامته ولا حقه في الدفاع عن نفسه.

السلام الحقيقي لا يُولد من الخوف، بل من قوةٍ داخلية تؤمن بأن الكرامة لا تتناقض مع الهدوء، وأن حماية الإنسان لا تعني التخلي عن المبادئ. فالقوي هو من يملك القدرة على الحرب، ثم يختار ألّا يخوضها، لأنه يعرف أن بناء الحياة أصعب من هدمها، وأن كلمةً صادقة قد تُنقذ وطناً بأكمله من دوامة الدم. القوة ليست في حمل السلاح وحده، بل في إدراك متى يُستخدم، ومتى يكون الحسم بالكلمة أو بالحكمة أفضل من العنف.

اقرأ أيضا: سليم عبد الكريم الهندي يكتب.. حل الدولتين بين شعارات السياسة وحقائق الحرب في غزة

على مر التاريخ، لم يكن السلام حكاية ضعف، بل ثمرة توازنٍ بين القوة والعقل. من امتلك السلاح ولم يمتلك الحكمة ضل طريقه، ومن امتلك الحكمة دون قوةٍ تُصونها صار صوته همساً في عاصفةٍ من الفوضى. القوة التي لا تفسدها الغاية، والعقل الذي لا تضعفه العاطفة، هما من يصنعان سلاماُ حقيقياً يستمر، لا هدنةً مؤقتة تنهار عند أول امتحان.

التاريخ مليء بالأمثلة: قادةٌ عرفوا أن استخدام القوة بلا رؤية يدمر كل شيء، بينما أولئك الذين استطاعوا أن يوازنوا بين صلابة الموقف ورغبة السلام، صنعوا أمجاداً حقيقية استمرت لأجيال. فالمعركة الحقيقية ليست على الأرض فقط، بل في العقل والضمير، حيث تُبنى إرادة الشعوب على الحق والكرامة، لا على الخوف والانكسار.

وفي قلب المأساة، يرفع أهل غزة صوتهم الإنساني: لسنا عشاق حربٍ، ولا طالبي موت، بل شعبٌ يحب الحياة كما يحب الحرية. لكن الواقع قاسٍ ومرير عامان من الحرب على غزة والقتل المستمر قضيا على كل شيء: منازلٌ تهدمت، أرزاقٌ اختفت، وأحلامٌ تلاشت، لتصبح حياة أهل غزة اختباراً مستمراً للصبر والكرامة. هذه الخسائر لا تُمحى بالكلمات، وهي التي تؤكد أن الرغبة في السلام ليست رفاهية بل ضرورة وجودية للبقاء والكرامة، وأن السلام العادل وحده هو الذي يصون الإنسان ويمنع تكرار المأساة.

ومن حقّ الشعب الفلسطيني أن يعيش بسلامٍ وأمان، في دولةٍ حرّةٍ ذات سيادة، خاليةٍ من العنف والاحتلال، يسودها العدل والكرامة، وتُبنى فيها الحياة على الأمل لا على الخوف. هذه الرغبة ليست شعاراً فحسب، بل جوهرٌ لحياة إنسانية طبيعية، حيث يمكن لكل فرد أن يحلم بمستقبلٍ أفضل دون أن يراقب الأفق بحثاً عن قذيفة أو طائرة.

السلام ليس استسلاماً، بل هو اختيارٌ شجاع يتطلب من الإنسان أن يعرف متى يصمد، ومتى يتراجع للحفاظ على الحياة والكرامة. إنه قرار الأقوياء الذين يعرفون أن الكلمة العادلة أقوى من المدفع، وأن حماية الحياة أعظم من أي نصرٍ مؤقت يُغرق الجميع في الخسارة. القوة هنا ليست تهديداً، بل ضمانة للسلام، وليست هيمنةً، بل حرية تحفظ الحقوق.

وفي النهاية، يبقى السلام رسالة الإنسان الواعي، الذي يمتلك من القوة والوعي ما يجعله قادراً على أن يختار الحياة لا الدمار، والكرامة لا الخوف، والأمل لا اليأس. السلام الحقيقي، كما نراه في قلب الشعب الفلسطيني، هو حلم حي، يربط بين القوة والحق، ويؤكد أن الإنسان مهما تكالبت عليه الصعاب، قادر على أن يبني مستقبله بأمان وحرية، طالما عرف معنى القوة الحقيقية: ألا تكون العنف غايته، بل الوسيلة لحماية الحياة والكرامة الإنسانية.

بعد الإطلاع على المقال يمكنك متابعة مركز العرب على فسيبوك  وتويتر وشاهد قناتنا على يوتيوب

اظهر المزيد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى